هل تفقد مصر مكانتها الاستراتيجيّة بسبب التطبيع الخليجيّ؟

يبدو أن مصر لا تخسر استثمارات الخليجيين فقط، بل ستخسر من جراء التطبيع الإماراتي والبحريني مع "إسرائيل" عائداتها أيضاً، وفي ذلك مزيد من الإضعاف لها ولدورها الإقليمي.

  • الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد
    الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد

تتسارع خطوات التطبيع وترتيباته، خاصة مع الاتصال الهاتفي الذي جمع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، والذي اتفقا خلاله على عقد لقاءات قريبة وزيارات متبادلة. ما يطرح العديد من التساءلا حول ماذا خلف هذه الاندفاعة والهرولة المتصاعدة في التقارب، وهل يسعى الطرفان إلى كسب الوقت لتنفيذ مشاريعهما ضمن تحالف الحرب؟

وبينما يغرد ننتياهو متباهياً بدخول سفينة إماراتيّة للمرة الأولى إلى ميناء حيفا، ويتحدث عن فتح محور تجارة جديد.

هل تفقد مصر مكانتها الاستراتيجية وتكون الخاسر الأوّل والمستهدف من التطبيع بين "إسرائيل" وبعض الأنظمة الخليجيّة التي تزُجّ بأوراق التضليل والتزييف والتحوير للدفاع عن هذا المسار؟

رئيس تحرير موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، ديفيد هيرست، كتب عن تأثير اتفاقي التطبيع بين الإمارات والبحرين مع "إسرائيل" على مصر، معتبراً أنهما "يحملان كوارث للقاهرة سببُها سعي الإمارات إلى أن تصبح الشريك التجاري العربي الرئيسي لإسرائيل". 

فوفق الاتفاق بين أبو ظبي وتل أبيب، سيتمّ نقل النفط العربيّ بسرعة وبكلفة أقلّ من السابق من البحر الأحمر إلى المتوسط، ما يؤثر بشكل سلبي على قناة السويس. 

هذا بالإضافة إلى زعزعة موقع مصر السياسيّ والاستراتيجي في العالم العربي، إذ ستفقد وساطتها بين "إسرائيل" والدول العربية من جهة، وبين "إسرائيل" والفصائل الفلسطينيّة من جهة أخرى.

السيسي وعد المصريين بعائدات كبيرة من قناة السويس الجديدة، وقد أنفق على مشروع التوسيع 8 مليار دولار، لتمكينها من استيعاب سفنٍ عملاقة، ما يزيد الدخل على الأمد البعيد، إلى أنّ أتت الإمارات لتنسف إنجازه، فمن بين مشاريعها المشتركة مع الإسرائيليين، إقامةُ خط شحن مباشر بين ميناء "جبل علي" في دبي، وميناء "إيلات" الإسرائيلي على البحر الأحمر.

ومن هناك بإمكان نفط دول الخليج المطبّعة أن يصل إلى ميناء "عسقلان" الإسرائيلي، في البحر المتوسط. ويعتمد ذلك على خط للأنابيب، يمتدُّ 250 كلم طولاً. 

وبينما يتعاون الإسرائيليون والإماراتيون على حساب المصريين، أوفت القاهرة بحُسن العلاقة مع الجانبين، ولعلها تكون مهندس التقارب، لكن الثابت في العلاقات هو المصالح الدائمة، والمصلحة تقتضي تخفيف عبء تكاليف قناة السويس.

يبدو أن مصر لا تخسر استثمارات الخليجيين فقط، بل ستخسر أيضاً عائداتها، وفي ذلك مزيد من الإضعاف لها ولدورها الإقليمي.

في هذا السياق، اعتبر مدير تحرير صحيفة الأهرام المصريّة أشرف أبو الهول، أنّه "لا يمكن أن يُقام أيّ حلف بين إسرائيل وأيّة دولة عربية في ظل عدم إيجاد حل للقضيّة الفلسطينيّة". 

أبو الهول أوضح في مقابلة مع الميادين، أنّ "هناك سعي مصري عراقي أردني لتشكيل تكتل اقتصادي"، مبرزاً أنّ "العلاقات التجاريّة بين مصر والدول الخليجيّة توقفت إلى حد كبير في الفترة الأخيرة بسبب كورونا". 

وكانت قمة عقدها كل من، الملك الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، في الأردن، نهاية آب/أغسطس الماضي، بحثت "أهمية تعزيز التعاون واعتماد أفضل السبل والآليات لترجمة العلاقات الاستراتيجيّة بين البلدان الثلاثة على أرض الواقع".

من ناحيته، رأى الخبير في الشؤون الإسرائيليّة أليف صباغ، أنّ تل أبيب "تراقب مصر يوميّاً على الصعيد العسكري والاقتصادي والعلمي والآن يجري تحييد القاهرة سياسياً"، مشدداً على أنّ "أي خط غاز في منطقة غير مستقرة هو غير آمن".

وتعليقاً على دخول أوّل سفينة إماراتيّة إلى ميناء حيفا، يشير صباغ في حديث مع الميادين، إلى أنّ الميناء "استراتيجي خطط له منذ الانتداب البريطاني لكي يكون ميناء الشرق الأوسط". 

أمّا الخبير بالشؤون السياسيّة والاقتصاديّة محمد حيدر، فرأى أنّ وصول السفينة الإماراتيّة إلى ميناء حيفا هو "انعكاس لعلاقات قديمة بين تل أبيب وأبو ظبي". 

من الصعب جداً لـ"إسرائيل" التطبيع مع الشعوب العربيّة

وفيما تتسارع خطوات التطبيع وتتطور علاقات الإمارات والبحرين سريعاً مع الاحتلال الإسرائيلي، كشف خبراء إسرائيليون أن حملات التعاطف الخليجيّة مع تل أبيب على مواقع التواصل الاجتماعي مصطنعة من أجهزة رسميّة في الأنظمة المطبّعة، ليتقاطع ذلك مع دراسة أجرتها وزارة الشؤون الاستراتيجيّة الاسرائيليّة تفيدُ بأن حوالى 90% من الآراء العربيّة على "السوشال ميديا" ترفض التطبيع.

كما تحدثت الدراسة عن أن "95% من الخطاب المعارض للتطبيع كان موجهاً ضد الإمارات العربية المتحدة، التي قادت مبادرة التطبيع مع الاحتلال، على نحو أكثر من البحرين".

وأشار التقرير المنشور إلى أن جزءاً كبيراً من الخطاب السلبي تضمّن إدانة شديدة للإمارات والبحرين، مع اتهامهما بخيانة الفلسطينيين وتملّق "إسرائيل" والولايات المتحدة.

صباغ شدد على أنّه "من الصعب جداً لإسرائيل التطبيع مع الشعوب العربية"، فيما تساءل حيدر في مقابلته مع الميادين، عن حجم الأنظمة الخليجيّة ثقافياً وسياسيّاً وحضارياً لكي تتصدر المشهد العربي.

يذكر أنّ كلاً من الإمارات والبحرين وقعا يوم 15 أيلول/ سبتمبر في البيت الأبيض اتفاق "سلام" مع "إسرائيل" ينص على إقامة علاقات دبلوماسيّة واقتصاديّة رسميّة معها.