دوري السوبر الأوروبي.. بيريز وأنييلي "العرابان"!

مشروع دوري السوبر الأوروبي سقط بعد أن تعرض لموجة اعتراضات سياسية وشعبية من جمهور اللعبة. ومعه تهاوت أحلام رؤساء الأندية، واتسعت ضحكة المتحكمين باللعبة "الفيفا" و"يويفا".

  • دوري السوبر الأوروبي.. بيريز وأنييلي
    دوري السوبر الأوروبي.. بيريز وأنييلي "العرابان"!

لطالما أُطلق على كرة القدم اسم "لعبة الفقراء"، لأنها متاحة للجميع، ولأنها توحد المشاعر بين الحزن في حالة الخسارة والفرح في حالة الفوز. وفي كل مكان، هناك كرة قدم في الملاعب التي تزرع بالعشب ويدخلها المحبون بأحدث الأحذية الرياضية، وهناك كرة قدم في الأحياء الفقيرة التي يخرج منها لاعبون يصبحون من الأفضل في ما بعد، وهناك من يلعبونها من دون أحذية، ويكون المرمى مصنوعاً من حجرين يشكلان قائمين. أما الكرة، فقد تكون من ورق أو جلد، وربما تكون مُصنعة وحديثة. في كل الأحوال، المهم أن تنطلق اللعبة.

اللعبة الشعبية الأولى في العالم تغيّرت منذ زمن، ولكن محبيها لم يتغيروا على اختلافهم، بل بقوا عصبها وروحها وشغفها. أما الكرة، فقد تحولت إلى سوق ضخم يدر مئات الملايين، ولكن مالكي أنديتها الكبيرة يريدون المزيد من المال، كما يريدون حريتهم بعيداً من الاتحادات القيمة على اللعبة. لذا، بحثوا عن ذلك في بطولة دوري السوبر الأوروبي، لكن محاولتهم فشلت بعد 48 ساعة فقط، إذ جاءت الضغوطات عكس المتوقع، وخصوصاً من الجماهير، لتنسحب الأندية من المشروع.

كان دوري السوبر الأوروبي سيغدو نقطة تحول في تاريخ اللعبة، لأن شكلها كان سيتغير بشكل مطلق. في "السوبر ليغ"، لا مكان للفرق المتواضعة الحالمة، ولا مكان للفرق التي لا تملك رؤوس أموال كبيرة. "السوبر ليغ" مكان لحيتان المال، كما أنها المكان الذي يتصارع فيه الرأسماليون.

عرّابو البطولة والساعون إلى تأسيسها كانوا كُثراً، ومن بينهم أندريا أنييلي وفلورنتينو بيريز. أما المشروع نفسه، فهو فكرة مشتركة أطلقها 12 نادياً منذ بضعة أيام بعد تخطيط لأعوام. ومع إطلاقها، انطلقت حرب عالمية كروية بين الاتحادات والدول والأندية الساعية إلى الاستقلال.

فلورنتينو بيريز رأس الحربة.. لماذا بيريز؟

  • فلورنتينو بيريز
    فلورنتينو بيريز

يعد فلورنتينو بيريز "المهندس" واحداً من أنجح رجال الأعمال في أوروبا، في كرة القدم وخارجها. ظل "ملكاً" على رأس ريال مدريد لسنوات طويلة، وأبدع في الإدارة من دون التعرض لأي خسائر أو مشاكل، حتى عندما كان يقوم بشراء أفضل اللاعبين وجمعهم في تشكيلة واحد. 

تغيرت الأمور مع الوقت، وخصوصاً بعد ظهور فيروس كورونا، وباتت ديون ريال مدريد 900 مليون يورو تقريباً. لذلك، كان بيريز أكثر المتمسكين بالبطولة الجديدة.

بيريز هو رئيس دوري السوبر الأوروبي، ولكن لمَ كان في الواجهة؟ لأنه يعتبر واحداً من أكثر الناس الموثوقين في الوسط الاستثماري، إذ إن البنوك تثق بالرجل الذي لطالما استثمر وأخذ القروض وسددها من دون أي مشاكل، كما أن المستثمرين يثقون به أيضاً، وهم يعرفون زاده الطويل في أعمال الإدارة. لذلك، لا شك في أن هذا الأمر يعد أحد أهم الأسباب التي جعلته في الواجهة.

لكن بيريز أثناء طرحه للموضوع والتسويق له، تصرّف بـ"فاشية" إلغائية لجميع من لا يملكون المال، وعرض الأمور بخطاب فوقي وسلطوي من دون أن يأبه بأحد. وفي خطابه، أوضح الأمور أكثر، وأعلن سبب رغبة الأندية في هذه البطولة.

في مقابلة مع برنامج "الشيرنغيتو" الإسباني الشهير، ظهر بيريز في الحلقة، وقال إنها قد تكون المرة الأولى والأخيرة التي يطل بها في البرنامج، وتحدّث كثيراً عن البطولة. كان حديثه يندرج تحت شعار "تغيير كرة القدم إلى الأحسن"، ولكن إذا توقفنا أكثر عند كلامه، وتعمقنا به، وسألنا: عن أي تغيير يتحدث؟ لوجدنا أن أحد أسباب معاناة الأندية  سياستها المالية في السنوات الأخيرة، وكان ظهور فيروس كورونا بمثابة ضربة قاضية لها، إذ "لخبط" أوراقها وأدخلها في مشاكل صعبة ومعقدة. لذلك، توجهت إلى هذه البطولة التي كادت تكون بمثابة ورقة خلاص لها.

ومما قاله: "لقد توصلنا إلى استنتاج مفاده أننا نستطيع تخفيف الخسائر من خلال إنشاء السوبرليغ بدلاً من الأبطال"، مضيفاً: "المباريات الأكثر تنافسية ستجعل الجميع يكسبون المزيد من المال". وتابع: "في ريال مدريد، خسرنا الكثير من الأموال، ونحن نمر بوضع سيئ للغاية".

وعن سبب الفكرة، قال: "فكرنا في خلق بطولة جديدة بمباريات قوية وتنافسية من أجل تحقيق أرباح أكبر. 
الوضع كان صعباً للأندية الكبرى. لقد خسرنا خمسة مليارات في آخر عامين".

وأشار بيريز إلى أن "كرة القدم اليوم في وضع يُرثى له مالياً"، مشيراً إلى أن الأندية الكبيرة في طريقها إلى الإفلاس، وقال: "هناك أناس لا يريدون أن يفقدوا مناصبهم. 5 مليارات ضاعت من الأندية. لا نريد أن يكون الثراء للأندية العظيمة فقط. كرة القدم واحدة وعلينا إنقاذها. كرة القدم في الوقت الحالي في حالة سقوط حر". أما الأطراف الذين لا يريدون أن يفقدوا مناصبهم، فهم رؤساء الأندية الكبيرة. بطبيعة الحال، لا يريدون أن يسقطوا كما سقط رئيس نادي برشلونة السابق جوسيب ماريا بارتوميو. ربما يتحدث بيريز عن نفسه، وعن زميله الأساسي في المشروع أندريا أنييلي، لأن الرجل الفائز بولاية جديدة لرئاسة مدريد استثمر مع ظهور فيروس كورونا في عملية تجديد ملعب "سانتياغو برنابيو" من دون مبالاة. لعله لم يقدّر الأمور بالشكل الصحيح، ولم يفهم طبيعة الفيروس آنذاك.

ومن التصريحات الخطيرة لبيريز: "المال الذي ستحققه البطولة للجميع. إذا كانت أندية القمة تمتلك المال، فهذا يعني أنه سيذهب إلى جميع الأندية، لأننا سنتعاقد مع لاعبين من مختلف الأندية". بمعنى آخر، الفرق الصغيرة تصنع المواهب وتصقلها، والفرق الكبيرة التي يبدو أنها اختصرت كرة القدم بحضورها فقط، تشتري عقود اللاعبين بالأموال الضخمة التي ستجنيها. لا شك في أنها محاولة لأخذ حصة أكبر من الأرباح الضخمة التي يحققها الاتحاد الدولي للعبة "الفيفا" والاتحاد الأوروبي "اليويفا". وهنا، تجدر الإشارة إلى أن هذين الاتحادين ليسا أفضل حالاً من الأندية ومالكيها.

حديث بيريز دار حول الخسائر والأموال تحت ذريعة التغيير، ولكن يبدو واضحاً أن الفرق تعاني خسائر كبيرة، ولا تفكر سوى في تعويض هذا العجز وزيادة الأرباح في المستقبل. ريال مدريد يعاني من ديون كبيرة، ومن خسائر كبيرة أيضاً، وانخفاض في الأرباح. كان لدى بيريز فرصة وضاعت حتى إشعار آخر.

كذلك، دافع الرجل عن "عراب" البطولة أندريا أنييلي، رئيس يوفنتوس، بعد أن هاجمه رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، ألكسندر تشيفرين وقال إنه كاذب، إذ علّق بيريز: "رئيس اليويفا أهان أنييلي، وهو أمر غير مقبول إطلاقاً".

أنييلي "العراب" الذي يحارب تنوّع كرة القدم

  • أندريا أنييلي
    أندريا أنييلي

حُلم رئيس نادي يوفنتوس، أندريا أنييلي، بدوري السوبر الأوروبي كان قريباً من التحقق، ولكن ذلك لم يحصل، والصور الساخرة منه بدأت تنتشر في إيطاليا. بيريز وأنييلي، في ما يخص دوري السوبر، يعدان وجهين لعملة واحدة: "نريد المال والسلطة".

أنييلي تحدّث عن البطولة بشكل واضح منذ العام 2013، وحارب التنوّع في كرة القدم، أي أنه غير مقتنع بوجوب لعب الفرق الصغيرة مع الفرق الكبيرة. في السابق، علّق على تواجد أتالانتا في دوري أبطال أوروبا، معتبراً أن تواجده في بطولة قارية "غير سليم".

لا شك في أن أنييلي الحائر بعد فشل انطلاق المشروع سيبحث عن وسيلة للتخلص من ديون يوفنتوس البالغة  458.3 مليون يورو، إضافة إلى خسائر تبلغ قيمتها 113.7 مليون يورو، بحسب تصريحات النادي في شباط/فبراير الماضي.

منذ سنة تقريباً، بدأت صحيفة "ليكيب" الفرنسية بمهاجمة أنييلي، قائلة إنه أحد أكثر الأشخاص الذين يؤذون تنوع كرة القدم، بعد ما قاله عن أتالانتا، وأضافت: ‏"نحن نعرف كل ما هو خطير وخاطئ بالنسبة إلى الكرة. إنه أنييلي؛ الشخص الذي يخطط مع بعض أصدقائه لفكرة الكرة الأوروبية المستقبلية".

ربما نسي أنييلي أسماء الفرق التي خرج يوفنتوس أمامها من دوري أبطال أوروبا في الأعوام الماضية. خسر نهائيين، ولكنه دفع الكثير من الأموال من أجل الفوز ببطولة "التشامبيونز ليغ"، ولم يفلح.

انقسم العالم ما بين مؤيد لفكرة دوري السوبر الأوروبي ومعارض لها، فالمعارضون يرون أن شغف اللعبة كان سيسرق منهم، ولكن الجماهير تصدت لهذه السرقة، والمؤيدون يرون أنها فرصة لمشاهدة مباريات قوية بشكل مستمر. وما بين هذا وذاك صراع شرس بين الرأسماليين. من جهة، هناك "الفيفا" و"يويفا" اللذان يريدان حماية أنفسهما بالحفاظ على الأرباح من دون توسيع حصة الأندية. ومن جهة أخرى، هناك أندية تريد أكبر قدر من الأموال تحت ذرائع التطوير والتقدم.