وادي الصليب.. الوادي السليب

على طريقة التي يحترفها الفلسطينيون، توسع هناء محاميد الفكرة إلى مفهوم، وتنطلق في ميداني "حيفا.. الوادي السليب" لتناقش الطمس الإسرائيلي الممنهج للهوية العمرانية للمدن الفلسطينية.

يوثق الفيلم الجمالية العمرانية لوادي الصليب

تنتقل كاميرا ميداني "حيفا.. الوادي السليب"، بين موقع حي وادي الصليب في مدينة حيفا الفلسطينية وبيوت مهجريه في بلاد اللجوء.

تضبط العدسة على دمعة تجمدت على أهدابهم منذ 70 عاماً هي عمر النكبة، وتوثق ذكرياتهم عن الحي الجميل وهاجسهم بتمرير لجيل قادم ما استطاعوا حمله معهم من موجودات البيت، ولو كان سقاطة باب الدار!! كما لو أنهم يصرون على طرق أبواب الذكريات خشية أن تبقى الذاكرة مهجورة وموحشة.

تجيد هناء محاميد، معدة الميداني ومخرجته، التدرج بتفاعلك مع الفيلم بحرفية، فتبدأ مشاهد فيلمها بلقطات للحي القديم مترافقة مع أغنية "يا بدع الورد" الأغنية التي كان يصدح بها مذياع كل بيت في أربعينيات القرن الماضي، وتكاد تشمّ رائحة القهوة تتسرب من شاشتك، وتتهيأ عاطفياً لاستقبال ضيوف الفيلم والاستماع لشجنهم. وبينما أنت مستسلم لسلاسة المشاهد والأحاديث الطرية عن الدار وجيرة الحي، ويدغدغك الحنين للحي القديم في مدينتك، يصفعك الألم حين تنقلك الكاميرا لمشهد الجرافات تغيّر معالم المكان، وترى نفسك تتقمص وجع رواة الحكاية، حين تضع نفسك في موضعهم.

تقول محاميد مراسلة الميادين في فلسطين المحتلة، إن الفيلم ولَد حين كانت تعمل قبل عامين على تقرير إخباري تبحث فيه عن جذور ومسقط رأس المناضلة الفلسطينية ليلى خالد، لتصدم وقتها بأن منزل عائلة خالد والذي تعرفه جيداً بحكم أنها ابنة البلاد، قد جرى جرفه وترحيله مع منزل آخر.

وعلى طريقة التي يحترفها الفلسطينيون، وسّعت الفكرة إلى مفهوم، وانطلقت في ميداني "حيفا.. الوادي السليب" لتناقش الطمس الإسرائيلي الممنهج للهوية العمرانية للمدن الفلسطينية، وتؤكد على ذلك بمشاهد للجرافات الإسرائيلية تقوم بتدمير البيوت في حقبتين زمنيتين متباعدتين، الأولى خلال العام الماضي، والثانية في الستينيات ويظهر بها رئيس بلدية حيفا كرأس سلطة إسرائيلية في المدينة يشرف بنفسه على عملية التدمير، في دلالة على استمرارية المنهج الإسرائيلي.

يشرّح الفيلم الجشع الإسرائيلي، من خلال الإضاءة على نهبه لكل ما في الحي، بما فيه الأبواب والشبابيك والبلاط من ناحية، وطرحه البيوت الفلسطينية في سوق الاستثمارات التجارية، ونقتبس هنا عن أحد ضيوف الفيلم قوله "الاحتلال يسعى لتحويل دمار النكبة إلى مجوهرات سياحية".

في الشكل، يلمس المشاهد هاجس الفيلم بالتوثيق البصري لحي يشهد على عراقة التاريخ الفلسطيني، ولن يبقَ قريباً كما هو عليه اليوم، فيوثق الجمالية العمرانية للمكان، ويركز على القنطرة والأعمدة الرخامية والشرفات المطلة على البحر والصالونات الواسعة والبلاط الذي يدل على المستوى العمراني العالي للبيوت ويدل على أن ساكنيها كانوا ميسوري الحال. هذا التوثيق اقتضى من فريق التصوير أن يتكبدوا على مدى عامين عناء حمل السلالم والكراسي والمعدات اللازمة للتسلل عبر سياج ومتاريس وكاميرات مراقبة أحكمتها سلطات الاحتلال حول بيوت الحي.

تقول محاميد أن لهذا الأمر بالذات مشقة نفسية، فكيف يمكنك تقبل فكرة أنك تتسلل كلص لبيت هو بيتك في الأصل!!.

وفي العمق تتحدى محاميد عوامل الزمن وعوامل الطبيعة، فبعد 70 عام من النكبة، لم يعد من السهل ملاحقة الذاكرة الحية عند من بقي موجود من أهالي حيفا للتعرف على سكان وادي الصليب، والأصعب الوصول لمن يُعرف منهم أصلاً. وترسل عبر شاشة الميادين ومضات من ضوء لكل أهالي الحي التائهين في عتمة الشتات ليستدلوا على بيوتهم، وتناشدهم للتواصل مع الميادين لإعادة الهيكلة الاجتماعية للحي.

وتمرر عبر ضيوف "حيفا.. الوادي السليب"، رسالة حول المسؤولية الشخصية والوطنية كفلسطينيين بالحفاظ على هذه البيوت إن كان بالتوعية، وهو ما يقوم به الكثير من أبناء فلسطين، أو بخطوات سياسية وتخطيطية استثمارية لمن كان مقتدراً مادياً، باستثمار البيوت التراثية الفلسطينية وتحويلها لفضاء عام، وبذلك يحافظ على هويتها الفلسطينية، ويحميها من الاستغلال الإسرائيلي.

ميداني "حيفا.. الوادي السليب"، يعرض على شاشة الميادين يوم الخميس القادم 14 شباط/فبراير الساعة 20:30 بتوقيت القدس.