لوف أمام "المصير المجهول" في باريس الليلة

كل الأنظار، الليلة، على يواكيم لوف في مباراة ألمانيا أمام فرنسا، في باريس، في دوري الأمم الأوروبية. لوف مطالَب بقيادة "المانشافت" إلى نتيجة إيجابية مع أداء قويّ ليفتح صفحة جديدة، وإلا فإن العواقب قد تكون وخيمة.

لوف خلال إشرافه على الحصة التدريبية استعداداً للمباراة أمام فرنسا

مدرّب عرف نجاحاً كبيراً، كاريزماتي، قاد منتخب ألمانيا للقب تاريخيّ في مونديال 2014 في قلب قارة أميركا الجنوبية في بلاد سحرة الكرة البرازيل وأوصله إلى نصف نهائي مونديال 2010 ونهائي كأس أوروبا 2008 ونصف نهائي كأس أوروبا في نسختَي 2012 و2016. هو المدرّب الأكثر إشرافاً على "المانشافت" بعدد المباريات والبالغ 168 مباراة... لكن يواكيم لوف صرف كل هذا الرصيد لا بل أكثر.

يكفي للتأكّد من ذلك أن منتخب ألمانيا خرج خروجاً تاريخياً من دور المجموعات في مونديال روسيا 2018 بخسارتَين مؤلمتين أمام المكسيك وكوريا الجنوبية هو الذي اعتاد ألا يودّع كأس العالم قبل ربع النهائي إلا في حالات نادرة جداً. كان واضحاً أن لوف في المونديال الروسي يتحمّل الجانب الكبير من مسؤولية الخيبة الألمانية الكبرى سواء لاستبعاده بعض اللاعبين عن البطولة وفي مقدّمهم ليروي سانيه أو لخياراته فيها وتبديلاته وعدم ثباته على تشكيلة واحدة فضلاً عن تكتيكاته الخاطئة. فشل لوف فشلاً ذريعاً. كانت التوقّعات بأن يُصدر الاتحاد الألماني لكرة القدم بياناً يشكر فيه لوف على كل ما قدّمه وهو ليس بالشيء القليل، لكن أن يختتمه بعبارة "حان التغيير". أن يقول له وداعاً، انتهت المهمة. إذ إن ما حصل في الصيف المونديالي مع ألمانيا لم يكن عابراً على الإطلاق. لكن المسؤولين الكرويين الألمان جدّدوا الثقة بهذا المدرّب. كان ربما في القرار ردّ جميل للوف على إنجازاته الكثيرة السابقة بالإضافة إلى عدم وجود إسم ألماني كبير لخلافته حيث إن المدربَين الأبرز حالياً أي يورغن كلوب وتوماس توخيل مرتبطَين بالتدريب في ليفربول وباريس سان جيرمان على التوالي، فضلاً عن أن لوف وعد بتصحيح أخطائه. إنها إذاً الفرصة الأخيرة.

انتظر الألمان في الإطلالة الأولى بعد المونديال فوزاً معنوياً سيكون مهماً على فرنسا بطلة العالم في دوري الأمم الأوروبية، لكن "المانشافت" لم يفز. تعادل رغم أنه أهدر العديد من الفرص الخطيرة كما حصل معه في المونديال. ثم جاءت المناسبة الثانية وديّة أمام البيرو الضعيفة على الأراضي الألمانية. كان الاعتقاد بأن "المانشافت" سيكتسح خصمه ويعلن عودته القوية. لكن الألمان فازوا بخجل 2-1.

ثم كانت المحطة الثالثة الأخيرة أمام هولندا في دوري الأمم الأوروبية. اعتقد الألمان مجدّداً أنها الفرصة المثالية للنهوض من كبوتهم. هولندا تعاني وتمرّ بأسوأ مراحلها منذ ردح من الزمن. المباراة كلاسيكية أمام جار خصم تاريخياً وأكثر فإنها في أمستردام. إذاً فإن الفوز فيها سيكون مثالياً. لكن التوقّعات جاءت مُعاكسة تماماً لا بل "كارثية". "المانشافت" سقط سقوطاً كبيراً بثلاثية نظيفة بعد أن أهدر، كما في المرّات السابقة، الكثير من الفرص.

ما اتّضح في المباريات الثلاث ألا شيء تغيّر بالنسبة للوف. لم يف بوعده. مجدّداً المشاكل ذاتها والأخطاء عينها لا بل أكثر. مجدّداً أمعن لوف في عدم الثبات على تشكيلة واحدة. تغييرات كثيرة. ضعف فاضح في خط الدفاع البطيء واستمرار لمسلسل إهدار الفرص التي لم يلق لها حلاً عندما واصل الاعتماد على توماس مولر السيّىء وأعطى الفرصة للمرة الأولى في المقابل، في مفاجأة، لمارك أوث مهاجم شالكه البالغ 27 عاماً والذي لم يسجّل أي هدف هذا الموسم. انعدام الروح القتالية لدى اللاعبين باستثناء "المحارب" جوشوا كيميتش الذي يخوض المباريات كأنها نهائية. غياب القائد في الميدان الذي اشتهرت به ألمانيا طوال تاريخها كما كان مع لوثر ماتيوس ومايكل بالاك وباستيان شفاينشتايغر وفيليب لام على سبيل المثال. عدم منح الفرصة كاملة للشبان تحديداً الثنائي الموهوب ليروي سانيه وجوليان براندت.

الصحف الألمانية من جهتها أخذت على لوف تمسّكه ببعض النجوم الذين جلبوا له المجد في مونديال البرازيل أي جيروم بواتنغ وطوني كروس وماتس هاملس ومانويل نوير وتحديداً توماس مولر. في الحقيقة، لا مانع من ذلك. حصل هذا سابقاً مع المنتخب الألماني نفسه عندما ظلّ المدرب بيرتي فوغتس في كأس أوروبا 1996 معتمداً على بعض النجوم الذين شاركوا في التتويج بمونديال 1990 مع المدرب حينها فرانتس بكنباور كيورغن كلينسمان وتوماس هاسلر وأندرياس مولر (كان بديلاً في المونديال الإيطالي) وتوماس هيلمر ويورغن كولر وغيرهم، لكن ما يفرق هنا هو نوعية اللاعبين وجودتهم. الأمور مختلفة بين الآن والسابق. هؤلاء الأخيرون عادوا وقادوا "المانشافت" للّقب الأوروبي بعد 6 سنوات، أما جيل 2014 فظهر جلياً أنه فقد حافزية الفوز كما يبدو تحديداً مع بواتنغ ومولر فضلاً عن وجوب منح الفرصة للمتألّق مارك – أندريه تير شتيغن في حراسة المرمى على حساب نوير أو على الأقل المداورة بينهما خصوصاً أن حارس بايرن ميونيخ لم يعد كما كان قبل إصابته القوية التي أبعدته طويلاً. أخطاء وأخطاء لا تُعدّ ولا تحصى رغم أن ألمانيا لا تعاني مشكلة جيل والمواهب كثيرة حالياً.

اليوم يلعب المنتخب الألماني في باريس أمام فرنسا مجدّداً (الساعة 21,45 بتوقيت القدس الشريف). كل الأنظار طبعاً على لوف والضغوط كبيرة عليه. على الأرجح هي الفرصة الأخيرة له. منتخب ألمانيا لا مجال أمامه سوى تحقيق نتيجة إيجابية مع أداء قويّ ليس فقط للاستمرار في المنافسة على لقب دوري الأمم الأوروبية، بل لأن هيبته على المحك. لم يعد الألمان يحتملون نكسة جديدة. لوف مطالب الليلة في باريس بالردّ... الردّ بقوة.