ليست مجرد لعبة.. كرة القدم مرآة الأمم!

تتوسع حدود لعبة كرة القدم لتطال جماعات وأمم ولتصنع ما هو أكثر من الفرحة؛ صورة الأمة وعلاقاتها بغيرها من الأمم.

  • يورو
    تثير كرة القدم قضايا عالمية في عصر العولمة 

لا شكّ بأن كرة القدم هي واحدة من أبرز الألعاب العالمية التي تكتسب أهمية لا يمكن منازعتها على الإطلاق، لا لأنها تلعب من قبل 300 ألف فريق ونحو 240 مليون لاعب حول العالم فحسب، وليس لأن عدد أعضاء الفيفا يبلغ 209 دولة - أي أكثر من أعضاء الأمم المتحدة بـ16 عضواً- بل لأن الافتتان بهذه اللعبة يجعلها الحدث الأبرز ومركز التداول في المجال العام القومي والعالمي خلال البطولات المحلية أو تلك القارية والعالمية، وهو الأمر الذي يحوّل اللعبة الترفيهية إلى مناسبة تدور حول الثقافة والسياسة والاقتصاد، ويجعلها عاملاً مساهماً في تشكيل العالم الذي نعرفه وإن كانت مهارات التمرير والمراوغة والتسديد تحجب عنا أحياناً هذه الحقيقة.

أثارت كرة القدم في عصر العولمة الكثير من القضايا المتعلقة بالهجرة والعنصرية وصناعة النجومية والإعلان، خاصةً مع تحولها إلى "صناعة" ذات رأسمال ضخم ومتابعة جماهيرية واسعة وصلت حدّ مساهمة الدوري الإنكليزي الممتاز بمداخيل الدولة بـ3.3 مليار جنيه إسترليني، في موسم 2016-2017، فضلاً عن تأمين 100 ألف وظيفة في عموم البلاد.  

لكن المسألة الأبرز التي لا زالت في موضع المطالعة من قبل المتخصصين بالشأن الرياضي هي مسألة الارتباط الوثيق بين المستطيل الأخضر والهويات الخاصة أو القومية، وانعكاس هذه العلاقة على مجمل الحياة العامة لا للمخلصين لهذه اللعبة فحسب وإنما لطيف أوسع من الناس. 

ارتبطت كرة القدم بالهويات الطبقة والقومية، ولهذا منعها القادة العثمانيون وقادة الثورة الثقافية الصينينة، بحيث اعتبروها عاملاً يساهم في تعزيز ثنائيتي "أنا والآخر" والتي يعتبرها البعض أساس مسألة القومية، وفي حين تمثل المنافسات الداخلية مجالاً للتعبير عن تعارض الطبقات والإثنيات والجماعات، تبدو المنافسات بين منتخبات الدولة تعبيراً عن الامتزاج بين المكونات الداخلية المتفاوتة ومناسبة للتوحد خلف فريق الأمة.

ربما عشتم تجربةً توضح شكل العلاقة بين كرة القدم والمجتمع، وتظهر تحوّل الفريق إلى ممثل لجمهور عريض، لأبناء الحي أو القرية أو المدينة بل حتى الوطن ككل، حتى صار تشجيع فريق آخر نوعاً من الخيانة لا للعبة وإنما لمبادئ الجماعة أو الوطن، والاحتفال بفوزه أو تجرّع هزيمته نوعاً من الإحياء لقيم وروح مشتركة بل ولادة جديدة لها.

"معجزة برن": الأمة الألمانية تنهض 

الرابع من تموز/يوليو 1954، مدينة برن السويسرية، كانت أوروبا الغربية على موعد مع الشفاء من الإحباط الذي ضرب أعماق الأمة التي تعيش آلام الهزيمة وعقد ذنب غزو جيرانها وإخضاعهم تحت الراية الحمراء ذي "الصليب المعقوف". 

قليلون أعطوا فريق الكابتن فريتز فالتر حظوظاً بالفوز أمام المنتخب المجري الذي لم يخسر مرةً واحدة خلال 4 سنوات متواصلة، فالفريق الأول تعوزه الكفاءة وهو بالكاد يسمى فريقاً محترفاً (كان اللاعبون الألمان مضطرون للعمل بمهن جانبية)، أما الفريق المجري فكان يضم عدداً من النجوم العالميين آنذاك مثل فيرينتس بوشكاش، وناندور هيديكوتي، وساندور كوتشيس.

بدت خطة المدرب سيب هيربرغر الذي جهّز فريقه بشكل كفوء لمباراة كأس العالم النهائية لا تسير وفق المأمول في بداية اللعبة، إذ سجّل المجريون هدفين خلال الدقائق الثماني الأولى، لكن بدلاً من الاستسلام وعلى وقع الصرخات الحماسية لمواطنيه صرخ المهاجم الألماني ماكس مورلوك بفريقه: "الآن دعونا نريهم!". 

وبالفعل بدأت الأمور تنقلب لصالح الألمان بعد دقيقتين فقط من صرخة مورلوك الذي نجح بتسجيل هدف في الدقيقة العاشرة، ليتبعه هدف ألماني ثان في الدقيقة 18 من عمر المباراة وتصبح النتيجة 2-2، لكن اللعب الألماني ران ويزد فعلها في الدقيقة 84، وأهدى بلاده هدفاً ثالثاً ضمن لفريقه فوزاً تاريخياً لا زال حياً إلى الآن.

ليس الكأس هو ما صنع فرحة الألمان حينذاك، ولا التعويض النفسي عن الخسائر التي شهدوها مع انهيار الرايخ الثالث وتقسيم بلادهم وإخضاعها إلى عقوبات، وإنما الهوية القومية التي ساهم في إجلائها المستطيل الأخضر، وهذا ما عبّر اللاعب هورست ايكل بقوله إن بلاده لم يكن معترفاً بها دولياً لا في الجانب الرياضي ولا الاقتصادي ولا السياسي،  لكن "بعد الانتصار أصبحنا فجأة أناساً آخرين. الناس في ألمانيا لم يقولوا فريق هيربرغر صار بطل العالم وإنما نحن الذين صرنا".

ملاحظات حول "يورو 2020" 

يمكن ذكر العديد من الأمثلة التي تتوسع فيها حدود الملعب لتطابق حدود الهويات القومية، وتصبح اللعبة مشاركة في تظهير أو "صياغة" المشاعر الوطنية وتأكيد الثوابت التي رسمها الشعب والدولة وتعاقدا على حفظها وصيانتها بمختلف الوسائل. 

قبل أيام من بدء "يورو 2020" تحوّل قميص فريق المنتخب الأوكراني إلى قضية سياسية بامتياز تدخّل على إثرها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا"، إثر رسالة احتجاجية وجهها إليه الاتحاد الروسي الذي رأى بالزي الرسمي الأوكراني "بادرة سياسية تهدف إلى جذب الرياضة إلى السياسة"، طالباً من كييف إزالة شعار "المجد لأبطالنا"، وهو هتاف شاع في الاحتجاجات المناهضة لروسيا في العام 2014.

كذلك يمكن ملاحظة الأصداء التي خلفتها المباراة التي جمعت المنتخبين الاسكتلندي والإنكليزي، في 18 حزيران/يونيو الفائت، والتي انتهت بتعادل سلبي وارتكاب جرائم ومخالفات بين جمهوري المنتخبين وسط لندن وفي منطقة ملعب "ويمبلي"، فقد جاءت اللعبة بعد غياب المنتخب الاسكتلندي عن بطولة "اليورو" على مدى 16 سنة متواصلة وفي وقت تشهد العلاقات بين لندن وإدنبرة توتراً على خلفية سعي الأخيرة للاستقلال عن إنكلترا، خاصة بعد خروج المملكة المتحدة من كنف الاتحاد الأوروبي.

وانعكس الخلاف بين الجمهور البريطاني والاستكتلندي في تبني بعض أقسام الأخير للمنتخب الإيطالي بمواجهته مع المنتخب البريطاني في نهائيات "يورو 2020"، الأمر الذي يكشف عن تفشي النزعة الانفصالية ضمن فئات المشجعين.    

إن الاحتفالية بالانتماء القومي يتجلى أيضاً بغناء النشيد الوطني أو نشيد الإقليم (كغناء المنتخب الاسكتلندي نشيد "زهرة اسكتلندا" لا النشيد البريطاني)، أو بتعليق الزعماء السياسيين على فوز منتخب بلادهم أو حضورهم شخصياً في المباريات أو استقبال فريقهم وتهنئته بالفوز. كما يمكن ملاحظته في طريقة اللعب التي تشير غالباً -وفق الفهم العام- إلى خصائص ثقافية قومية، فنتحدث عن المتعة البرازيلية والتنظيم الألماني والروح الإيطالية.. فيصير الفريق بذلك معبراً عن الروح الثقافية للأمة وليس مجرد صورة سياسية مختلقة لها.