محمد منصور

كاتب مصري وباحث فى الشؤون العسكرية. بدأ العمل الصحافي منذ عام 2008. ليسانس في الأدب الأنجليزي ودبلوم في الترجمة. إنضم لفريق الميادين نت فى أبريل 2016.

مصر .. ملفات الخارج تستهدف الداخل

غاز شرق المتوسّط ربما يكون هو مفتاح كل ما يحدث الآن. هذا الملف لم تتراجع فيه مصر قَيْدَ أنملة، وعلى ما يبدو لن تتراجع، حيث سيتمّ عقد قمّة مشتركة بين القيادة المصرية والقيادتين القبرصية واليونانية في الثامن من تشرين/أكتوبر المقبل.

  • غاز شرق المتوسّط … لا الديمقراطية

دخلت مصر منذ أواخر حزيران/ يونيو الماضي في مرحلةٍ جديدةٍ على المستوى الداخلي، عنوانها هو تجمّع التحديات الخارجية التي تواجهها من أجل توجيه ضربة سياسية وأمنية إلى الداخل المصري، فبالإضافة إلى محاولات إعادة تصعيد الوضع الأمني في سيناء، بدأت محاولات من جانب بعض الدول الإقليمية من أجل خَلْط الأوراق في الداخل المصري، ومحاولة إعادة التظاهرات مرة أخرى إلى الشارع بغَرَضِ إسقاط النظام الحاكِم، مُستغلّين في ذلك الأوضاع الإقتصادية الحالية. ملفات ليبيا وغاز شرق المتوسّط وسدّ النهضة وأيضاً "صفقة القرن"، كلها ملفات تجعل لهذه الدولة أو تلك أو حتى لدولٍ أخرى، دوافع قوية لمحاولة توتير الوضع في القاهرة.
الهدف الظاهِري لتركيا أو قطر من محاولة إيجاد "حراك شعبي" في مصر هو طبعاً "الديمقراطية وإنهاء الاستبداد"، لكن كل الشواهِد تدلّ على أن المُستهدَف هنا هو المؤسَّسة العسكرية في مصر، التي بدأت حملة تشويه كبيرة ضدّها منذ أسابيع مضت، مُترافِقة مع حملة إعلامية كبيرة سواء على الفضائيات التابعة للدولتين، أو على منصّات التواصُل الإجتماعي التابعة لهما ولجماعة الإخوان المدعومة منهما.

غاز شرق المتوسّط … لا الديمقراطية

غاز شرق المتوسّط ربما يكون هو مفتاح كل ما يحدث الآن. هذا الملف لم تتراجع فيه مصر قَيْدَ أنملة، وعلى ما يبدو لن تتراجع، حيث سيتمّ عقد قمّة مشتركة بين القيادة المصرية والقيادتين القبرصية واليونانية في الثامن من تشرين/أكتوبر المقبل، يتوقّع أن تؤكّد على مواقف الدول الثلاث الثابتة من مُجمل موضوع غاز شرق المتوسّط، ومن التحرّكات التركية الأخيرة للتنقيب عن الغاز في المنطقة الاقتصادية القبرصية، كما ازدادت بشكلٍ مطرد وتيرة الزيارات العسكرية بين مصر وكل من قبرص واليونان، وكان آخرها زيارة وزير الدفاع المصري إلى قبرص.
الهستيريا التركية من هذا الملف توضَّحت أكثر من خلال التصريحات الهجومية التي أدلى بها الرئيس التركي خلال فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي انتهت منذ أيام، والتي استدعت ردَّاً حازِماً من جانب الخارجية المصرية، التي بالإضافة إلى إصدارها لبيانٍ حاد اللهجة، قامت باستدعاء القائم بالأعمال التركي في القاهرة، لتوبيخه حول ما جاء على لسان الرئيس التركي.
ولا نستطيع أن نعتبر أن ملف غاز شرق المتوسّط هو المُتسبِّب الأساس في الهستيريا التركية، الملف الليبي أيضاً مُتسبِّب رئيس في هذا، فمصر ودول إقليمية أخرى مثل الإمارات العربية المتحدة، تستمر في دعم قوات الجيش بقيادة خليفة حفتر، والتي تسيطر حالياً على ما يقرب من 80 بالمائة من البلاد، ويتدفَّق الدعم العسكري من إسطنبول باتجاه طرابلس وقوات حكومة الوفاق، في محاولة لإبطاء تقدّم الجيش الليبي في الجيب الأخير الواقع تحت سيطرة حكومة طرابلس شمال غرب البلاد، خاصة وأن تركيا ترى في هذا الجيب منطقة السيطرة الإقليمية الوحيدة المُتبقيّة لها، بعد أن وطأت جنازير دبابات الجيش السوري أراضي جنوبي إدلب، معقل "المُعارضين" المدعومين من تركيا، والتي بدأت تركيا منه نقل المُسلّحين إلى طرابلس باعتراف كثيرٍ من القادة وعلى رأسهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

 

سدّ النهضة.. ملف يعود من جديد

عاد في هذا التوقيت الحَرِج، وبشكلٍ مُثيرٍ للرَيبة، ملف سدّ النهضة الإثيوبي إلى واجهة التحديات الإقليمية التي تواجه مصر حالياً، فبعد أن تمّ من خلال الإتفاق الإطاري عام 2011 الإتفاق من حيث المبدأ على بحث مدّة ملء خزّان السدّ بشكلٍ لا يضرّ بحصّة مصر من المياه، وتعهّد إثيوبيا المُتكرِّر بعدم الإضرار أبداً بالحقوق المصرية، أعلنت إثيوبيا عن اكتمال أعمال بناء سدّ النهضة بنسبة تقترب من 70 بالمائة، وقد ردّ الرئيس المصري بوضوحٍ خلال جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤكّداً أن المفاوضات حول مدّة ملء خزّان السدّ لم تُسفِر إلى نتيجة واضحة، وسط تعنّت إثيوبي تزايد مؤخراً حول هذه النقطة.
وكان واضحاً من خلال تصريحات الرئيس، الذي شدَّد على أنه "لا يمكن فرض الأمر الواقع في هذا الصَدَد"، أن التفاوض بين الجانبين وصل إلى نقطة حَرِجة، لا يوجد مُتسبِّب فيها سوى محاولات أطراف إقليمية كتركيا وإسرائيل إغراء أديس أبابا باستثماراتٍ ماليةٍ ومساعداتٍ عسكريةٍ للتصلّب في موقفها. مصر من جهتها ترى أنه مازال الوقت مُتاحاً أمامها للتفاوض حول النقطة الخلافية الرئيسة بخصوص السدّ، وتجرى محاولات من جانب القاهرة لإدخال دول مثل روسيا والصين كوسطاءٍ في هذه الأزمة، التي تحاول مصر فيها الحل العسكري، الذي هو ممكن لوجيستياً وميدانياً، لكن له مخاطر إقليمية وإستراتيجية.

الملف الأمني إلى الواجهة

شهدت الفترة الماضية، وتحديداً من أواخر حزيران/ يونيو الماضي، نشاطاً كبيراً لوحدات الشرطة في سيناء وخارجها، ففي سيناء قتلت قوات الشرطة 50 تكفيرياً خلال أربع مداهمات رئيسية شملت مناطق العبور والريسة في مدينة العريش، ومنطقة جلبانة قرب مدينة بئر العبد شمالي سيناء، أما خارج سيناء، فقد شنَّت الشرطة سلسلة من المُداهمات التي تستهدف عناصر المجموعات المُسلّحة التابعة لجماعة "الإخوان المسلمين" مثل لواء الثورة وحركة حسم، فقتلت تسعة عناصر من لواء الثورة في مُداهمتين في مدينة 15 مايو فى حلوان ومدينة العبور في محافظة القليوبية، وقتلت سبعة من عناصر حركة حسم في اشتباكات في المطرية شرقي محافظة القاهرة والسادس من أكتوبر في محافظة الجيزة، إلى جانب مقتل 17 عنصراً إرهابياً في مُداهمات مُتعدِّدة بمناطق الشروق والفيوم وحلوان، وستة آخرين قرب الواحات البحرية، وثمانية في مداهمة لموقع قرب طريق محافظة أسيوط الغربي.
ارتبط النشاط الأمني أيضاً بدعوات التظاهر التي أطلقتها جماعة "الإخوان المسلمين" ومجموعات مصرية مُعارِضة في الخارج، حيث أعلنت قوات الأمن إلقاءها القبض على عددٍ من الأفراد من جنسياتٍ مختلفةٍ من بينهم أتراك، كانوا متواجدين ضمن نطاق ميدان التحرير في العاصمة المصرية خلال الجمعة قبل الماضية. وقد تصادفت هذه الأحداث مع كشف الإعلام المصري عن إحباط محاولة من جانب عناصر تابعين للواء الثورة لاغتيال الرئيس المصري عام 2017 في منطقة المعمورة في محافظة الإسكندرية.
في ما يتعلّق بنشاط الجيش المصري في سيناء، فقد أصدر المُتحدِّث العسكري منذ أيام بياناً حول حصيلة العمليات في سيناء خلال الفترة الماضية، حيث تمّ تدمير 33 مخبأ للعناصر التكفيرية، و44 سيارة دفع رُباعي، بالإضافة إلى تدمير القوات الجوية ل 83 عربة حاولت اختراق الحدود الغربية مع ليبيا و25 عربة أخرى حاولت اختراق الحدود الجنوبية مع السودان. كذلك تمّ تفجير وإبطال مفعول 203 عبوات ناسِفة، وقتل 118 عنصراً تكفيرياً، إلى جانب تدمير 11 نفقاً حدودياً. من أهم الأمور اللافِتة في هذا البيان كان الإعلان عن إحباط محاولة أكثر من 11 ألف شخص للهجرة غير الشرعية خلال الفترة الماضية.

 

التسلّح المصري … تصاعُد مستمر

وتيرة التسلّح المصري سواء بتحديث ما هو موجود لديه من منظومات، أو بإنتاج وشراء منظومات جديدة مستمرة وبمعدل كبير.
فمنذ نهاية حزيران/يونيو الماضي، تمّ الإعلان بشكلٍ رسمي أو غير رسمي عن دخول أو احتمالية دخول عدد كبير من المنظومات الجديدة في الخدمة لدى الجيش المصري، حيث اشترت القوات الجوية المصرية من الأردن بالاتفاق مع روسيا طائرتيّ نقل إستراتيجي من نوع "أليوشن 76" كانتا في الخدمة لدى القوات الجوية الأردنية، مع بدء مفاوضات مع روسيا لشراء ثماني طائرات تزويد بالوقود من نوع "أليوشن 78"، وهذا قد يكون مُرتبطاً بتطوّرات ملف سدّ النهضة. كذلك وقَّعت مصر عقداً مع شركة Project XYZ لتطوير نظام إدارة النيران الخاصة بمنظومات الدفاع الجوي أميركية الصنع "شابرال" بقيمة تصل إلى 17 مليون دولار. كما قدَّمت مصر طلباً إلى الولايات المتحدة الأميركية للتزوّد بعدد 1000 مُدرَّعة مقاوِمة للألغام، تُضاف إلى نحو 930 مُدرَّعة من هذا النوع تسلَّمتها بالفعل ودخل عدد منها في الخدمة في سيناء.
يستمر التعاون العسكري المُتزايد بين مصر وأوكرانيا، حيث تحدَّثت الصحافة الأوكرانية عن شراء مصر للمنظومة الرادارية المُضادَّة للطائرات من دون طياّر "بوكوفيل"، وهي تُعدّ المنظومة الأولى من هذه النوعية التي تدخل إلى تشكيلات الدفاع الجوي المصري. بحرياً، تحدَّثت الصحف الأجنبية عن صفقة شراء أربع فرقاطات ألمانية الصنع من الفئة "ميكو-2000"، حيث أكَّدت هذه الصحف أن مصر ستحصل حتى عام 2024 على ثلاث فرقاطات من هذا النوع، بالإضافة إلى فرقاطة أخرى من نفس النوع سيتم ّبناؤها في مصر. كذلك تتفاوض البحرية المصرية مع روسيا لشراء عدد غير مُحدَّد من الكورفيتات الصاروخية فئة "بويان-أم".
على مستوى القوات الجوية، تتزايد احتمالات تعاقُد مصر على عددٍ إضافي من مقاتلات "ميج29 أم2" الروسية بعد بدء استلامها بالفعل لأعداد من هذا النوع الذي تعاقدت سابقاً مع روسيا لشراء 48 مقاتلة منه. كذلك تحدَّثت بعض الصحف عن إتمام القوات الجوية المصرية لصفقة شراء عدد من مروحيات النقل المتوسّطة من نوع AW-149 إيطالية الصنع. بالنسبة إلى التصنيع المحلي، بدأت مصر فعلياً في التصنيع الكمّي المحلّي للمُدرَّعات المصرية الصنع ST-500 وST-100، حيث بدأت بعض الدول العربية والإفريقية منها الإمارات العربية المتحدة في التباحُث مع مصر حول شراء أعداد منها، ويتوقَّع أيضاً أن يتمّ الإعلان عن نوعٍ جديدٍ من أنواع المُدرَّعات محلية الصنع تحت إسم ST-700 خلال معرض أيديكس2020 المقبل في القاهرة.
باكستان أعلنت خلال الأسابيع الماضية أنها تعاقدت مع مصر على شراء 36 مقاتلة من نوع "ميراج 5" التي كانت مصر قد طوَّرتها محلياً إلى معيارٍ مُتقدّمٍ أطلقت عليه إسم "حورس"، وقد تمّت هذه الصفقة نظراً لأن القوات الجوية المصرية تقوم بإحلال مقاتلات الميج 29 الجديدة محل هذا النوع ضمن تشكيلاتها المسؤولة عن مهام الدفاع الجوي والاعتراض.
خلال الفترة السابقة نفَّذت وحدات الجيش المصري عدَّة تدريبات مشتركة، منها تدريب "رمسيس2019" مع البحرية الفرنسية، وتمرين عابر آخر معها، بجانب تمرينين عابرين مع البحرية الصينية ومع البحرية اليونانية، وتدريب "الموج الأحمر 2" في السعودية، وتدريب JCET مع الجيش الأميركي لمُكافحة الإرهاب.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً