دوري السوبر الأوروبي... "سوبر خسارة"

لم تكد تمرّ 48 ساعة حتى عرف دوري السوبر الأوروبي الهزيمة. هزيمة لها أسبابها وسيكون لها ذيولها.

  • أكثر أندية دوري السوبر عرفت عرقتها وشهرتها في دوري الأبطال ثم جاءت لتخذلها!
    أكثر أندية دوري السوبر عرفت عراقتها وشهرتها في دوري الأبطال ثم جاءت لتخذلها!

كانت كرة القدم على موعد مع "مباراة" استثنائية في اليومَين الماضيين. مباراة لم تشهدها سابقاً. لكن التنافس لم يكن اعتيادياً. هذه المرة كان بين التاريخ والعراقة من جهة، والمال والتسلّط من جهة أخرى. بين القيم والمبادىء من جهة، والجشع والأنانية من جهة أخرى. الكل كان يترقّب والأحداث تتسارع منذ أن أعلن 12 نادياً إنشاء بطولة "دوري السوبر الأوروبي".

كان واضحاً منذ البداية أن ما يريده هؤلاء هو تكديس الأموال لو ادّعوا أنهم يريدون تطوير الكرة أو كان مشروعهم لمواجهة التداعيات الإقتصادية الناجمة عن فيروس كورونا، هذا واضحٌ من خلال إطاحتهم كل المبادىء والقيم والتاريخ. لا يعني أن ينفرد 12 نادياً من الكبار في أوروبا ببطولة خاصة سوى الغرور بأبشع صوره والجشع والأنانية. لا غير ذلك. وهذه كانت الكلمات التي استُخدِمت أكثر من غيرها من قِبل الجهات المقابلة التي تصدّت لهذا المشروع بقوة منذ ولادته بدءاً من رأس الهرم أي رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، السلوفيني ألكسندر تشيفيرين، المعنيّ الأول بمواجهة هذا المشروع باعتبار أن البطولة المستحدَثة موجَّهة ضد البطولة الأهم دوري الأبطال، فضلاً عن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، السويسري جياني إنفانتينو.

 

أندية دوري السوبر الأوروبي خذلت دوري الأبطال

قلنا دوري الأبطال؟ ليس خافياً أن الأندية التي أعلنت إنشاء دوري السوبر وهي: مانشستر يونايتد وتشلسي وأرسنال ومانشستر سيتي وليفربول وتوتنهام (إنكلترا) وريال مدريد وبرشلونة وأتلتيكو مدريد (إسبانيا) وميلان ويوفنتوس وإنتر ميلانو (إيطاليا) فإن معظمها عرفت المجد والعراقة وكَبُر اسمها من خلال دوري الأبطال، أي أن لهذه البطولة الكثير على هذه الأندية، وإذ بهذه الأخيرة تقوم بخطوتها تلك دون أي احترام للأصول والقيم والمبادىء، وهنا كانت السقطة الأولى.

لكن الأهم أن هذه الأندية لم تفكّر سوى في مصالحها وجشعها دون احترام لبقية الأندية من خلال إنشائها هذه البطولة حصراً بها كما لو أنها تقلّل من قيمة الفرق الأخرى وبأن هذه الأخيرة في درجة أدنى، وهذا منافٍ للحقيقة، إذ رغم قوّة الأندية الـ 12 تاريخياً، فإننا رأينا في أمثلة عديدة بأن المفاجآت تحصل في البطولات ولكنها مفاجآت بعد جهد وتعب وعن جدارة كما في تتويج بورتو البرتغالي بلقب دوري أبطال أوروبا عام 2004 علماً أنه خاض النهائي حينها أمام موناكو الفرنسي بينما كانت الفرق الكبرى تشاهد المباراة من وراء شاشة التلفاز، أو مثلاً في تتويج ليستر سيتي بلقب الدوري الإنكليزي عام 2016 وتفوّقه على "كبار" إنكلترا، فضلاً عن غيرها من الأمثلة.

المهم أن مشروع دوري السوبر الأوروبي سقط. لم تكد تمرّ أكثر من 48 ساعة على إعلانه حتى بات في مهبّ الريح بعد خروج الأندية الإنكليزية منه. رغم ذلك فإن المسؤولين عن هذه المسابقة لا يزالون يكابرون بقولهم أنه تم تعليق المشروع لإعادة هيكلته، وهذا رفْض لإعلان الهزيمة تحديداً للثلاثي رئيس ريال مدريد الإسباني فلورنتينو بيريز ورئيس يوفنتوس الإيطالي أندريا أنييلي ونائب رئيس مانشستر يونايتد الإنكليزي إد وودورد، علماً أن تقارير صحفية إنكليزية أوردت في وقت متأخّر أمس أن وودورد استقال من منصبه وذلك بعد أن تعرّض لانتقادات لاذعة من مشجّعي يونايتد. 

علماً أيضاً أن تقارير صحفية في إيطاليا أوردت أن ميلان وإنتر ميلانو يتّجهان للخروج من دوري السوبر، وعلى أي الأحوال بات من غير المعقول أن يستمرّ دوري السوبر مع خروج أندية إنكلترا فضلاً عن أن بايرن ميونيخ الألماني وباريس سان جيرمان الفرنسي كانا خارج هذا المشروع، وما لذلك من أهمية تحديداً موقف البافاري الواضح برفضه. 

 

هزيمة دوري السوبر الأوروبي

صحيح أن تشيفرين هدّد أندية دوري السوبر باستبعادها من المسابقات واستبعاد لاعبيها من البطولات مع منتخبات بلادهم، إلا أن هذا الأمر ليس السبب وراء هزيمة مشروع دوري السوبر، وحتى أنه كان من الممكن ألّا يسلك طريقه للتنفيذ ذلك أن خروج هذه الأندية ولاعبيها من البطولات الوطنية والقارية والدولية هو ضربة كبيرة لهذه الأخيرة التي ستفقد حتماً كل بريقها بغياب أبرز الأندية والنجوم، إلا أنه من الواضح أن التنديد والاستنكار الذي لقيه هذا المشروع من الاتحادات الرياضية وباقي الأندية ومعظم النجوم الحاليين والسابقين وحتى من الدوائر السياسية، والأهم من مشجّعي هذه الأندية نفسها، فإن كل ذلك ساهم في هزيمة هذا المشروع.

فلنأخذ مثلاً فقط شخصاً له مكانته في عالم الكرة مثل المدرب التاريخي لمانشستر يونايتد، أليكس فيرغيسون، يتحدّث عن "النوستالجيا" في دوري أبطال أوروبا وما تمثّله هذه البطولة من عراقة معلناً رفضه في الوقت ذاته لدوري السوبر، فسيكون لهذه الكلمات من مدرب قدير يكنّ له الجميع احتراماً تأثيرها على الرأي العام والمشجّعين الذين يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بدوري الأبطال حيث شاهدوا أبرز النجوم وأروع فنون الكرة. 

كما أن شخصاً مثل أسطورة مانشستر يونايتد، إيريك كانتونا، يتحدّث عن أن أندية دوري السوبر لم تسأل مشجّعيها عن هذا المشروع وقلّلت من احترامهم، فبالتأكيد أيضاً سيكون لكلماته تأثير على المشّجعين.

هكذا يمكن القول أن موقف المشجعين، وتحديداً مشجّعي أندية دوري السوبر، كان السبب الأساسي في فشل هذا المشروع، وهذا ما لم يكن ينتظره مسؤولو دوري السوبر لا بل فاجأهم بأن يروا، على سبيل المثال، جماهير ليفربول ومانشستر يونايتد ومانشستر سيتي ترفع لافتات ضد هذا المشروع، أو أن مشجّعي تشلسي يؤخّرون وصول حافلة فريقهم إلى ملعبه "ستامفورد بريدج" لخوض مباراته أمس في "البريميير ليغ" أمام برايتون. إذاً يبدو واضحاً أن موقف المشجّعين كان الأساس، إذ من دونهم لا يمكن أن تنجح أي بطولة ولو أنهم حالياً يتابعون المباريات من وراء شاشات التلفاز بسبب فيروس كورونا.

كذلك كان لإعلان الكثير من لاعبي ومدربي أندية دوري السوبر دور مهم في فشل هذه المسابقة.

ما يمكن قوله أن خسارة الأندية التي أطلقت هذا المشروع كبيرة جداً ويكفي اختصارها باعتذار أرسنال وهذا سيكون حال الفرق الأخرى أمام جماهيرها، لكن الأهم فإن ما حصل له ذيول وآثار لن تزول سريعاً. 

إلا أنه رغم ذلك فإن ما حصل يفتح الباب أمام السعي لإيجاد حلول لما تواجهه الأندية والكرة في ظل الأزمة الإقتصادية الحالية، فضلاً عن تطوير البطولات وهذا ما بدأه "يويفا" بتعديلاته قبل يومين على دوري الأبطال، إذ في النهاية فإن هذه الفرق ستبقى الأساس في البطولات.

باختصار، كان لافتاً للتعبير عن الخسارة الكبيرة لمشروع دوري السوبر الأوروبي ما عنونته صحيفة "فرانس فوتبول" الفرنسية: "سوبر سقوط". هو تماماً كذلك.