"جرأة أوباما" في انتقاد الحلفاء تستثني إهانات نتنياهو

أمام مروحة من المعطيات والمراهنات "الإسرائيلية" على غد أفضل مع الرئيس المقبل، لم يجد نتنياهو غضاضة برفض اللقاء مع الرئيس المنتهية ولايته، ويعمل عن كثب للتمهيد لعلاقة أوثق مع الرئيس الجديد.

واشنطن الرسمية استهجنت عدم إبلاغها إلغاء لقاء الرئيس أوباما وبنيامين نتنياهو.
استهجنت واشنطن الرسمية عدم إبلاغها إلغاء لقاء الرئيس أوباما وبنيامين نتنياهو، المقرر في 17 الشهر الجاري، وعلمت به "عبر وسائل الإعلام." الرئيس أوباما أعلن مسبقاً أنه سيقوم بزيارة تاريخية لكوبا يومي 21 و22 من الشهر الجاري.

البيت الأبيض في بيان مقتضب أوضح أن الرئيس أوباما "كان يتطلع لعقد لقاء ثنائي، وفوجئنا بأن علمنا للمرة الأولى عبر تقارير إعلامية أن رئيس الوزراء اختار إلغاء زيارته بدلاً من قبول دعوتنا."

في جانب الحيثيات نقلت يومية وول ستريت جورنال، 8 آذار مارس الجاري، عن مسؤولين أميركيين كبار أن واشنطن تنوي بحث ملامح تحركات مقبلة لإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط قبل نهاية ولاية الرئيس أوباما "ومطالبة إسرائيل بوقف البناء في المستوطنات كلياً والاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، بينما سيعترف الفلسطينيون بإسرائيل دولة يهودية ويتنازلون عن حق العودة."

واكب الحادثة "العرضية" اتصالات مكثفة على أعلى المستويات، لا سيما العسكرية والاستخباراتية، بين الطرفين تمهيداً للاتفاق على نص "اتفاقية التفاهم" للعقد المقبل تتضمن جملة قضايا لصالح "إسرائيل،" بدءاً بزيادة الدعم والهبات المالية المخصصة، وتحمُّل واشنطن كلفة إنتاج منظومة جديدة من الدفاعات الصاروخية .. الخ. 

الرهان "الإسرائيلي" يتمحور حول الفوز بمساعدات مالية مباشرة تتراوح بين 10و15 مليار دولار للشؤون العسكرية، بينما أعربت إدارة الرئيس أوباما عن استعدادها لزيادة مساعداتها بنحو 5 مليارات دولار على امتداد العقد المقبل، عوضاً عن الهبات الراهنة بقيمة 3،1 مليار دولار سنوياً.

ملفت أيضاً كان نشر الصحافة الأميركية تفاصيل مقابلات متواصلة مع الرئيس أوباما وكبار مستشاريه وأعوانه تهيئة لسردية الإرث الرئاسي قبل نهاية ولايته، لعل أبرز قضاياها كانت إقراره بخطأ الغزو الدولي لليبيا والوعي لعدم الإنجرار وراء نزعة التدخل العسكري في سوريا، كما رمى إليها "حلفاء الولايات المتحدة من دول الخليج وبعض الدول الأوروبية."

ونسبت إلى أوباما أن حلفاء أميركا في منطقة الخليج "يتطلعون لجر الولايات المتحدة إلى صراعات طائفية طاحنة لا تمت بصلة في بعض الأحيان للمصالح الأميركية." وأضافت أن الرئيس أوباما دأب خلال المقابلات على "وصف بعض حلفاء أميركا، في الخليج وأوروبا، بانها قوى جامحة .. تتهيأ لحضورنا واستخدام قوتنا العسكرية في مواجهة حاسمة ضد إيران، بيد ان الأمر لا يخدم المصالح الأميركية أو مصالح الدول الإقليمية."

وأوضح أوباما ان مصالح بلاده تقتضي "اخراج الولايات المتحدة من الصراعات الدموية في الشرق الأوسط حتى يتسنى لها التركيز بصورة أكبر على أجزاء أخرى .. مثل آسيا وأميركا اللاتينية." كما "لم يبدِ تعاطفا كبيرا مع السعوديين" على خلفية ابرام الاتفاق النووي مع إيران، مذكرا الرياض بأنه يتعين عليها إدراك "كيفية تقاسم المنطقة مع عدوها اللدود، إيران."

ملف المقابلات، في شهرية اتلانتيك، واسع ويمتد على نحو 70 صفحة، تطرق إلى جملة قضايا أساسية، خاصة على المستوى الدولي والتحالفات الراهنة والاجندة الأميركية في مواجهة تعدد القطبية الدولية. اللافت في الملف المتكامل خلوه من المرور أو انتقاد "السياسة الإسرائيلية" ونقاط التباين والافتراق بينها وبين الاستراتيجية الأميركية، وما آلت اليه من "تجميد مسار المفاوضات،" الذي تعهد بحله وزير الخارجية جون كيري فور تسلمه مهام منصبه في غضون تسعة أشهر.

نتنياهو يتلذذ بإهانة أوباما

      اتخذت الإدارة الأميركية إجراءات فورية "لتطييب خاطر" نتنياهو ورهطته بعدم إجراء أي تعديل في جدول نائب الرئيس جو بايدن لزيارة تل أبيب ولقاء نتنياهو ومسؤولين آخرين.

بايدن الذي لا يترك مناسبة إلا ويؤكد على "صهيونيته" والتزام بلاده "بأمن إسرائيل،" تزامنت زيارته مع مشهد استمرار انتفاضة أصحاب الأرض على الاحتلال بمقتل جندي أميركي "سابق" طعناً في وسط مدينة تل أبيب، قيل لاحقاً أنه خدم أيضاً في العراق وأفغانستان.

      بصرف النظر عما ستسفر عنه زيارة بايدن وتقديمه وعود وإجراءات إضافية بزيادة معدلات الهبات والمعونات الأميركية، العنصر الثابت في هذه الحركة هي إقلاع نتنياهو وآخرين عن التجاوب مع طلبات وحوافز تقدمها الإدارة الأميركية، وعقد المراهنة على الرئيس المقبل، وعمل كل ما بوسعه لحرمان الرئيس أوباما من تحقيق اي إنجاز يذكر في ما تبقى له من ولايته الرئاسية.

      تقرير وول ستريت سالف الذكر، في ما يخص نية أوباما التوجه للأمم المتحدة لفرض إطار للتسوية، لم يجرِ نفيه من قبل الإدارة الأميركية، الأمر الذي عزز الشكوك بأن النبأ شكل خلفية "تباين" الطرفين، خاصة لما يتضمنه من طلب بقوة القرار الدولي بوقف المستوطنات.

      أميركا روجت لتلك الخطوة عبر فرنسا منذ أيام قليلة بإعلان الأخيرة عن عزمها التوجه للأمم المتحدة لضخ "دماء جديدة" في مسار التسوية المتعثر، مهدت لها بنية إعلانها الاعتراف بما يسمى دولة فلسطينية. جدير بالذكر ان المبعوث الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، سامانثا بأور، أوضحت في شهادة لها أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، العام الماضي، ان الإدارة لا تنوي استخدام حق الفيتو لمعارضة قرار أممي ينص على "دولة فلسطينية."

      نتنياهو ومؤيدوه في أميركا يخشون صدور قرار أممي، ليس بواقع ترجمته الفعلية من عدمها فحسب، بل لما قد يشكله من قيود على حرية حركة الرئيس الأميركي المقبل وصعوبة القفز عليه أمام "اجماع دولي."

      رجح المسؤولون الأميركيون، في المستويين السياسي والعسكري، رفض نتنياهو لقاء أوباما بأنه فضل عدم الظهور بمظهر التوافق أو الاستسلام لرغبة الرئيس الأميركي في مرحلة شديدة الحساسية تشهد فيها الولايات المتحدة مزايدات المرشحين لمنصب الرئاسة.

      وأضاف أولئك ان نتنياهو شبه متيقن من ان الرئيس الأميركي المقبل سيكون "متفهما" لوجهة نظره وسيصطف إلى جانب "إسرائيل" غير عابئ بالتبعات السياسية والإعلامية؛ على الرغم من كل المواقف والسياسات المؤيدة التي وفرها أوباما وفريقه. بيد ان الاتفاق النووي مع إيران، الذي ابرم لحاجة أميركية صرفة تخص استراتيجيتها الكونية، لا يزال يشكل "خطيئة" لا يمكن لنتنياهو القفز عنها.

      من نافلة القول ان نتنياهو وفريقه المؤيد داخل الحكومة الأميركية سيفعل كل ما بوسعه للحيلولة دون مزيد من التقارب بين واشنطن وطهران، ناهيك عن تطبيع العلاقات بينهما. واستطرادا فان المرشحة هيلاري كلينتون، رغم توجهاتها المؤيدة بشدة "لإسرائيل" تشكل امتدادا لسياسات الرئيس أوباما "وتتحمل" بعض المسؤولية في المفاوضات النووية.

ان نتنياهو وفريقه المؤيد داخل الحكومة الأميركية سيفعل كل ما بوسعه للحيلولة دون مزيد من التقارب بين واشنطن وطهران.

مراسلات مفرج عنها

   في سياق افراج وزارة الخارجية الأميركية عن "بعض" المراسلات الخاصة لوزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون، جاء في الحزمة المفرج عنها يوم 29 شباط الماضي، رسالة بعنوان "نتنياهو،" مرسلة من قبل احد مساعديها السابقين، سيدني بلومنثال، قال فيها نقلا عن نتنياهو "ان لم نستطع (نحن) النوم، فإن هيلاري لن يكون بوسعها الخلود إلى النوم،" في سياق اتخاذ مواقف متشددة خلال مرحلة التفاوض على الملف النووي الإيراني.

      المراهنة على سياسات "الرئيس هيلاري كلينتون" سابقة لأوانها، بيد انه من المتوقع ان لا تشذ عن مواقفها المتشددة حيال قضايا الاقليم وازدرائها العمل في إطار مجلس الأمن الدولي لأي من القضايا العالمية، وحضورها الدائم وتكريمها أمام المنظمات الصهيونية الكبرى – اذا استثنينا علاقة الزواج التي تربط ابنتها الوحيدة تشيلسي بزوجها اليهودي. بيد ان للمنصب الرئاسي آلياته وقيوده الخاصة.

      "الرئيس ترامب،" بالمقابل يحظى بقاعدة دعم وتأييد معتبرة من قبل اليهود الأميركيين، حسبما أفادت احدث استطلاعات الرأي، على الرغم من عدم اجماعها على تأييد عريض له. لترامب مصالح اقتصادية متعددة تشده لمصادر التمويل والمصالح الكبرى، خاصة في وول ستريت، والتي يتصدرها كبار المؤيدين "لإسرائيل."

كريمة ترامب، ايفانكا، من مطلقته الأولى اقترنت بزوجها اليهودي جاريد كوشنر، المنحدر من عائلة شديدة الثراء في مجال العقارات، واعتنقت الديانة اليهودية عام 2009 وينتميان إلى فصيلة المتدينين اليهود من الارثوذوكس – واتخذت اسما يهوديا "يائيل." للزوجين طفلين ربياهما كيهوديين ملتزميْن.

ترامب لم يدخر جهدا للافصاح عن شديد اعتراضه على ابرام الاتفاق النووي مع إيران، لاسبابه الخاصة، وعزمه التعامل مع تداعياتها بسياسات "صعبة." الجالية اليهودية ورموزها المؤثرة اخذت علمها بتوجهاته الإيرانية، خاصة اشارته المتكررة لتحرر إيران من القيود الدولية واستعادتها لاصولها المالية المجمدة.

الثابت في مواقف ترامب المتحركة انه غير مقيد بضوابط فكرية أو ايديولوجية محددة، وينطلق من حسابات عملية تقارب الواقعية. ولذا يأخذ عليه خصومه تردده في الاقدام على اتخاذ سياسات متشددة بالاشارة إلى جهوزيته التفاوض مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دون اللجوء لخيار المواجهة الأول.

كبرى الجاليات العربية في مدينة ديبربورن بولاية متشيغان أيدت ترامب بغالبية بلغت 39% على منافسيه الآخرين في الحزب الجمهوري، مكافأة لتصريحاته السابقة الرافضة لنقل مبنى السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.

يستغل خصوم ترامب تصريحاته السابقة بأنه ينوي التزام "الحياد" في شأن الصراع "الفلسطيني الإسرائيلي،" بين ان مزايدات البازار الانتخابي سرعان ما تتبخر وتتلاشى أمام ثوابت السياسة الأميركية في المنطقة والتزامها غير المحدود بقاعدتها المتقدمة وضمان أمنها. وعليه لا يجوز التعويل على تصريحات اي من المرشحين لمنصب الرئاسة أو مساعديهم في هذا الشأن. الاستراتيجية الأميركية لها آلياتها وضوابطها وقوانينها التي لا تخضع لتوجهات فرد ما، قابل للتغير والتبديل في فترة لا تتجاوز اربع سنوات.

مجمل القول ان هوية الرئيس المقبل لن تحول دون لقائه نتنياهو فور تسلمه (تسلمها) مهام المنصب، وربما في الفترة الزمنية الفاصلة بين اعلان النتائج، نوفمبر 2016، واداء اليمين الدستوري في 21 كانون الثاني 2017. من ابرز عناوين اللقاء، وفق اجندة نتنياهو، تقييم تداعيات الاتفاق النووي مع إيران وسبل تحسين العلاقات الثنائية بما يوفر "لإسرائيل" الكفة الراجحة في المعادلة.

أمام هذه اللوحة من المعطيات والمراهنات "الإسرائيلية" على غد افضل مع الرئيس المقبل، لم يجد نتنياهو غضاضة لرفض اللقاء مع الرئيس المنتهية ولايته، ويعمل عن كثب للتمهيد لعلاقة أوثق مع الرئيس الجديد.