معركة طرابلس ... حرب جوية بامتياز

ربما التشبيه الأقرب للوضع التكتيكي الحالي في معركة طرابلس الحالية في ليبيا، هو أنه أشبه بحرب "الخنادق" التي كانت سِمة أساسية من سِمات المعارك في الحرب العالمية الأولى، وفيها يكون العنوان الأساسي للمعارك هو "الجمود"، والكرّ والفرّ في أفضل الأحوال.

معركة طرابلس ... حرب جوية بامتياز
معركة طرابلس ... حرب جوية بامتياز

هذا الوضع حوَّل المعركة بشكلٍ شبه كامل إلى معركةٍ جويةٍ بَحتة، يكون فيها الدور الأكبر موكَل إلى الطائرات من دون طيّار من كلا الجانبين، مع تطوّرات قليلة على المستوى الميداني تتركَّز حصراً في أحد محاور الجبهة الجنوبية وهو محور المطار - العزيزية - غريان.


حرب الدرونز في أجواء ليبيا

كانت العمليات الجوية من طرفيّ القتال منذ انطلاق معركة طرابلس أواخر نيسان/أبريل الماضي، تقتصر بشكلٍ رئيسي على استخدام كلا الطرفين لما هو متوافر من قاذفات تعود للحقبة السوفياتية، تمّت إعادة تأهيلها من جانب فنيين ينتمون إلى دول شرق أوروبا، وذلك ترافقَ مع تأكيد تواجد الطائرات التركية الهجومية من دون طيّار من نوع "بيرقدار" في حزيران/يونيو، لكن بسبب الأعطال الفنية المُتكرِّرة وعمليات الإسقاط المُتبادَل للطائرات ذات الجناح الثابت، تحوَّل المجهود الحربي الجوي بشكلٍ شبه كلّي إلى الطائرات من دون طيّار منذ منتصف تموز/يوليو، حيث شهد هذا الشهر عمليتين نوعيتين نفّذتهما الطائرات التركية من دون طيّار، استهدفتا قاعدة الجفرة الجوية التابعة للجيش الوطني الليبي بقيادة المُشير خليفة حفتر، وأسفرتا عن تدمير قاذفة من نوع "سوخوي 22 أم4" وطائرتيّ نقل من نوع "اليوشن 76 تي دي" كانتا تنقلان بشكلٍ شبه دائم أعتدة وذخائر لصالح الجيش. عقب هاتين العمليتين ردّ الجيش الوطني بغارةٍ على مهبط الكلية الجوية في مدينة مصراتة، أسفرت عن تدمير طائرة اليوشن 76، كانت تنفّذ طلعات مستمرة ما بين مصراتة وقاعدة Akinci الجوية التركية، تنقل من خلالها الطائرات التركية المُسيَّرة وذخائر متنوّعة.

في الشهر التالي، آب/أغسطس، تمكَّنت الطائرات التابعة للجيش الوطني من تدمير طائرتيّ تدريب وهجوم أرضي من نوع "أل-39 الباتروس" أثناء هبوطها في مهبط الكلية الجوية في مصراتة، وهذا يُضاف إلى عشرات الغارات الجوية النهارية والليلية على القسم العسكري في مطار معيتيقة في طرابلس ومهبط الكلية الجوية في مصراتة، والتي أسفرت عن تدمير ما بين عشر إلى خمس عشرة طائرة من دون طيّار من نوع "بيرقدار" من إجمالي عدد غير معروف من هذا النوع تسلّمته قوات حكومة الوفاق في طرابلس على أربع دفعات على الأقل.

على الرغم من أن طائرات "بيرقدار" المُسيَّرة حقَّقت توازناً نسبياً أمام المجهود الجوي لقوات الجيش الوطني، والذي يعتمد منذ سنوات في الجانب المُسيَّر منه على الطائرات الصينية الصنع "وينج لونج"، إلا أن هذه الأخيرة تتفوّق بشكلٍ واضحٍ في ما يتعلّق بالمدى والقدرة التدميرية، حيث أن مداها الكلّي يغطي كامل الأجواء الليبية، وتستطيع حمل ما يصل إلى 400 كجم من القنابل، في حين أن مدى طائرة "بيرقدار" لا يتجاوز 150 كيلو متراً كي لا تخرج عن نطاق التحكّم من منصّة التوجيه الأرضي، كما أن الذخائر التي تحملها لا تزيد زنتها الكلية عن 45 كيلوغراماً فقط. وهذا أدّى إلى محدودية إستفادة قوات حكومة الوفاق من هذا النوع من الطائرات، ودفعها إلى محاولة البحث عن مهابط أخرى خارج طرابلس ومصراتة اللتان تعرّضتا إلى ملاحقةٍ جويةٍ مستمرةٍ لأية طائرات من دون طيّار تقلع منهما، واتجهت أنظار حكومة الوفاق إلى مهابط بديلة من خلالها تستطيع توجيه ضربات إلى مواقع حيوية مثل الهلال النفطي، مثل مطار القرضابية في مدينة سرت الساحلية ومهبط النموة قرب مصراتة، ومواقع لتخزين الطائرات من دون طيّار وتمركز لمحطات توجيهها في مدينتيّ زوارة والزاوية غربي طرابلس، وهي مواقع تمّ قصفها جميعاً من جانب طائرات الجيش الوطني خلال الأيام الماضية.

بالإضافة إلى طائرات "وينج لونج" و"بيرقدار"، شهدت الأجواء الليبية ظهوراً لأنواعٍ أخرى من الطائرات من دون طيّار، من بينها طائرة الاستطلاع من دون طيّار إسرائيلية الصنع "Orbiter-3" التي تمّ إسقاط طائرتين منها جنوبي طرابلس في آب/أغسطس الماضي، وهي من أنواع الطائرات التي اشترتها تركيا من سنواتٍ سابقةٍ من إسرائيل. كذلك سجّلت الطائرات الصينية الصنع من دون طيّار "وينج لونج" سقوطها الأول في ليبيا بعد أن سقطت إحداها أوائل آب/أغسطس الماضي قرب مصراتة. كذلك تمّ إسقاط إحدى طائرات الإستطلاع إماراتية الصنع من الفئة "يبهون" في منطقة العزيزية جنوبي طرابلس أوائل حزيران/يونيو الماضي.

 


جمود الوضع الميداني في معركة طرابلس

منذ أواخر تموز/يوليو وحتى الآن مازال الوضع الميداني في معركة طرابلس على حاله، فالجبهة الجنوبية هي التي تشهد قتالاً فقط من دون أي تفعيل للجبهات الشرقية أو الغربية، وحتى الجبهة الجنوبية لا تشهد نشاطاً يُذكَر إلا في محور واحد فقط. في هذه الفترة وما قبلها تعرَّض الجيش الوطني لعدَّة عقبات، فبعد خسارته لقاعدته المُتقدّمة في غريان، فَقَدَ أيضاً مدينة مرزق جنوبي البلاد، بعد أن تمكَّنت وحدات موالية لحكومة الوفاق من دخولها والسيطرة عليها، وبهذا اضطرت قوات الجيش إلى سحب عدد من وحداتها البرية والجوية وتخصيصها للعمليات في الجنوب الليبي بشكل عام، ومرزق بشكل خاص، حيث تنفِّذ القوات الجوية التابعة له منذ أيام غارات على تحرّكات العناصر التشادية جنوب شرق مرزق في مناطق تراغن وقنفل. كذلك فَقَدَ الجيش منذ أيام في غارة لطائرة من دون طياّر تابعة لحكومة الوفاق إثنين من أهم قيادات اللواء التاسع، وهو من الوحدات القتالية الرئيسية العاملة في محور خلّة الفرجان وعين زارة جنوبي العاصمة.

على مستوى العمليات الميدانية، شهدت الجبهة الشرقية للعاصمة نشاطاً مكثّفاً للطائرات التابعة للجيش الوطني، حيث استهدفت هذه الطائرات بالإضافة إلى المواقع المُحتَمل انطلاق أو تخزين الطائرات التركية من دون طيّار فيها، مواقع وتمركزات قوات حكومة الوفاق في التخوم الغربية والجنوبية الغربية لمدينة سرت، وتحديداً مناطق مطار القرضابية وبونجيم وبوقرين ومعسكر الجارف، بجانب مناطق تقع في مدينة مصراتة المجاورة مثل الكلية الجوية ومعسكر الدفاع الجوي ومنطقة السدادة. وتستطلع المروحيات القتالية التابعة للجيش الوطني بشكلٍ دائمٍ النطاق الساحلي ما بين رأس لانوف وسرت.


أما في الجبهة الجنوبية، وتحديداً في محور المطار - العزيزية - غريان، فتستعر معارك مستمرّة في هذا المحور على ثلاثة اتجاهات، الأول اتجاه غريان، حيث تتقدّم قوات الجيش الوطني من جنوبي المدينة وتحديداً من مناطق الكليبة والأصابعة باتجاه مناطق كعام والمغاربة، ومن الشرق باتجاه منطقة الكميشات، وذلك بهدف الضغط على قوات حكومة الوفاق داخل المدينة ومنعها من دعم الوحدات الموجودة في العزيزية.


الاتجاه الثاني هو من منطقة أسبيعة الواقعة غربي مدينة ترهونة، باتجاه منطقة العزيزية، التي إن دانت السيطرة عليها لقوات الجيش الوطني، سيتم قطع الإمداد إلى غريان وفصلها عن مناطق جنوبي طرابلس. وفي هذه الاتجاه المعارك تتركَّز في مناطق شرقي العزيزية مثل بئر علاق وسيدي موسى وسيدي فرحات والسعدية، وهي هجمات تشهد كرّاً وفرّاَ ما بين الطرفين، كذلك تحاول قوات الجيش الوطني تنفيذ تحرّكات مُماثلة لكن من منطقة الكسارات جنوبي غرب العزيزية.


الاتجاه الثالث هو مطار طرابلس، الذي يتعرّض منذ أسابيع لهجمات شبه يومية من جانب قوات حكومة الوفاق، وتتركّز المعارك في المناطق الواقعة غربي المطار مثل الطويشة والرملة، وكذلك محيط معسكر النقلية وكوبري الفروسية ومشروع الهضبة شمالي المطار. بقيّة المحاور الجنوبية مثل عين زاره ووادي الربيع وخلّة الفرجان لم تشهد تغيّرات تُذكَر خلال الأسابيع الماضية.