كرتنا... وكرتهم!

الأسبوع الماضي لم يكن عادياً في عالم الكرة. في يوم واحد كانت حقيقة الكرة وصورتها تتجلّى وتسطع كالشمس. في يوم واحد ظهر الفرق بين الكرة في بلادنا وفي باقي العالم وتحديداً في أوروبا. لعلها صدفة بأن تُلعَب المباراتان النهائيتان لبطولة دوري الأبطال في أفريقيا وأوروبا في يوم واحد، لكنها صدفة أظهرت الحقائق ونقلت مشهداً مختلفاً يحمل الكثير من المعاني والعِبَر.

مشهد مختلف بين نهائي دوري أبطال أفريقيا ونهائي دوري أبطال أوروبا (أ ف ب)
مشهد مختلف بين نهائي دوري أبطال أفريقيا ونهائي دوري أبطال أوروبا (أ ف ب)

لم يكن الأسبوع الماضي عادياً في عالم الكرة. في يوم واحد كانت حقيقة الكرة وصورتها تتجلّى وتسطع كالشمس. في يوم واحد ظهر الفرق بين الكرة في بلادنا وفي باقي العالم وتحديداً في أوروبا. لعلها صدفة بأن تُلعَب المباراتان النهائيتان لبطولة دوري الأبطال في أفريقيا وأوروبا في يوم واحد، لكنها صدفة أظهرت الحقائق ونقلت مشهداً مختلفاً يحمل الكثير من المعاني والعِبَر.
المشهد الأول كان في نهائي دوري أبطال أفريقيا في مباراة الإياب بين الوداد البيضاوي المغربي والترجّي التونسي. كان المشهد مؤسفاً ولا يتمناه أحد ولم يحصل سابقاً. مباراة بتلك الأهمية تنتهي قبل نصف ساعة بعد انسحاب الوداد اعتراضاً على تعطّل تقنية الاعادة بالفيديو بعد تسجيله هدفاً ألغاه الحكم ليُعلن الأخير نهاية المباراة وتتويج الترجّي. منذ اللحظة التي رفع فيها لاعبو الفريق التونسي الكأس بدأ التراشق الإعلامي وانهالت التصاريح والانتقادات والتحليلات والاعتراضات والتشكيك من الجانب المغربي إلى أن قرّر الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) في اجتماعه في باريس على هامش كونغرس "الفيفا" إعادة المباراة على أرض محايدة بعد كأس أمم أفريقيا 2019، لتنتقل منذ تلك اللحظة الانتقادات والاعتراضات والتشكيك إلى الجانب التونسي، علماً أن مباراة الذهاب لم تخلُ بدورها من اعتراضات الجانب المغربي على التحكيم ما أدى إلى إيقاف الحكم المصري جهاد جريشة 6 أشهر. هكذا اختلف المشهد في أيام بين ما هو "حقّ" للترجّي إلى حصول الوداد على "حقّه". في النهاية كانت الكرة أمام مشهد غير مسبوق في ما يتعلّق ببطولة كبرى. ضاع الحقّ ومن هو الأجدى به، وفي النهاية خسر الجميع ولم يعد للبطل الذي سيُتوَّج في المباراة المعادة وهجه بعد كل الذي حصل. في النهاية كان المشهد حزيناً لا بل معيباً بوصف أدقّ.
هذا حصل في كرتنا. بعد حوالي 12 ساعة من مباراة الترجّي والوداد كان المشهد مختلفاً تماماً في نهائي دوري أبطال أوروبا عندما تواجه ليفربول وتوتنهام. انتهت المباراة كما بدأت، لا بل أجمل مما بدأت. توِّج "الريدز" باللقب. هنّأ لاعبو الفريق الخاسر لاعبي الفريق الفائز الذين رفعوا الكأس وسط احتفالات مميزة. بالمناسبة بعد 24 ثانية من انطلاق المباراة كان الحكم يطلق صافرته محتسباً ركلة جزاء لليفربول، يا تُرى لو فعل ذلك في مباراة بهذه الأهمية وبعد 24 ثانية في بلادنا هل كانت ستُستكمل؟ هل كان الأمر سيمرّ طبيعياً؟ مجرّد تساؤل.


احتفلوا... ولم نحتفل (أ ف ب)
احتفلوا... ولم نحتفل (أ ف ب)

في اليوم التالي للمباراة "عندهم" كان لاعبو ليفربول يجوبون على متن حافلة في شوارع مدينتهم وسط الآلاف من الجماهير. كانت الاحتفالات والفرحة والبهجة... كان مشهد الكرة الأجمل.

هكذا كان مشهد الكرة، وفي ظرف ساعات وفي مباراتين نهائيتين لدوري الأبطال، مختلفاً بين بلادنا وأوروبا حيث تتجلّى الكرة بأبهى صورها وحيث الاحتراف والانضباط في أعلى مستوياته. في المقابل، نجد أن في كرتنا مثلاً الخطأ البشري ممنوع (بعيداً عن نهائي دوري أبطال أفريقيا) وغالباً يتم استغلال أي مناسبة أو مشكلة لتصفية الحسابات وشحن الأجواء.
فلنأخذ مثلاً آخر في كرتنا. بالأمس كان النادي الأهلي المصري يهدّد اتحاد الكرة في بلاده باللجوء إلى "الفيفا" ومحكمة التحكيم الرياضي في حال تأجيل مبارياته في الدوري المحلي إلى ما بعد كأس أمم أفريقيا. في المقابل، نجد في الكرة الأوروبية أن جدول المباريات يكون منظّماً وينتهي في الوقت المحدّد له حتى في حال حصول أي طارىء تحديداً في ما يتعلّق بتأجيل المباريات بسبب الأحوال المناخية، وذلك رغم زحمة المباريات والمسابقات في تلك البلاد.
نتحدّث عن مصر. في مصر تُلعب المباريات من دون جمهور. مشهد محزن في بلاد لطالما اشتهرت بأجواء جماهيرها المميزة تحديداً في مواجهات "الكلاسيكو" بين الأهلي والزمالك، لكن متابعي الكرة المصرية محلياً وعربياً حرموا من مشهد الجماهير المحتشدة في ملعب القاهرة الدولي أو ملعب برج العرب وغيرها من الملاعب، وهذا كله نتيجة للمأساة الدامية التي حصلت في عام 2012 في بور سعيد خلال مباراة الأهلي والمصري والتي ذهب ضحيتها العشرات ووصِفت بـ "مجزرة بور سعيد".
مشهد آخر قبل أشهر في كرتنا كان خلال مباراة قطر والإمارات في نصف نهائي كأس آسيا عندما رمت الجماهير الإماراتية اللاعبين القطريين بالشباشب وشن الطرفان الهجوم على بعضهما عبر وسائل إعلامهما قبل المباراة وبعدها، ليضحك العالم على "مباراة الشباشب".
فلنأخذ مشهداً مقابلاً في الكرة العالمية وتحديداً في مونديال روسيا 2018 عندما قامت الجماهير اليابانية بتنظيف مدرجات الملعب بعد انتهاء مباراة لمنتخبها في مشهد أثار الدهشة في بلادنا (لعدم اعتيادنا عليه) لكنه كان طبيعياً عند اليابانيين. أضف أن المنتخب الياباني لم يتوان رغم الحسرة بعد الخسارة أمام بلجيكا في دور الـ 16 بعد أن كان قريباً من الفوز ونجح في قلب تأخره 0-2 إلى تعادل 2-2 بتنظيف حجرات الملابس وترك قبل مغادرته لافتة كتب عليها "شكراً" باللغة الروسية. هنا تجّلت الروح الرياضية والأخلاق الرياضية بأبهى حللها.
لماذا نذهب بعيداً؟ فلنأخذ مثلاً قريباً. محمد صلاح نجمنا المصري والعربي المتألّق في الكرة الأوروبية. هذا اللاعب عرف أصول الاحتراف والانضباط. لم نره يوماً يخرج في وسائل الاعلام الإنكليزية أو على صفحاته في مواقع التواصل معترضاً أو منتقداً فريقه أو المنافسين، في المقابل فإن الوضع يتغيّر في بلده. ها هو في عيد الفطر يوجّه الانتقادات لعدم احترام حياته الشخصية بعد محاصرته في منزله في قريته نجريج ليُمنع من تأدية صلاة العيد، بينما نراه في شريط فيديو يجول بدراجته الهوائية في شوارع ليفربول متّجهاً نحو منزله دون أن يقترب منه أحد، هذا بالإضافة إلى مشكلته السابقة مع الاتحاد المصري في ما يتعلّق بحقوق الصورة والشركة الراعية عندما تم وضع صورته على طائرة المنتخب المصري مع شركة أخرى ما أثار غضبه ووجّه انتقادات للاتحاد على مواقع التواصل.
باختصار، لا زلنا بعيدين جداً عن كلمة احتراف التي باتت أساس الكرة. يلزمنا دروسٌ كثيرة لتصبح كرتنا... كرة.