سجال دبلوماسي بين طهران وأنقرة بالعراق واعتداء أميركي.. قواعد اشتباك جديدة؟

لا تزال تداعيات الضربة الأولى لإدارة بايدن على الحدود السورية العراقية تتفاعل داخل العراق، حيث اعتبرتها الفصائل العراقية بأنها أسقطت التفاهمات، متوعدة بالرد المناسب، في مقابل انتقادات عالية النبرة بين إيران وتركيا بشأن العراق. ماذا في التفاصيل؟

  • الاعتداء الأميركي الأخير على الحدود السورية العراقية أسقط التفاهمات السابقة
    الاعتداء الأميركي الأخير على الحدود السورية العراقية أسقط التفاهمات السابقة

ما زالت الساحة العراقية تعيش على وقع الغارات الأميركية الأخيرة عند الحدود مع سوريا، ذلك أن فصائل المقاومة توعّدت برد مناسب، وأكدت أن الاعتداء الأميركي أسقط التفاهمات السابقة.

بدورها، أعلنت قوات الحشد الشعبي رسمياً أن قواتها كانت ضمن خط الدفاع العراقي  عكس ما قالته رواية القوات الأميركية، وأن "هذا الاعتداء ينبئ بتطورات مستقبلية خطيرة لا بدّ من الوقوف من دون حصولها، وعلى الجهات المختصة والمعنية القيام بواجبها تجاه أبناء الحشد الذين ضحوا وما يزالوا في سبيل أمن العراق".

فيما كان "البنتاغون" قال في بيان له، إنّ الغارة التي استهدفت شرق سوريا تمّت المصادقة عليها من قبل إدارة الرئيس جو بايدن.

المعروف أن الفصائل العراقية ليست على وفاق تام مع حكومة مصطفى الكاظمي، لكنها التزمت بتفاهمات سابقة كما تقول هي ولأسبابها، وهي تجد في الموقف الرسمي للحكومة، وما غمز إليه وزير الدفاع الأميركي حول التعاون العسكري العراقي لتنفيذ الغارة، برغم النفي الرسمي لبغداد المزاعم الأميركية حول تبادل المعلومات بشأن الغارة على سوريا، كانت طعنة أطاحت بالتفاهمات.

أما وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين فقد أكد من طهران أن بلاده لن تسمح باستغلال الهجمات في العراق لتعطيل العلاقات مع إيران، موقف أبلغه لنظيره الإيراني محمد جواد ظريف الذي دان الإجراء الأميركي ووصفه بالخطير، ويستهدف العلاقات بين طهران وبغداد وزعزعة أمن واستقرار العراق.

من ناحية أخرى، انتقادات عالية النبرة بين إيران وتركيا أدّت إلى استدعاء سفراء متبادل، هل هي حرب كلامية عابرة أم بذور صراع جدي بين الجارين الإقليميين؟

ليست المرة الأولى التي تتبادل فيها أنقرة وطهران استدعاء الدبلوماسيين، لكن السجالات بينهما كثرت مؤخراً، حيث انتقدت إيران التهديدات التركية للأراضي العراقية والتدخل العسكري شمالاً.

ردّت تركيا منتقدة ووجهت اتهاماً لطهران بإيواء عناصر من حزب العمال الكردستاني، فهل انتهى السجال السياسي عند هذا الحد؟ أم أن الخلاف بين الجارين الإقليميين بات أبعد من ذلك؟ خاصة وأن الدور التركي في الشمال بدأ يخرج عن المعهود. فهل قررت أنقرة أن تغير تموضعها في ظل الإدارة الأميركية الجديدة؟

هذه الإدارة التي دشنت أول اعتداءاتها على الحشد الشعبي عند الحدود العراقية السورية، وقالت إنها رسالة تحذير لطهران بعد استهدافات مجهولة ومشبوهة في الداخل العراقي رفضتها طهران وحلفاؤها.

فأي أجندة لدى واشنطن في المنطقة؟ وهل يمارس بايدن مبدأ فرق تسد بين العراقيين بعد الإعلان عن تنسيق الغارة الأخيرة مع بغداد؟

موسوي للميادين: واشنطن أرادت من خلال الغارة الأخيرة اتهام طهران وحلفائها باستهداف مطار أربيل

الدبلوماسي الإيراني السابق أمير موسوي قال في هذا الإطار للميادين إنه يحق لإيران أن تتحدث عن التدخلات الأجنبية في العراق، لأنها قدمت تضحيات كبيرة هناك.

وأضاف أن هناك تهديد تركي واضح باحتلال سنجار، وإيران لا تريد توترات جديدة في المنطقة.

أما في موضوع حزب العمال الكردستاني، فأكد موسوي أن الكل يعلم عن التعاون وتبادل الملفات والمعلومات بين الاستخبارات الإيرانية والتركية بشأن حزب العمال الكردستاني، وأن إيران لا تسمح بأن تأوي الدول المجاورة إرهاببين، لكن في موضوع سنجار، فهذا غير مسموح به. 

وأكد أن الحكومة العراقية نددت بتصريحات وتصرفات الجيش التركي وتحركاته في المنطقة، مشيراً إلى أن على أنقرة أن تتفاهم مع الحكومة العراقية، وأن يأخذوا في الحسبان قوات الحشد الشعبي، معتبراً أن التدخل العسكري التركي من دون التعاون مع السلطات العراقية لا يعطيها سلطة ولا حقاً.

موسوي رأى أن هناك تسويقاً إعلامياً خاطئاً لمفهوم أن هناك صراع بين إيران وأميركا على العراق، "وهذا خطأ والصحيح أن العراق هو المستهدف من قبل الولايات المتحدة، وما يدور الآن من خلال الوجود الأميركي والتحرشات الأخيرة، يدل على أن الأميركي والصهيوني لديهما أطماعاً في العراق".

كما أكد أن الديمقراطيين يطمحون لتقسيم العراق، "وهذه رؤية واضحة لدى الأميركي، الذي لا يريد أن يرى العراق موحداً ومتماسكاً وقوياً. وذلك على عكس إيران التي تهتم بما يحصل من مؤامرات ضد العراق، لأنها تعلم جيداً أنه كلما تضرر العراق ستتضرر إيران كذلك، وزيارة وزير الخارجية العراقي إلى طهران تأتي في هذا الإطار".

واعتبر أن الأميركيين يحاولون من خلال تحركاتهم الأخيرة يعمدون إلى إشعال نار الفتنة في العراق، معتبراً أن الضربة الأخيرة هي مؤشر خطير ورسالة واضحة بهذا الخصوص.

موسوي رأى أن واشنطن أرادت من خلال الغارة الأميركية الأخيرة اتهام طهران وحلفائها باستهداف مطار أربيل.

كما اعتبر أن بايدن متورط، ولديه ملفات وأزمات عديده إلى جانب أزمة كورونا في بلاده، وهو يتصرف بشكل مرتبك، ويدل على عدم وعي للقيادة الأميركية لحساسية واقع العراق.

صالحة للميادين: إيران تريد إثبات أنها قادرة على التأثير في المنطقة

بدوره، رأى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة إسطنبول سمير صالحة في حديث للميادين، أن تركيا تشعر أن إيران تريد تعزيز نفوذها في أكثر من ملف في المنطقة من أجل التفاوض من موقع قوة مع إدارة بايدن.

وقال إن أنقرة ترصد التحركات الإيرانية في الملف العراقي والسوري، وأن هناك قناعة في تركيا وهي أن انفتاح العراق مع العديد من العواصم، ومع الجانب الأردني والمصري ودول الخليج، أغضب إيران، على حدّ تعبيره.

وأشار إلى أن تركيا لا تعترض أن يكون الحشد الشعبي جزء من المنظومة العراقية، لكن المشكلة أن تتحرك هذه المجموعات لمقاتلة القوات التركية في سنجار، وليس لمقاتلة حزب العمال الكردستاني على الحدود.

ورأى أن إيران تريد أن تحرك كل الملفات في المنطقة لتقول لواشنطن إنها قادرة على التأثير وجاهزة للتحرك في المنطقة، "وكان الأولى بقوات الحشد الشعبي أن تقول إنها ذاهبة لمحاربة حزب العمال الكردستاني، وليس للتصدي للقوات التركية"، معتبراً أن "هذا الأمر تمّ بقرار إيراني".

عبد الفتاح للميادين: بايدن يريد القول أن خياراته التصعيدية ضد إيران موجودة

أما الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بشير عبد الفتاح، فقال بدوره للميادين "نحن بصدد مشروعين إقليميين في المنطقة، والمشروع الإيراني يريد تعزيز نفوذه".

وأشار عبد الفتاح إلى أن هناك تنسيقاً بين تركيا وإيران، معتبراً أنه "كلما ابتعدنا عن سوريا والعراق، لاح التنسيق التركي الإيراني فيما يتعلق بتقاسم النفوذ والتموضع والتوسع، ونظراً لاعتبارات جغرافية، ترى تركيا أن لها حق في العراق، وإيران تنظر أن لها الحق شرعياً في التدخل".

واعتبر أنه ورغم ذلك هذا لا يعني أن طلاقاً سياسياً واستراتيجياً سيكون بين إيران وتركيا، فكلاهما محاصر من قبل الولايات المتحدة، ومن جانب آخر "إسرائيل" وروسيا، لذا عليهما التنسيق، فهما قد يختلفان ولكنهما سيتفاهمان من أجل تقاسم النفوذ.

ولفت إلى أن بايدن يريد القول أن خياراته التصعيدية ضد إيران موجودة ولو أنه يريد التفاوض معها.

كما رأى أن طهران وأنقرة "ستحافظان على تقاربهما في مواجهة الولايات المتحدة، وهذه الأزمة هي في اتجاه الاحتواء ولن تشهد تصعيداً، إذ لا يوجد أزمات حقيقية بينهما، وإنما الخلاف الحالي يمكن احتواءه بسهولة".