الإعلام الغربي والحراك الشعبي اللبناني: خسرنا سوريا.. فلننقذ لبنان!

لم يكن الحدث اللبناني ليمر باهتاً أو عابراً في الإعلام الغربي ولا سيما الأميركي بل هو حجز لنفسه مساحة بين الأحداث العالمية المتزاحمة، وإن اختلفت أولويتها بين وسيلة إعلامية وأخرى إلا أن تغطية الاعلام الغربي للتظاهرات في لبنان ترواحت بين تقارير ميدانية لمراسلين من قلب الحراك مع تركيز على المظاهر الاحتفالية والغريبة التي وسمته، ومقالات لكبار الكتاب تدعو لـ"إنقاذه بعد خسارة سوريا" وأخرى تركز على حزب الله وصولاً إلى حد اعتباره يعاني من "أزمة وجودية" يجب على الإدارة الأميركية استغلالها لتحقيق مكاسب بعد انسحابها من سوريا.

الإعلام الغربي والحراك الشعبي اللبناني: خسرنا سوريا.. فلننقذ لبنان!
الإعلام الغربي والحراك الشعبي اللبناني: خسرنا سوريا.. فلننقذ لبنان!

في الشكل والمضمون والظرف السياسي الداخلي والاقليمي والدولي جذب الحراك الشعبي في لبنان اهتماماً عابراً للحدود لا سيما في الأوساط الأميركية بدءاً من حكومة دونالد ترامب التي أعلنت تأييدها لمطالب المتظاهرين واستعدادها لمساعدة الحكومة اللبنانية من أجل تلبية هذه المطالب، وصولاً إلى ما غرّد به بعض أعضاء الكونغرس ومستشاري ترامب أبرزهم وليد فارس اللبناني الأصل، الناشط جداً على مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام.

فارس الذي يستخدم حسابه في التحريض على حزب الله توجه في إحدى تغريداته إلى ترامب بالقول "عزيزي الرئيس ترامب.. مليونا مواطن لبناني من الذين يتظاهرون في بيروت والعديد من المناطق ضد الفساد المتجذر في الحكومة والتهديد الارهابي لحزب الله يرون فيك زعيماً للعالم الحر وصوتهم لتحقيق العدالة. هؤلاء يريدون أن يجعلوا لبنان حراً من جديد" على حد قوله.

ليعود ويقول في تغريدة أخرى إنه "عقب هذه التغريدة تلقى دعما كبيراً من اللبنانيين في الداخل والخارج".

فارس لم يكن الوحيد الذي استجدى دخول الإدارة الاميركية على خط الحدث اللبناني بل سبقه إلى ذلك كبار الكتّاب الأميركيين، أحدهم ديفيد أغناطيوس الذي كتب في 16 تشرين الأول/ أوكتوبر أي عشية التظاهرات مقالة في واشنطن بوست بعنوان "خسرنا سوريا.. فلننقذ لبنان".

في مقالته، ينصح اغناطيوس الإدارة الاميركية التي تحتاج لإعادة تأكيد مصالحها في الشرق الأوسط إلى "مضاعفة الاهتمام بلبنان البلد الذي تقدّم له الولايات المتحدة دعماً اقتصادياً وعسكرياً"، مضيفاً أن على وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي يقول إنه يريد لبنان أقوى أن "يشترط إصلاحات اقتصادية محددة مقابل هذه المساعدات بما من شأنه القضاء على الفساد الذي يمثل تهديداً خطيراً يوازي تهديد حزب الله".

وعلى متن المقالة نفسها، يعارض إغناطيوس ما يقوله بعض مسؤولي الإدارة الأميركية في الكواليس بأن لبنان قضية خاسرة بالفعل في ظل سيطرة حزب الله.  

موقع قناة "أن بي سي"،  نشر مقالة حملت توقيع سولوم اندرسون، تستند إلى مقابلة مع مصادر في حزب الله بالرغم من كون الأخير يكرر دائماً عدم وجود مصداقية لمثل هذه المصادر لتقول إن "الانتفاضة الشعبية تمثل فرصة لإدارة ترامب للتعبير عن دعم هذا الحراك الذي يمكن أن يؤدي إلى حكومة أفضل من وجهة نظر أميركا كما الشعب اللبناني". تعبير يجب أن يكون "حذراً وليس باستخدام الخطاب نفسه الذي استخدمه ترامب مع الاحتجاجات الأخيرة في إيران" وفق الشبكة الأميركية.

وفي هذا السياق ترى "ان بي سي" أن صمت ترامب تجاه التظاهرات في لبنان حتى الآن قد لا يكون مؤشراً إلى الارتباك الذي طبع جزءاً كبيراً من سياسته في الشرق الأوسط كما يرى البعض، إنما "رغبة أميركية بألا ينظر إلى الولايات المتحدة على أنها تحرض على الاحتجاجات بما يؤدي إلى تقويضها".


"ربيع لبنان العربي"

في رصد سريع لما حفلت به وسائل الإعلام الأميركية من تقارير ومقالات يطالعك حرص بعضها كمجلة "فورين بوليسي" على استخدام مصطلح "ربيع لبنان العربي" مع ما يستحضره هذا المصطلح من مشاهد مأساوية في الوعي الجمعي لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين في ضوء استحالتها خريفاً في الدول المجاورة للبنان.

معهد دراسات السياسة الخارجية يغوص أكثر في مقارنة مشهد التظاهرات في لبنان بالتظاهرات التي اندلعت في العالم العربي عام 2011 مع اختلافات مرتبطة بالاختلاف بين طبيعة النظام اللبناني والأنظمة العربية ليخلص إلى أن "الربيع العربي الذي لم يحصل في لبنان بسبب صعوبة العمل الجماعي في السعي لتحقيق الغايات المدنية، يحدث الآن. فيما البلاد تواجه أحد احتمالين إما العودة إلى الوضع الراهن الفاسد أو القفز نحو المجهول". 


أبعد من المطالب الشعبية.. ضرب نفوذ إيران

مجلة "فورين بوليسي" التي تعد من المجلات والصحف الأميركية الأكثر مواكبة للحراك الشعبي تذهب في إحدى مقالاتها إلى ربط التظاهرات في لبنان والعراق بالصراع الأميركي الإيراني تحت عنوان "إيران تخسر الشرق الأوسط".

تحت هذا العنوان تكتب حنين غدار "في كلتا الحالتين اللبنانية والعراقية ستفعل إيران ما تجيد فعله على نحو أفضل. إذ إنه بدلاً من التراجع والسماح بتنفيذ الإصلاحات من قبل حكومات جديدة بوزراء مؤهلين من المرجح أن يلجأ حزب الله والميليشيات التي تدعمها إيران إلى القوة" كما تفترض كاتبة المقالة التي تقول إن "حزب الله سيحاول عدم تكرار خطأ رئيس الوزراء العراقي باستخدام العنف رداً على التظاهرات إنما سيستخدم من أجل ذلك السرايا اللبنانية التي يقوم دورها على التعامل مع التحديات الداخلية بما يسمح لحزب الله بإنكار مسؤوليته".

وتخلص المجلة إلى أن "من العراق إلى لبنان أصبح من الواضح أنه لم يعد من الممكن التسامح مع النفوذ الإيراني وحين لا تعود القاعدة الشعبية في هذه البلاد قابلة بإيران كحاكم لها يتعين على المجتمع الدولي التدخل"، مضيفة أنه "الاحتجاجات الأخيرة أظهرت أن قوة إيران أكثر هشاشة مما يتصور العالم وأنه ربما حان الوقت لبدء العمل مباشرة مع المجتمعات الشيعية"، وفق تعبيرها.