الرياض تشعل حرب "أسعار النفط".. الوقت حليف موسكو؟

تخوض السعودية حرب "أسعار النفط" منهكة بأزماتها الاقتصادية. وفيما تحاول روسيا امتصاص "الهجمة السعودية"، يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه أمام أزمةٍ تطال قطاع النفط الصخري مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.. فمن الأكثر قدرة على تحمل الأضرار؟ 

  • العجز في الموازنة السعودية للعام 2020 قدّر بنحو 49.8 مليار دولار. أمّا روسيا، فقدّرت ميزانياتها للعام 2020 بوجود فائض بنحو 13.6 مليار دولار.

تبدو السعودية، في "حرب أسعار" النفط التي أشعلتها عالمياً، كأنها في معركةٍ مع اقتصادها المنهكِ بالدرجة الأولى. وفي الجهةِ المقابلة، تتعامل روسيا حتى اللحظة بهدوءٍ مع الخطوات السعودية الأخيرة، وتحاول قدر الإمكان استيعاب المناورة السعودية مع قدرةٍ أكبر على التكيّف مع الأزمات، فيما تترنّح الولايات المتحدة بين الأسعار المنخفضة والضغوط على إنتاج النفط الصخري الأميركي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.

حرب "رفع الإنتاج"!

خفّضت السعودية، مساء السبت الماضي، سعر البيع الرسمي لنفطها لشهر نيسان/أبريل المقبل للعملاء الآسيويين بمقدار 6 دولارات للبرميل، و7 دولارات للبرميل لأميركا، و8 دولارات لأوروبا ومنطقة البحر المتوسط، وهي المناطق التي تبيع فيها روسيا جزءاً كبيراً من إنتاجها النفطي. وبالتوازي، أعلنت مجموعة "أرامكو" النفطية، اليوم الثلاثاء، زيادة إنتاجها بشكل كبير إلى 12,3 مليون برميل يومياً في نيسان/أبريل المقبل. 

هذه الخطوات السعودية جاءت ضمن محاولة لتأمين حصّة كبيرة في السوق العالمية، وذلك بعد إخفاق منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وشريكتها الرئيسية روسيا ضمن تحالف "أوبك+"، في التوصل إلى تفاهم بشأن خفض إضافي لإنتاج الخام، بعد رفض روسيا الاقتراح، وذلك لوضع حدٍّ لتراجع أسعار النفط على خلفية انتشار فيروس "كورونا المستجد".

يُذكر في هذا السياق أن دول "أوبك" وشركاءها تعهدت منذ العام 2017 بخفض الإمدادات في السوق بمعدّل 1,2 مليون برميل يومياً لرفع الأسعار.

وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، أعلن أعضاء منظمة "أوبك" وشركاؤهم زيادة خفض إنتاجهم النفطي بما لا يقل عن 500 ألف برميل إضافية يومياً لدعم أسعار الخام، ليصبح إجمالي الخفض 1.7 مليون برميل يومياً ضمن الربع الأول من العام 2020.

لماذا ترفض روسيا خطة خفض الإنتاج المقترحة من السعودية؟

تستهدف روسيا، برفضها خفض الإنتاج، قطاع إنتاج النفط الصخري الأميركي، ولا سيما أن خفض الإنتاج من قبل "أوبك+"، والذي حصل خلال السنوات الأخيرة، جعل الولايات المتحدة تتصدر قائمة الدول المنتجة للنفط عالمياً خلال العام المنصرم. 

وبذلك، تكون روسيا قد وجّهت صفعة لشركات قطاع النفط الصخري الأميركية، بما أن تلك الشركات ستكون عاجزة عن الإنتاج في ظلِّ الأسعار المنخفضة، نظراً إلى كلفة إنتاج النفط الصخري العالية، والتي تحتاج إلى أسعارٍ للنفط لا تقل عن 40 دولاراً. 

وتجدر الإشارة إلى أنه بفعل انهيار أسعار النفط بين الأعوام 2014-2016، أشهرت عشرات شركات النفط والغاز الأميركية إفلاسها في تلك الفترة، وسرّحت مئات الآلاف من العمال للأسباب ذاتها التي تمر بها أزمة النفط الحالية، ولا سيما أن تلك الشركات لا يمكنها الاستمرار في الإنتاج إلا في ظل أسعار نفطٍ مرتفعة، وهو ما استطاعت الولايات المتحدة تجاوزه مطلع العام 2017 مع اتفاق "أوبك+" على خفض الإنتاج.

 ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الروسي برفض خفض الإنتاج، بما أن الخفض سيعود بالنفع على الشركات الأميركية والنفط الصخري الأميركي بالدرجة الأولى، حيث ترى موسكو أن الوقت حان للضغط على واشنطن التي زادت شركاتها من حجم إنتاجها للنفط الصخري خلال السنوات الأخيرة، في حين أبقت الشركات الروسية على نفطها في الآبار امتثالاً لاتفاق "أوبك+" بخفض الإنتاج.

وتعليقاً على ذلك، كتب محللون في شركة استشارات الطاقة "FGE" (مقرها لندن) أن روسيا لمحت إلى أن الهدف الحقيقي هو منتجو النفط الصخري الأميركي، لأنّ موسكو "سئمت" من خفض الإنتاج وترك حصة السوق الأكبر للشركات الأميركية. ونقلت وكالة "بلومبيرغ" بدورها، عن رئيس معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو ألكسندر دينكين، قوله إن "الكرملين قرر التضحية بـ(أوبك+) لوقف تزايد إنتاج الصخر الزيتي في الولايات المتحدة". 

كما أن هناك أمراً آخر مستجداً، وفق "دينكن"، وهو أن موسكو قررت توجيه رسالة إلى واشنطن التي وقفت أمام مشروع "نورد ستريم" للغاز الروسي نحو ألمانيا.

يُذكر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقّع في كانون الأول/ديسمبر الماضي على قانون يفرض من خلاله عقوبات على الشركات المساهمة في بناء خط أنبوب الغاز الروسي "نورد ستريم 2"، الذي ترى واشنطن أنه يعزز من نفوذ موسكو في أوروبا.

الخسائر السعودية

على الرغم من أن كلفة إنتاج النفط في السعودية "خام برنت" (حوالى 10 دولارات) أقل من كلفته في روسيا (حوالى 17 دولاراً)، وتليهما كلفة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة (35 دولاراً كمعدل وسطي)، فإنّ الخسائر التي تعرضت لها البورصة السعودية وأسهم شركة أرامكو تطرح تساؤلات عديدة حول جدوى الخطوة السعودية وتأثيرها المعاكس في الاقتصاد المتهالك في المملكة. 

مع افتتاح أسواق المال الخليجية أمس الإثنين، تصدّرت السعودية الخسائر، مع هبوط المؤشر العام لسوق المال السعودي أكثر من 9%، لكن الضربة القاسية كانت في قيمة سهم شركة أرامكو، الذي تراجع بنسبة 10% ليبلغ 27 ريالاً (7.1 دولارات)، وهو سعر دون سعر الطرح الرئيسي الأول 32 ريالاً (8.5 دولارات)، وذلك بعد شهرين على إدراج الشركة في البورصة.

ووفق كالة "بلومبيرغ"، فإن أرامكو ستواجه المزيد من ضغوط البيع مع هبوط سعر سهمها، وسيكون ذلك بمثابة ضربة قوية لمواطني المملكة، الذين تم تشجيعهم على الاستثمار في الشركة وشراء الأسهم، ولا سيما أن مستثمرين محليين كانوا استحوذوا على أكثر من ثلاثة أرباع الطرح.

وللسيطرة على الخسائر، طلبت شركة النفط السعودية "أرامكو"، اليوم الثلاثاء، تعليق تداول سهم الشركة في البورصة السعودية، بعد أن تكبد خسائر فادحة خلال الجلستين الماضيتين، إذ خسرت أرامكو، الأحد والإثنين الماضيين، أكثر من 320 مليار دولار من قيمتها التي باتت تتراوح عند 1,4 تريليون دولار.

الرابح.. الأكثر قدرة على تحمل الخسائر!

وفق الخسائر التي سُجلت في الأيام الأولى لحرب "أسعار النفط"، ستكون السعودية في مأزقٍ اقتصادي شديد، إذا ما استمرت ضمن الوتيرة نفسها، في الوقت الذي لا تزال المملكة تعتمد بشكلٍ رئيسي على الإيرادات النفطية (أكثر من 80% من إيراداتها)، في ظلِّ عجزٍ مالي مستمر تعيشه منذ العام 2014 (بداية انهيار أسعار النفط).

ووفق مؤشرات موازنة العام 2020، تتوقع السعودية أن يبلغ العجز نحو 187 مليار ريال (49.8 مليار دولار)، مقابل نحو 35 مليار دولار مقدرة في العام الماضي، لكن يتوقّع أن يتزايد العجز مع الخسائر النفطية التي تُسجّل، وهذا ما يعيدنا إلى العام 1986، عندما فشلت السعودية في أواخر العام 1985 بإقناع الدول الأعضاء في منظمة "أوبك" والدول المنتجة من خارجها بخفض إنتاجها، لتقوم السعودية بعدها برفع إنتاجها، ما أدى إلى تراجع الأسعار في شباط/فبراير 1986 إلى ما دون 10 دولارات، لكن مع نهاية العام، تراجع الدخل السعودي بشكل كبير من 82 مليار ريال في العام 1985 إلى حدود 58 مليار ريال في العام 1986 جراء انهيار أسعار النفط (كانت السعودية حينها تستهدف سعر 40 دولاراً لميزانيتها، الآن تستهدف 55 دولاراً).

أمّا أميركياً، فإن ترامب المقبل على انتخابات رئاسية سيكون أمام تهديد يطال قطاع النفط الصخري الذي يعاني مشاكل أساساً. وعلى الرغم من أن خفض الأسعار يعتبر أحد أهداف الرئيس الأميركي، فإن الضغوط التي ستزيد على شركات النفط الأميركية ستتحول إلى صوتٍ انتخابي ضده في الانتخابات المقبلة.

وفي موسكو، قالت وزارة المالية، أمس الإثنين، إن البلاد يمكنها التكيف مع أسعار للنفط بين 25 دولاراً و30 دولاراً للبرميل لفترة من 6 إلى 10 سنوات قادمة. وأوضحت الوزارة أنها قد تلجأ إلى صندوق الثروة الوطني للبلاد لضمان الاستقرار على صعيد الاقتصاد الكلي إذا استمر هبوط أسعار النفط، مشيرةً إلى أنه حتى 1 آذار/مارس حوى الصندوق أكثر من 150 مليار دولار، أو 9.2% من الناتج المحلي الإجمالي لروسيا. 

بدوره، قال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، اليوم الثلاثاء، إنّ روسيا قد ترفع إنتاج النفط على المدى القصير بمقدار 200-300 ألف برميل يومياً، مؤكداً أنّ الإنتاج قد يصل مستقبلاً إلى 500 ألف برميل يومياً. وإذ لفت إلى أنّ تقارير إنتاج نفط شركة "أرامكو" وأسعارها تسبّبت بانهيار أسعار النفط، شدّد نوفاك على أنّ الصناعة الروسية "لا تزال قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، رغم انخفاض الأسعار".

وبعيداً من الاقتصاد الروسي المتنوّع، والضغوط التي يمكن أن تمارسها موسكو بما يخص الغاز بشكلٍ عام، والمتجه إلى أوروبا بشكل خاص، مقابل اعتماد السعودي بشكلٍ شبه كامل على الإيرادات النفطية، فإن أرقام الميزانية في البلدين تعطي صورة أكثر وضوحاً عن قدرة كل من الرياض وموسكو على المواجهة، فالعجز في الموازنة السعودية للعام 2020 قدّر بنحو 49.8 مليار دولار. أمّا روسيا، فقد قدّرت ميزانياتها للعام 2020 بوجود فائض بنحو 13.6 مليار دولار.

وفيما قدّرت موسكو سعر نفط الأورال الروسي بنحو 42.4 دولاراً للبرميل في العام 2020، فإن السعودية قدّرته بـ55 دولاراً (80 دولاراً ميزانية بلا عجز). والفرق يكمن أيضاً في القدرة الروسية على اللجوء إلى صندوق الثروة الوطني لفترةٍ أطول.

وعلى الرغم من أن الروبل الروسي تهاوى إلى أضعف مستوياته منذ أوائل العام 2016 بعد الهبوط الحر لأسعار النفط، فإن وكالة "رويترز" نقلت عن محللين تأكيدهم أنّ "روسيا في وضع أفضل بكثير لتحمّل صدمة اقتصادية عنها في العام 2014، عندما فرض الغرب عليها عقوبات بسبب ضمها منطقة القرم، أو في العام 2008 عندما عصفت بها الأزمة المالية العالمية".