تونس: ماذا يحدث داخل حركة النهضة؟

لطالما نجحت حركة النهضة التونسية في وأد الخلافات داخلها، ولطالما كان بيتها الداخلي مغلقاً بإحكام، لكن الحركة التي عُرفت بتماسكها ووحدة صفها بالمقارنة مع بقية الأحزاب السياسية في تونس، تشهد اليوم تنافراً في التصريحات والمواقف بلغت حد الاستقالات.

 

  • تونس: ماذا يحدث داخل حركة النهضة؟
    ماذا يحدث داخل حركة النهضة؟

 

تتالت الاستقالات داخل حركة النهضة التونسية، فبعد استقالة القيادي في الحركة، زبير الشهودي، من مهامه القيادية بالحزب خلال شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، وقبله القيادي لطفي زيتون، قدم الأمين العام زياد العذاري يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، في خطوة مفاجئة، استقالته من منصبه وأعلن تخلّيه عن كل مسؤولياته داخل الحركة.

استقالاتٌ فتحت الباب على مصراعيه أمام تحليلات سياسية اختلفت في تقييمها لحركة النهضة؛ بين من يراها مجرد ردود أفعال فردية لا تعكس حقيقة الحركة التي تظل متماسكة، وبين من يقول إن الحركة تشهد خلافات عميقة وجذرية.

خفايا استقالة العذاري: أخطاء النهضة وتكليف الجملي

زياد العذاري، أوضح أنه اتخذ قرار الاستقالة لأنه "غيرُ مرتاحٍ" للمسار الذي اتخذته البلاد، وتحديداً قرارات الحركة في الفترة الأخيرة، وآخرها ملف تشكيل الحكومة المقبلة لأنها في نظره، لا ترتقي إلى طموحات التونسيين التي عبّروا عنها في الانتخابات الأخيرة.

واعتبر العذاري في تدوينة له، أن الحركة بصدد استعادة نفس أخطاء الماضي، مشيراً إلى ضرورة أن تكون الحكومة القادمة، حكومة إصلاح، لا مكان فيها لا للمحاصصة ولا للهواية، بحسب تعبيره.

كما انتقد العذاري تكليف النهضة الحبيب الجملي بتشكيل الحكومة، قائلاً "كنت أرى أن حصول النهضة على رئاسة البرلمان يقتضي الذهاب في الحكومة إلى شخصية انفتاح مستقلة مشهود لها بأعلى درجات الكفاءة والنزاهة والجرأة تطمئن وتجمع أوسع طيف ممكن من التونسيين، وتكون قادرة على استعادة الثقة في الداخل وتعزيز إشعاع تونس في الخارج"، ما يشير إلى عدم رضا وارتياح العذاري لاختيار الجملي رئيساً للحكومة القادمة.

ما ورد في تدوينة زياد العذاري ردّ عليها القيادي بحركة النهضة، عبد اللطيف المكي، إذ اعتبر أن الموقف الذي قدمه العذاري في استقالته بخصوص الخلافات داخل الحركة تلزمه شخصياً وقد تكون تحت ضغط اللحظة، وفق تعبيره.

وشدد المكي في تصريح إعلامي، على أن استقالة العذاري من النهضة لن تؤثر على مسار تشكيل الحكومة الجديدة، كما لن تؤثر استقالة أي شخصية أخرى عليه.

مجرد ردود أفعال فردية

من جهته، اعتبر القيادي بحركة النهضة، محمد القوماني، في تصريح خاص لـ "الميادين نت" أن استقالة الأمين العام للحركة زياد العذاري "خسارة للنهضة وعنوان سلبي في مرحلة دقيقة تعيشها الحركة التي تقود الحكم باعتبارها الحزب الفائز في الانتخابات"، بحسب تعبيره.

وشدد القوماني على ضرورة عدم تهويل المسألة، باعتبار أنه سبق وأن استقال القيادي السابق حمادي الجبالي من رئاسة الحكومة ومن الأمانة العامة للحركة، وظل الوضع متماسكاً داخل النهضة، مشيراً إلى أن استقالة العذاري هي "تأكيد على أن حركة النهضة على غرار بقية الأحزاب في تونس تشهد داخلها وجهات نظر مختلفة أحياناً يتم حسمها بالأغلبية وأحياناً أخرى تؤدي الخلافات إلى ردود أفعال فردية فتحصل استقالات"، وفق تقديره.

وتابع محمد القوماني قائلاً "بعدما أصبحت حركة النهضة جزءاً مهماً من المشهد السياسي في تونس، فقد أصبحت مشاكلها جزءاً من مشاكل البلاد وقد تؤثر على الحكم ومؤسسات الدولة".

وأضاف أن المستقيلين من حركة النهضة لم تدفعهم نفس الأسباب إلى الاستقالة، مشيراً إلى أن "أسباب استقالة العذاري غير أسباب استقالة زبير الشهودي وغير أسباب استقالة لطفي زيتون" باعتبار أنهم مختلفون في التقديرات وفي رؤيتهم للوضع السياسي.

قيادات في مواجهة "الزعيم"

ولئن اعتبر القيادي بحركة النهضة عبد اللطيف المكي أن الخلافات داخل الحركة تأتي في إطار الاختلاف في الرؤى، ومن أجل إعلاء المصلحة العليا للبلاد، فإن المتابعين للشأن السياسي في تونس يعتبرون أن الحركة ومنذ انعقاد مؤتمرها العاشر فقدت تماسكها الداخلي بعد التغييرات الحاصلة على مستوى الهيكلة وطبيعة الحزب، ليترفع منسوب الغضب شيئاً فشيئاً، ويتصدع التماسك بين صفوف قيادييها قبيل انطلاق الاستحقاقات الانتخابية بأشهر قليلة.

يذكر أن موجة الاستقالات انطلقت باستقالة لطفي زيتون من منصبه كمستشار سياسي لرئيس الحركة راشد الغنوشي، بعد أن "أزاحه" الغنوشي من طريقه في القائمة الانتخابية للانتخابات التشريعية في دائرة "تونس 1".

وقد فجرت هذه الاستقالة آنذاك موجةً من التصريحات التي انتقدت سياسة زعيم الحركة، من ذلك تصريحات القيادي عبد اللطيف المكي الذي تحدث عن خيبته السياسية من الغنوشي، الذي قال إنه لم يحترم نتائج الانتخابات التمهيدية في دائرة "تونس 1"، والتي أجرتها الحركة لاختيار قوائم المرشحين للانتخابات التشريعية.

القيادي محمد بن سالم تم استبعاده بدوره من دائرة "زغوان"، وهو قرار عكس مدى التوتر بين الغنوشي وبن سالم الذي أبدى رفضاً صريحاً لمسألة ترشّح الغنوشي للرئاسية باعتباره "شخصية غير توافقية".

وقد تتالت التصريحات المثيرة للجدل للقيادي محمد بن سالم، والتي تنتقد بشدة الغنوشي، فقد اعتبر أن "النهضة تحوي كثيراً من المرتزقة وأن صهر الغنوشي هو المُقدَم على الجميع، وأن الديمقراطية تعاني كثيراً داخل حركة النهضة، وأن من دفعوا أعمارهم هم أكبر الضحايا"، كما اعتبر أن "الحركة تسير نحو الخوصصة (تحويل الملكيات العامة إلى أشخاص معنويين) منذ أن أصبح المكتب التنفيذي يرفض أن يكون منتخباً".

ولم يكن محمد بن سالم الوحيد الذي أطلق نيراناً صديقة من داخل الحركة، فقد دعا القيادي زبير الشهودي، عند كتابة نص استقالته، رئيس الحركة راشد الغنوشي إلى اعتزال السياسة وملازمة بيته وإبعاد صهره رفيق عبد السلام وكل القيادات التي قال إنهم "دلسوا إرادة كبار الناخبين داخل الحركة".

"راشد الغنوشي" العنوان الأبرز لكل الخلافات

الإعلامي والمحلل السياسي التونسي، وسام حمدي، اعتبر في تصريح لـ "الميادين نت" أن الاستقالات المتتالية ما هي إلا نهاية التصدعات التي حاولت حركة النهضة من قبل مؤتمرها العاشر إخفاءها، مشيراً إلى أن استقالة زياد العذاري لن تكون الأخيرة وأن موجة الاستقالات ستتتالى.

وأضاف حمدي أن استقالات قيادات النهضة هو في نظره محاولة للرد على "الحركة التصفوية" التي يقوم بها الغنوشي، مشيراً إلى أن رئيس الحركة قام باستبعاد خصومه على غرار عبد الحميد الجلاصي ومحمد بن سالم وعبد اللطيف المكي وسمير ديلو، كما قام باستبعاد قيادات أخرى لها رمزيتها داخل الأنصار من أمثال، الحبيب اللوز والصادق شورو، تحت عنوان "فصل الدَعوي عن السياسي"، والتي عدّها حمدي طريقةً انتهجها الغنوشي لتنفيذ خطته في التخلص من خصومه ممن ينازعونه في الرمزية والشرعية.

وأكد أن الغنوشي أحاط نفسه بـأطرافٍ مقربة منه في البرلمان (52 نائباً) ونجح في أن يكون رئيساً لمجلس نواب الشعب ليتمتع بالحصانة وبامتياز الرئيس المنتخب.

الديمقراطية مضمونة داخل الحركة

وعلى عكس ما ذهبت إليه القراءات حول غياب الديمقراطية داخل الحركة واستفراد المكتب التنفيذي بالقرارات، أكد محمد القوماني أن "الديمقراطية مضمونة داخل الحركة من خلال وجود مؤسسات عريقة على غرار مجلس الشورى"، معتبراً أن النهضة عريقة من حيث العمر (50 سنة) ومنتشرة من حيث عدد المنخرطين، ما جعلها تنفتح على تقاليد وأوضاع جديدة، وفق تقديره.

وفي ما يتعلق بالانتقادات الموجهة لرئيس الحركة راشد الغنوشي، قال القوماني "من المعلوم أن زعماء الأحزاب والذين يتحملون مسؤوليات مهما كان أدائهم هناك أفراد لا يشاركونهم الرأي ويسلطون انتقاداتهم عليهم".

واعتبر أن الغنوشي هو "زعيم تاريخي" لحركة النهضة ويتمتع بخصال كثيرة، مشيراً إلى أن عليه انتقادات من داخل الحركة ومن خارجها، لكنه، وفق تقدير القوماني، يدير حركة النهضة بما لا يمس جوهرها ومن النظام الداخلي للحزب.

واعتبر أن تزكية الغنوشي خلال المؤتمر العاشر للحركة بعدد كبير من الأصوات، هو "دليل على أن الغنوشي يحظى باحترام كبير من قبل قيادات الحركة".

"نهضة" جديدة ما بعد سنة 2020

أشار الإعلامي وسام حمدي إلى أن ما يحدث من خلافات في الحركة، ما هو إلا تمهيد إلى "نهضة جديدة ما بعد سنة 2020"، موعد المؤتمر الحادي عشر للحركة. فهل ستواصل الحركة، رغم التصريحات والاستقالات، الحفاظ على تماسكها الداخلي؟ أم أن قدرها ومصيرها سيكون مثيلاً لبقية الأحزاب السياسية الأخرى في تونس التي منها ما اضمحل ومنها ما تفكك إلى أكثر من حزب؟.