بوفون... لن يقولها

مجدّداً يُثبت جيانلويجي بوفون كم هو نجم كبير. مجدّداً يؤكّد إرادته الفولاذية التي يندر وجودها في الملاعب.

  • بوفون... لن يقولها
    جيانلويجي بوفون

بين كل الأنباء المحزنة في الفترة الأخيرة منذ انتشار فيروس "كورونا" وتوقُّف مباريات الكرة تلقّينا خبراً مفرحاً كان بمثابة ضوء في هذه العتمة. خبر جاء على لسان الأسطورة الإيطالي جيانلويجي بوفون. وهل يمكن أن يقول هذا الحارس الكبير أمراً غير مفرح؟ هو مصدر للفرح. هكذا اعتدناه دائماً في الملعب وفي كل ما يفعله. كان يكفي قبل يومين أن يقول بوفون: لن أعتزل وسأواصل المشوار في الملاعب، لأن نفرح. وكيف لنا ألّا نفرح؟ وهذا الحارس الأسطوري سيبقى في كرتنا، في ملاعبها، أمام أعين جماهيرها.

وأكثر فإن ما قاله بوفون كان مهمّاً ومؤثّراً لناحية المكان والزمان. هناك، في قلب إيطاليا، قال بوفون هذه الكلمات. هناك في إيطاليا التي تعيش المآسي حالياً بسبب "كورونا" الذي يفتك بشعبها، خرج بوفون بإرادة فولاذية عهدناها فيه طيلة مسيرته وهي سبب تألّقه واستمراره في الملاعب حتى سن 42 عاماً ليقول هذه العبارة التي تحمل الكثير من معاني التحدّي. ما قاله بوفون بالفعل مثال للتحدّي. هذه الكلمة التي هي أكثر ما تحتاجها إيطاليا وباقي العالم في هذا الوقت تحديداً. من هذا الجانب يمكن، قبل كل شيء، قراءة أهمية كلمات بوفون الذي كان بالإمكان في ظل الوضع الحالي المرير وانتشار "كورونا" وتوقّف المنافسات أن يجد من المناسب في هذه الظروف أن يقول: إنها النهاية، سأعتزل. لكن بوفون قال العكس تماماً ورفع الهِمم عالياً.

من أين يمكن أن نبدأ مع نجم أسطوري مثل بوفون. كيف يمكن أن نصف هذا الحارس الذي لم تتوقّف أسطورته على أدائه الرائع طيلة مشواره وتصدّياته الخارقة والألقاب الكثيرة التي أحرزها وأهمها دوره الأساسي في قيادة إيطاليا للتتويج بلقب مونديال 2006 في ألمانيا ونيله جائزة أفضل حارس في العالم 5 مرات فحسب، إذ الأهم من كل ذلك هي شخصية بوفون النادرة في الملاعب. الأهم هو طموحه وقوة التحدّي التي يمتلكها وإرادته الفذّة والاحترام الذي يكنّه له الجميع، إذ نادراً ما تجد لاعباً يحظى بتقدير المنافسين. بوفون هو كذلك، هو المثال الساطع لذلك.

  • بوفون... لن يقولها
    قدّم بوفون مجدّداً درساً في الإرادة والتحدّي

25 عاماً مرّت ولا يزال بوفون صامداً في الملاعب. نعم صدّقوا ذلك والأهم أن هذا الحارس لا يواصل مشواره مع فريق صغير أو في الدرجة الثانية مثلاً بعد تقدّمه في السن بل في أعلى المستويات مع الفريق العريق يوفنتوس ولا يزال يواجه كبرى الفرق سواء في إيطاليا وأوروبا.

25 عاماً مرّت. جاءت أجيال وذهبت أجيال ولا يزال بوفون في مكانه. لم يهزمه تعب، ولم تنل منه السنوات. هو حكاية من روائع حكايات الكرة التي يصعب أن تتكرّر.

صحيح أن بوفون لم يعد الحارس الأساسي في "اليوفي" وهو البديل للبولندي فوتشيك تشيزني، وصحيح أن بوفون لم يعد بوفون الخارق وهذا طبيعي بسبب تقدّمه في السن، إلا أنه يثبت أنه لا يزال قادراً على العطاء ويقدّم مستوى جيداً في المباريات التي يشارك فيها، إذ يكفي القول أنه لعب 11 مباراة أساسياً هذا الموسم وتلقّى فيها 9 أهداف وأبقى شباكه نظيفة في 3 مباريات وهذه أرقام جيدة لحارس في الـ 42 من عمره، وهذا إن يدلّ على شيء فعلى احتفاظه بتركيزه وثباته. ما يمكن قوله أن مجرّد بقاء بوفون في الملعب وحتى لو لم يلعب هو انتصار بحد ذاته.

بالتأكيد يمكن من الآن أن نكون على ثقة بأن يوفنتوس سيلبّي رغبة أسطورته بالاستمرار في الملاعب وتمديد عقده الذي ينتهي في ختام الموسم الحالي (في حال استكماله) لعام إضافيّ على الأقل. هذه الخطوة المنتظرة والمنطقية من ناد تجاه لاعب قدّم له الكثير، فضلاً عن أن الكل في تورينو يدرك أن حلم بوفون هو التتويج بلقب دوري أبطال أوروبا الوحيد الذي لم يحقّقه هذا الحارس في مسيرته رغم خوضه النهائي 3 مرات.

في الحقيقة، مع نجم كبير مثل بوفون يصعب، أو حتى لا يمكن تخيُّل، أن يقول كلمة: سأعتزل. ربما في يوم ما ستكون نهاية هذه القصة الرائعة على شكل طلب من الجماهير لبوفون رغم عشقها له: يكفي، قدّمتَ الكثير، وبات يجب أن تستريح.