الحركة الطلابية اللبنانية: دروس خارج الصفوف

الحركة الطلابية في لبنان تستعيد عافيتها؟ عقود من الاتحاد والانقسام والمطالب، بعمر لبنان المستقل أو أكبر بقليل. من الشهيد فرج الله حنين، عام 1951، الذي أمضى بدمائه مرسوم إنشاء الجامعة اللبنانية وحتى، تشرين أول/ أكتوبر 2019، تحولات كثيرة عرضت على الحركة الطلابية اللبنانية.

  • الحركة الطلابية اللبنانية: دروس خارج الصفوف
    الحركة الطلابية اللبنانية: دروسٌ خارج الصفوف

 

عام 1943، لبنان-الطريق الجديدة، حركة الطلاب السرية تتشكل بحذر بعيداً عن أعين الفرنسيين. الاستعمار الفرنسي يُنازع.. يُشارف على الزوال، والطلاب يخرجون من قلب إرساليات الغرب الجامعية (الجامعة اليسوعية، الجامعة الأميركية) ليتحِدوا في ما سيعرف بـ"اتحاد الطلاب العام".

يخوض "الاتحاد" الشارع بمظاهرات تطالب بالاستقلال وترفض الامتيازات الممنوحة للشركات الأجنبية، ثم تمتد اهتمامات الطلاب بعد الاستقلال إلى ما وراء القضايا المحلية؛ سيتظاهرون ويتطوعون لنصرة قضايا فلسطين والجزائر ومصر، ليشكلوا بذلك وعياً ما بعد استعماري جديداً، ولتتحول الحركة الطلابية إلى قوة ضغط مؤثرة في السياسة اللبنانية، وولّادة لعدد من القياديين الحزبين.

ورد ذكر الجامعة اللبنانية للمرة الأولى في خطاب ألقاه وزير التربية والخارجية حميد فرنجية، في قصر الأونيسكو- بيروت، في 11 كانون الأول/ديسمبر 1948، خلال حفل اختتام مؤتمر الأونيسكو. لكن إنشاء الجامعة كان يتطلب أمراً آخراً غير الوعود الخلابية: الضغط والدماء، تحديداً في مطلع عام 1951، حين خرج "اتحاد الطلاب العام" في تظاهرة بمشاركة طلاب ثانويين وطلاب دار المعلمين للاعتراض على انخفاض الدعم الحكومي للطلاب، ولمطالبة الحكومة بإعفاء طلاب المعاهد العليا من الأقساط ريثما تؤسس الجامعة الوطنية.

ولمّا رفضت الحكومة تنفيذ هذا المطلب، أعلن "الاتحاد" الإضراب العام المفتوح وانطلق بتظاهرة، في 2 شباط/ فبراير 1952، من طريق الشام إلى ساحة الشهداء بشعار "لا استقلال حقيقي من دون تعليم وطني جامعي". أصيب إثر هذه المظاهرات، الطالب فرج الله حنين، بعد اشتباك قوى الأمن مع الطلاب، وتوفي جراء ذلك. 

عقب هذا الحدث، تحرك عدد من النواب والمسؤولين اللبنانيين ودفعوا الحكومة لإقرار إنشاء جامعةٍ لبنانيةٍ تُرصد لها الاعتمادت اللازمة في الميزانية وتتولى تدريس: الحقوق، الهندسة، العلوم السياسية، العلوم الرياضية الآداب العالية والأبحاث الطبيعية.

بلغت الحركة الطلابية أوجها في خمسينات وستينات القرن الماضي. الطلاب يخرجون في تظاهرات لزيادة مرتباتهم، لدعم الاستقلال المالي والإداري للجامعة الوطنية، للمطالبة بتأسيس كليات جديدة، للاعتراض على سياسات رئيس الجمهورية كميل شمعون المرتهنة للغرب، وللتضامن مع أساتذة الجامعة وتأييد مطالبهم. وبلغت الحركة الطلابية ذروتها بتأسيس الاتحاد الوطني للطلاب الجامعيين في لبنان، بعد دمج اتحاد الطلاب الجامعيين في الجامعة اليسوعية، بـ"اتحاد الطلاب العام" الذي كان يرأسه جورج حاوي. وكان التحرك الأول لهذا الاتحاد في ما يعرف بـ"أسبوع الطالب" بين 19 و25 آذار ، حيث اجتمع "الاتحاد" بوزير التربية كمال جنبلاط، لمطالبته بتأسيس مدينة جامعية موحدة واستحداث مصرف للطلاب يساعدهم على اتمام دراستهم. وكانت على جدول أعمال المؤتمر الأول للاتحاد مطالب مثل: مجانية التعليم للجميع، إنشاء مصرف تسليف للطلاب، إنشاء مدينة جامعية، إقرار منح التخصص في الخارج، النظر في مشروع قانون التعليم العالي.

خلافاً لما قد يظن البعض، فإن الحركة الطلابية لم تكن بمنأى عن الانقسامات السياسية منذ مطلع نشاطها المطلبي. فمنذ المؤتمرات الأولى لـ"الاتحاد الوطني للطلاب الجامعيين في لبنان" ظهرت ملامح الانقسام بين يمين ويسار، وكانت النقاشات الحادة بين الطلاب قد بدأت تتزايد على وقع الانقسام العالمي بين المعسكرين الشرقي والغربي.

لكن، ورغم هذه الخلافات التي كانت تطفو على السطح بين حين وآخر، كانت المطالب الحقوقية والتحديثية لا تزال في جدول أولويات هذه الحركة. وكانت الحركة في الموقع الذي تضطر فيه وزراء التربية المتعاقبين، على التحاور معها أو مواجهتها. أي أنها احتلت حيزاً في المجال السياسي اللبناني، ولذلك لا يبدو مستغرباً خروج عدد من السياسيين اللبنانيين من خضم هذه الحركة، نذكر منهم على وجه الخصوص: رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي ترأس "الاتحاد الوطني للطلبة اللبنانيين". أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني السابق جورج حاوي، الذي ترأس "اتحاد الطلاب العام". نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، الذي ساهم في تأسيس "اتحاد الطلبة المسلمين".

كان وقع الحرب الأهلية اللبنانية بدءاً من، نيسان 1975، مدمراً على الحركة الطلابية اللبنانية. الانقسامات السياسية أحدثت شرخاً حاداً بين الطلاب، والجدالات الأيديولوجية حجبت المطالب المشتركة، كل ذلك فيما الخراب يخيم على الحياة الجامعية ويمنع الطلاب من استكمال دروسهم المعتادة. على أن آثار الحرب المدمرة على الجامعة لم تنته بانتهائها، فـ"التوازنات الطائفية" و"التوافق" على مرشحي الأستاذية في الجامعة، و"المجالس الطلابية" المسيّسة بالمطلق، ظلت هي القواعد والأطر التي يتحرك وفقها المدراء، الأساتذة، والطلاب بعد اتفاق الطائف عام 1989. فيما تحولت الاتحادات الطلابية العابرة للجامعات، للكليات، والفروع، لذكرى عن الدفاع والمواجهة من أجل مصالح الجامعة الوطنية المنتجة والمستقلة.

 

17 تشرين: الطلاب يعيدون تشكيل صفوفهم

ربما علينا أن نعود قليلاً إلى ما قبل "التحرك" التشريني الأخير. أي إلى، 7 آب/ أغسطس 2018، اليوم الذي أبطلت فيه محكمة شورى الدولة قرار رئيس الجامعة اللبنانية بمنع الطلاب من التسجيل في أكثر من اختصاص في العام الدراسي ذاته، وفي مراحل الشهادات كافة أو حتى التسجيل في مرحلتين مختلفتين. وهو حكمٌ رأت فيه النوادي والهيئات الطلابية المستقلة إنجازاً كبيراً، خاصة أن هذه الأخيرة هي من تبنت القضية وتقدمت بالمراجعة لدى مجلس شورى الدولة. 

وفي أيار/ مايو 2019، أعلن أساتذة الجامعة اللبنانية إضراباً استمر ما يقارب الشهرين، اعتراضاً على تقليص مخصصات الأساتذة وتقليص ميزانية الجامعة اللبنانية. وشاركهم في إضرابهم هذا، عدد من النوادي والهيئات الطلابية، بما يذكّر بالتضامن الملفت بين طلاب الجامعة اللبنانية وعميد كلية العلوم السابق، حسن مشرفية، عام 1962، بعد استقالته (مع 85 أستاذاً من أصل 87) إثر رفض رئيس الجامعة حينها تحقيق مطالبه بإصلاح الجامعة وإنشاء مدينة جامعية.

"الحركة الطلابية بدأت بالتمظهر قبل انتفاضة 17 تشرين أول/ أكتوبر، مع بروز صوت طلابي يدافع عن حقوق الطلاب ويساند أساتذة الجامعة اللبنانية في إضرابهم المفتوح. هذه الحركة لم تأت من فراغ إنما تراكمت من خبرة الأندية الطلابية المستقلة التي حملت همّ الطلاب بعد أن تخلت المجالس الطلابية المعيّنة، وفق التوزيع الحزبي والطائفي للكلية، عن لعب دورها في تمثيل الطلاب والمطالبة بكافة حقوقهم بدءاً من الإنتخابات الطلابية، إلى الحق في تنظيم الأندية، إلى تعديل المناهج التعليمية، إلى السكن الطلابي.." تقول الأستاذة في كلية العلوم-الجامعة اللبنانية، وفاء نون.

وتضيف الدكتورة الناشطة في العديد من الهيئات والنوادي الجامعية: "أدركَ الطلاب أن لا فصل بين مطالب الجامعة اللبنانية ومطالب المنتفضين". يؤكد الطالب والناشط في الجامعة اللبنانية، باسل أبو صالح، كلام نون، فيقول: "تغير وجه الحركة الطلابية بعد 17 تشرين. الطلاب فهموا أن السلطة السياسية تؤثر عليهم كطلاب، ولاحظوا أن الناس تتفاعل معهم ومع مطالبهم. صحيحٌ أن مطالبنا تتعلق بالجامعة اللبنانية بشكل أساس، إلا أن الطالب هو مواطن أيضاً ولهذا فمن غير المستغرب أن يرفع الطالب شعارات تخص لبنان وتؤيد مطالب التظاهرات بشكل عام".

  • الحركة الطلابية اللبنانية: دروس خارج الصفوف
    الحركة الطلابية اللبنانية: دروسٌ خارج الصفوف
  • الحركة الطلابية اللبنانية: دروس خارج الصفوف
    الحركة الطلابية اللبنانية: دروسٌ خارج الصفوف
  • الحركة الطلابية اللبنانية: دروس خارج الصفوف
    الحركة الطلابية اللبنانية: دروسٌ خارج الصفوف
  • الحركة الطلابية اللبنانية: دروس خارج الصفوف
    الحركة الطلابية اللبنانية: دروسٌ خارج الصفوف
  • الحركة الطلابية اللبنانية: دروس خارج الصفوف
    الحركة الطلابية اللبنانية: دروسٌ خارج الصفوف
  • الحركة الطلابية اللبنانية: دروس خارج الصفوف
    الحركة الطلابية اللبنانية: دروسٌ خارج الصفوف

 

"كانت الاحتجاجات فرصة ليتعرف الطلاب على تاريخ الحركة الطلابية"، يقول الطالب في كلية الطب تيسير الزعتري. ويتابع: "أجرينا عدداً من اللقاءات الحوارية لمقاربة بعض المسائل الاقتصادية والقانونية، وعملنا على تعريف الطلاب بتاريخ الحركة الطلابية وإنجازاتها، ليعرفوا كيف تكسب شركة بريد خاصة 300 ألف دولار من رسوم تسجيلهم، فيما تكلف الإيجارات الجامعة 11 مليون دولار، كذلك تناقشنا حول الانتخابات الطلابية وقيّمنا قانون الانتخاب. هدفنا تمثل بتطوير الجامعة اللبنانية، وتحقيق استقلاليتها الإدارية والأكاديمية، وربطها بالبحث العلمي وتطوير المجتمع، وتزويد الدولة بكفاءات مناسبة لحاجاتها".

أظهرت الحركة الطلابية، أخيراً، قدرتها على حشد الطلاب من جديد للمطالبة بحقوقهم كطلاب أو مواطنين على السواء. وكانت ذروة تحركاتهم في المظاهرة التي جمعت طلاب الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة، في 26 تشرين الثاني/أكتوبر، ثم في الاعتصام الذي أقيم في، 7 تشرين الثاني/ نوفمبر، في مدينة الحدث الجامعية حيث طالبوا "بإعادة تأسيس الجامعة كرافعة للمجتمع، من خلال البحث العلمي المتخصص الذي يربط بين الاختصاصات والمسارات التخصصية في كليات ومعاهد الجامعة، وبين القطاعات المُختلفة في لبنان، لتكون الجامعة الوطنية قلعة للإنتاج البحثي والمعرفة العلمية"، كما جاء في بيانهم.

هناك نشاطٌ آخر لافت قام به طلاب صفوف المرحلة المتوسطة: تجمعّوا يوم الخميس في، 21 تشرين الثاني/نوفمبر، وأحرقوا كتابي التاريخ والجغرافيا لأن "مناهج التاريخ والجغرافيا لا تطبق على أرض الواقع" كما تقول إحدى الطالبات المحتجات هناك.

الطلاب المعتصمون أمام وزارة التربية، طالبوا بتحديث المدارس وتطوير المناهج، ليكون ذلك جزءاً من العملية الإصلاحية التي يطالب بها الشعب اللبناني منذ شهر ونيّف على الأقل.

وجدت تحركات الطلاب الأخيرة أرضيتها في تحركات سابقة، بدأت قبل، 17 تشرين أول/أكتوبر، بكثير. القوّة تولّد قوة نقيضة، هكذا قال نيوتن. أيكون التهميش والإقصاء الذي يتعرض له طلاب الجامعة اللبنانية سبباً لتشكل حركة طلابية نشطة تعيد تصويب الأمور واسترجاع الحقوق؟