وأخيراً .. سوريا منصة الإنطلاق تفاهم روسي - أميركي

بوصلة العلاقة بين القوتين العظميين تحدد مسار وسقف التوازن والاستقرار العالمي، بديهية يدركها أصحاب الشأن، مسؤولين ومواطنين، معوّلين على أن تسفر نتائج اللقاء عن معالجة الملفات الملتهبة وإبعاد شبح الحرب والمواجهة وخطاب التسعير.

سوريا منصة الإنطلاق تفاهم روسي - أميركي
النتائج الأولية "المعلنة" لم تشفِ غليل المراقبين والطامحين لأجواء إنفراج في العلاقات الثنائية بما يكفي، لكنها أقلقت معسكر الحرب والتصعيد في واشنطن، وستأخذ حيزاً لا بأس به من النقاش والجدل في الأيام المقبلة.

ضغوط المؤسسة الأميركية بكافة أطيافها على ترامب لم تتوقف كي لا يجنح للخروج عن السياق المُعد ويقدم "تنازلات" للرئيس الروسي. القوى الرئيسة النافذة في آلية صنع القرار تخشى من أي تقارب لترامب مع روسيا وتعتبره نقطة ضعف، كما لا يروق لها التوصل لتسوية الملفات الملتهبة، أو في طور الاعداد – كوريا الشمالية، اذ ترى أن ديمومة الصراعات يصب في خدمة مصالحها.

ما رشح عن لقاء العظميين، وهو قليل كماً لكنه فاصل في توجهاته، يؤشر على عزم كل من واشنطن وموسكو للتواصل وتحقيق مزيد من التفاهمات، وبلورة حلول سياسية لتدشين عصر جديد في العلاقات الدولية.

ما نحن بصدده هو إلقاء المزيد من الأضواء على المشهد الأميركي الداخلي والكشف عن حقيقة ما يجري داخل أروقة صنع القرار، بتركيز شديد على المتغيرات في الشأن السوري.

قبل عقد قمة العشرين بساعاتٍ معدودة أطلق وزير الخارجية الأميركية، ريكس تيلرسون، 5 تموز/ يوليو، بياناً "بشأن الوضع الحالي في سوريا"، يطرح فيه "توجهاً جديداً" يُغلِّب فيه التعاون مع روسيا عوضاً عن التصادم في سوريا؛ وتفادى الوزير الخوض في "تقرير مستقبل الرئيس السوري"، كلمة السر في توجهات أعوان الولايات المتحدة في الإقليم، مطلقاً العنان لآليات تعاون ثنائية لبسط الاستقرار والحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

توجهٌ لم يعهده العالم أجمع من واشنطن في هذا الظرف بالتحديد، خاصة بعد زيارة ترامب للرياض قبل بضعة أسابيع وأرخت بظلالها على السعودية ودورها في الإقليم بشكل خاص.

القوى الأميركية المتربصة بترامب وسياسته نحو روسيا أفصحت مراراً عدة عن قلقها من "بلورة ترامب وفريقه سياسة خاصة بسوريا .. توثق أطر التعاون مع روسيا لتحقيق هدف مشترك وهو إلحاق هزيمة محققة بداعش". 

وما لبث بيان تيلرسون أن اتخذ صيغة "سياسة جديدة لإدارة ترامب نحو سوريا .. تتفادى الخوض في تقرير مستقبل الرئيس الأسد". أمرٌ أغضب القوى التقليدية التي ما فتئت تذكّر البيت الابيض بتعهداته الانتخابية حول المسألة وتأكيده بأن "الأسد ليس مشمولاً في الحل المقبل لسوريا". 

كما يشار إلى تصريح وزير الخارجية تيلرسون خلال زيارته لتركيا، آذار/أبريل الماضي، أن "مصير الأسد يقرره الشعب السوري"؛ قبل انقلابه سريعاً على ذاته مشدداً "..لن يكون له دور في حكم الشعب السوري". 

الانعطافة الأخيرة في تصريحات الوزارة السيادية كانت لافتة ومعبرة، ومقلقة أيضاً لأركان في المؤسسة. تيلرسون وخلال لقائه الأمين العام للأمم المتحدة، انطونيو غوتيرس، قبل أيام معدودة أبلغ ضيفه "إن مصير الرئيس السوري بشار الأسد هو الآن في يد روسيا، وأولوية إدارة ترامب تقتصر على إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية..".

وحسبما أفادت "ديلي بيست" في 7 تموز/ يوليو، إلى أنه في إطار الخطة الاستراتيجية الأميركية الجديدة لن يكون هناك معارضة من واشنطن لاقتراحات روسيا وشركائها حول "مناطق تخفيف التصعيد" في سوريا وقيام العسكريين الروس بدوريات المراقبة في عدد من مناطق البلاد.

وانضم وزير الدفاع جيمس ماتيس لدعم تهيئة "التحوّل" في سياسة ترامب نحو سوريا بالقول "نرفض الانجرار إلى الحرب الأهلية السورية"، في أوضح تعبير عن خشيته وفريقه العسكري من "الإنزلاق إلى المستنقع السوري"، في أعقاب الغارات الأميركية على الجيش السوري في محيط التنف، على مقربة من الحدود الأردنية والعراقية المشتركة مع سوريا.

ضغوط قبل اللقاء

تشكل إجماع ملفت بين أبرز مواقع المؤسسة الحاكمة، لا سيما مراكز الفكر والأبحاث، على الاستمرار في "ممارسة ضغوط كبيرة على ترامب لاتخاذ موقف متشدد .. والحيلولة دون تحقيقه آماله الانتخابية في التقارب من روسيا".

كما روجت تلك مجتمعة لخفض سقف التوقعات إلى أدنى مستوى ممكن "ينبغي أن يكون لدينا توقعات منخفضة للقاء ترامب – بوتين .. ليس هناك جدول أعمال محدد للقاء الثنائي"، كما أوضح معهد هدسون.

فريق المشككين، ومن ضمنهم وزراء في إدارة ترامب وفق التسريبات الأخيرة، علّق بسخرية أن من ضمن الملفات الغائبة عن جدول الأعمال قضايا ساخنة تهم الطرفين "لا يوجد اتفاق للحد من الأسلحة؛ ولا اتفاق سلمي حول سوريا؛ ولا اتفاق لتجميد النووي الكوري؛ أو رفع العقوبات الأميركية على روسيا؛ بل لن يتم البحث في تسوية كل من جورجيا وأوكرانيا".

أحد أبرز مراكز الأبحاث شهرة وتأثيراً، معهد بروكينغز، أعلن عن "وصفة طبية" للرئيس ترامب قبل لقائه عليه الاقتداء بنقاطها الخمسة: مناشدته التصديق على قناة اتصال تيلرسون – لافروف؛ الحفاظ على قناة تنسيق مباشرة مع روسيا في مناطق خفض التصعيد في سوريا؛ تذكير الرئيس الروسي بأزمة أوكرانيا التي تشكل عائقاً أمام تحسين العلاقات الثنائية، وإعادة تفعيل مسار الحل السياسي؛ إعادة الالتزام الأميركي بمعاهدة القوات النووية متوسطة المدة، لعام 1987، وقبول عرض الرئيس بوتين بتمديد العمل بمعاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية، سالت، لعام  2026، مما "..سيحصنك ضد أي اتهام بتقديم تنازل غير مناسب لموسكو"؛ ينبغي إثارة مسألة التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، إذ أن الأحجام عن مناقشتها سيعرضك ليس لسيل من الانتقادات فحسب، بل سيشكل ضمانة لاستصدار الكونغرس قراراً يحد من مرونة صلاحياتك في تعديل العقوبات على روسيا.

ستخضع تلك "الوصفة الفكرية" إلى مزيد من التدقيق والتمحيص ومقارنتها بما تم التوصل اليه بين الطرفين في الأيام والأسابيع المقبلة، ونجازف بالتكهن بأن نقاط البحث المدرجة شملت تلك الملفات بالصيغة المقترحة أعلاه، يعززه مقال لصحيفة واشنطن بوست في 7 تموز/ يوليو، مزدياّ نصيحة للرئيس ترامب بأن محاوره الرئيس بوتين "..شخص محنك سياسياً، وعليك التحدث في مسألتي سوريا وأوكرانيا، وتجنب الحديث في موضوع حلف الناتو". 

انضمت أيضاً الصحف الأميركية الرئيسة في التمهيد لقبول التقارب الأميركي مع روسيا، تصدرتها واشنطن بوست بتأكيدها على "ضرورة تعاون واشنطن مع روسيا في سوريا .. وإلا ستزداد الأوضاع سوءاً وتلقي بظلالها على جميع الأطراف". واستطرد المحرر الشهير في الصحيفة، ديفيد أغناطيوس، في إبراز المنافع التي ستعود على بلاده اذ "إن التعاون .. الأميركي الروسي يساهم في تهدئة التوترات في سوريا، ويعتبر نموذجاً محتملاً لأهمية العمل في مناطق تخفيف التصعيد".

على الطرف المقابل، نقل أغناطيوس عن "أعضاء في مجلس الأمن القومي يساندهم أعضاء متشددين في الكونغرس" يعارضون أي توجه للتوافق مع روسيا بالتحريض ضد إيران التي "ينبغي على الولايات المتحدة القيام بعملية عسكرية لمنعها وحلفائها .. من الفوز بممر في جنوب شرق سوريا، والذي من شأنه أن يربط إيران بلبنان" بشريط بري متصل.

أين "الكيان الإسرائيلي"؟

سارعت الإدارة الأميركية إلى التركيز على "نتائج مثمرة وبناءة" للتنسيق مع روسيا، بالإشارة إلى جهودها في التوصل لاتفاق "وقف إطلاق النار" في جنوب – شرقي سوريا، درعا ومحيطها، والتي سبق للجيش السوري أن أعلن عن تثبيته وقف إطلاق النار هناك من جانب واحد، ومن ثم مدد المهلة الزمنية.

الجنوب السوري، خاصة المحتل منه في هضبة الجولان، شهد توسعاً تدريجياً للجيش العربي السوري في بسط سيطرته على مناطق سقطت بأيدي التنظيمات المسلحة بدعم تسليحي وطبي من سلطات الكيان. وبات على واشنطن السعي في كل الاتجاهات المتاحة للحيلولة دون تمكين الحكومة السورية بسط سيطرتها على خطوط التماس مع تل أبيب، خاصة في ظل تعثر خيار إنشاء "منطقة آمنة/ عازلة" هناك.
الثابت أن الإدارة الأميركية، في سياق مسارها للتمهيد إلى الاتفاق مع روسيا، طبقت سياسة زيارات نشطة لعدد من موفديها إلى بنيامين نتنياهو، بغية التوصل إلى تفاهم مشترك حول ما قد تستطيع واشنطن الفوز به خلال المحادثات.

نتنياهو وفريقه أبلغ الموفدين الأميركيين بمطالب ثلاثة ينبغي على واشنطن العمل على انتزاعها من روسيا، على حساب سوريا. ووفق ما نشرته يومية ديفينس نيوز الأميركية في 7 تموز/ يوليو  تحولت المطالب إلى خطوط حمراء حول: إنشاء مناطق خفض التصعيد العسكري على طول الحدود الأردنية مع فلسطين المحتلة، بمعزل عن ما سيتم الإتفاق حوله في مفاوضات أستانة؛ عدم السماح لقوات حزب الله وإيران دخول تلك المناطق؛ عدم رغبة "إسرائيل" في لعب دور عملياتي مباشر او المساهمة في قوات مراقبة داخل تلك المناطق.

الجانب الأميركي، وفق المصادر الأميركية عينها، سعى لفرض "خطوط إسرائيل الحمراء"، والضغط لإنشاء منطقة عازلة عند مدينة درعا السورية. وبالنتيجة جاء الإعلان عن تثبيت وقف إطلاق النار التي أعلنت عنه دمشق مسبقاً هو أقصى ما تم تحقيقه في هذا الصدد، إلى أن تبرز حقائق ووثائق تؤكد العكس.

وزارة الخارجية الأميركية، من جانبها، سعت لتوضيح إعلان الوزير ريكس تيلرسون في هذا الخصوص، إذ عقد "مسؤول رفيع لعب دوراً في المفاوضات مع روسيا" مؤتمراً صحفياً بالهاتف في 7 تموز/ يوليو الجاري، موضحاً أن واشنطن تعتبر "إعلان وقف إطلاق النار المعلن عنه اليوم كخطوة أولية مرحلية .. لإطلاق مناخ أفضل من أجل التوصل لترتيبات أكثر تفصيلاً وشمولية".
واستدرك بالقول ان "الإنجاز" اليوم يؤشر على مدى التعقيدات التي رافقت المواقف الأميركية السابقة المطالبة بوقف إطلاق نار شامل في كافة الأراضي السورية".. واتخذنا قراراً واعياً للتركيز على جزء محدد من الأزمة كبداية، وتجسد ذلك في الشطر الجنوبي الغربي" لسوريا. وأضاف ان الإعلان "..أثبت أنه الجزء الأكثر قابلية للتعاطي معه في مناخ وساحة معركة بالغة التعقيد داخل سوريا".

القراءة الروسية والأميركية لما تم الاتفاق عليه، اتفاق درعا مجازاً، كانت متقاربة إلى حد التطابق. تيلرسون، عن الجانب الأميركي، أشار إلى أن "تفاصيل الاتفاق سوف يتم الانتهاء من إعدادها خلال أقل من أسبوع"؛ وهو في طريقه لزيارة أنقرة والكويت. الوزير لافروف أكد أن "الولايات المتحدة التزمت باحترام جميع المجموعات المسلّحة الموجودة هناك وقف إطلاق النار .." موضحاً أن حفظ الأمن في تلك المساحة هي مسؤولية قوات الشرطة العسكرية الروسية "بالتنسيق مع الولايات المتحدة والأردن"؛ وذلك مبدئياً حتى يتم التوصل إلى تفاهم على هوية لقوات مختلطة.

الشق البارز في هذا الاتفاق، وفق ما صدر من تصريحات على لسان المسؤولين الأميركيين والروس، أنه لم يرد أي ذكر "لقوات ضامنة" للأمن غير القوات الروسية؛ وبعلم الأطراف المعادية لسوريا بوجود قوات إيرانية في تلك المنطقة. تيلرسون أوضح بعظمة لسانه أنه "لم نتوصل لإتفاق ثنائي حول هوية القوات الأمنية التي ستتولى مهام تثبيت وقف إطلاق النار في سوريا".

بعبارة مختصرة، نستطيع القول أن واشنطن خطت اتفاقاً مع دمشق عبر الوسيط الروسي، استطاعت فيه سوريا تثبيت تشبثها بسيادتها على أراضيها – وهي المسألة التي أشار إليها الوزير الأميركي تيلرسون وأن عابراً بأن بلاده "تشاطر روسيا هدف استقرار سوريا ووحدة أراضيها". 

القراءة المتكاملة لاتفاق بوتين - ترامب لن تنضج سريعاً ربما، وسيكتفي المرء بالنظر إلى ما يتحقق ميدانياً لاستخلاص العبر والدروس والإجابة على السؤال الجوهري إن كان هناك ما يفيد "بتحول" أميركي حقيقي يقارب الموقف الروسي عملياً، واستطراداً موقف إيران وسوريا، فرضته المتغيرات الميدانية والإقليمية والدولية والأزمات الداخلية الأميركية.