بطولة أمم أفريقيا... فرحة الفقراء

تدور الكرة الآن في مصر في بطولة أمم أفريقيا وتتنقل مشاهدها بين البلدان الأفريقية حاملة الفرح للشعوب الأفقر في العالم. هي الكرة مصدر إلهام الفقراء والمهمّشين والكادحين الذين يشاهدون نجوماً عاشوا الفقر ذاته في نشأتهم.

في البلاد الأفريقية الأكثر فقراً، تُصبح الكرة مرادفاً لتأمين حياة أفضل في ظل عدم القدرة على التعلّم
في البلاد الأفريقية الأكثر فقراً، تُصبح الكرة مرادفاً لتأمين حياة أفضل في ظل عدم القدرة على التعلّم

تدور الكرة الآن في مصر في بطولة أمم أفريقيا وتتنقل مشاهدها بين البلدان الأفريقية حاملة الفرح للشعوب الأفقر في العالم. الكرة هي فرحة الفقراء والمهمّشين والكادحين وراء لقمة العيش بتعب وعناء. لنا أن نتخيّل المشهد الآن في أحياء نواكشوط وداكار وياوندي وأكرا وكونكاري ونيروبي ولواندا وكينشاسا وغيرها من العواصم والمدن الأفريقية. الفقراء يتحلّقون سوياً أمام شاشة تلفاز لمتابعة مباراة منتخب بلدهم. هذا فرحهم الذي يُنسيهم قسوة الأيام. لماذا نذهب بعيداً، ففي مصر نفسها مستضيفة "المونديال الأفريقي"، في القاهرة والمنصورة والاسماعيلية وطنطا وبور سعيد والصعيد وغيرها من المدن والمناطق المصرية تمتلىء المقاهي الشعبية بروادها الذين يشاهدون المباريات. يشجّعون. يتحمّسون. يحتفلون بالأهداف. هنا فرحهم واستراحتهم بعد نهارات شاقّة ومضنية لتحصيل قوت اليوم.

هي أفريقيا أرض الحفاة الذين يتناقلون الكرة على ملاعب رملية تحت شمس حارقة ويسدّدونها في مرمى أحلامهم. يكبرون ويكبر معهم الحلم بأن تعوّضهم الكرة ما حُرموا منه وبأن تنتشلهم من واقعهم المزري. هناك، في تلك البلاد الأكثر فقراً، تُصبح الكرة مرادفاً لتأمين حياة أفضل في ظل عدم القدرة على التعلّم.

هؤلاء الآن يشاهدون في كأس أمم أفريقيا نجوماً يشكّلون مثلاً أعلى وقدوة لهم. نجوم عاشوا فقرهم ذاته في بداية مشوارهم قبل أن يصبحوا لاعبين معروفين.

في مصر مثلاً، كُثرُ يريدون أن يصبحوا كالنجم محمد صلاح. ما يجمعهم بهذا النجم أنه منهم. نشأ بينهم. عرف الحياة الصعبة مثلهم حيث نشأ في أسرة متواضعة. لعب الكرة في الأزقة والشوارع قبل أن يقوده تصميمه واجتهاده ومثابرته إلى أهم الفرق العالمية ويصبح الآن من أفضل اللاعبين في العالم وملهماً لمدينة ليفربول وبطلاً مع فريقها لأوروبا.

قصصٌ كثيرة تجتمع في بطولة أفريقيا الحالية لنجوم عاشوا الفقر والحرمان في طفولتهم. السنغالي ساديو مانيه بينهم، لا بل في مقدمتهم. نجم ليفربول وزميل صلاح نشأ في أسرة فقيرة للغاية في بامبالي ليضطر لتركها والعيش في رعاية عمه. فقْر الحال حرم مانيه من المدرسة، حيث يقول: "لم تملك أسرتي الأموال الكافية كي التحق بالمدرسة، لذا كنت ألعب كرة القدم في الشوارع ليلاً ونهاراً". 

وكما الحال مع بطولة أفريقيا الحالية، فإن مونديال 2002 في كوريا الجنوبية واليابان شكّل مصدر إلهام لمانيه بعد نتائج السنغال المبهرة فيه حيث يقول: “تأثّرت كثيراً بعد مشاهدة مباريات كأس العالم 2002، حيث قمت مع أصدقائي بتنظيم بطولات مصغّرة لكرة القدم، حصلت من خلالها على الثناء من جانب المتابعين كافة، الذين وصفوني بأنني الأفضل في المدينة"، ويضيف: "لذا سعيت بكل قوّتي إلى إقناع أسرتي بضرورة السفر إلى العاصمة داكار، من أجل إيجاد الفرصة المناسبة لي، وهو ما دفع عمي إلى بيع كميّات المحاصيل البسيطة التي يقوم بزراعتها، كي يساعدني في تحقيق حلمي الأكبر”.

وبالفعل من داكار بدأت رحلة وصول مانيه إلى النجومية بعد أن لفتت موهبته أنظار كشّافين فرنسيين للمواهب وانتقل معهم إلى الملاعب الفرنسية.

قصة أخرى ملهمة في بطولة أمم أفريقيا الحالية بطلها اللاعب الذي شكّل انتقاله من لايبزيغ الألماني إلى ليفربول التعاقد الأغلى في تاريخ الكرة الأفريقية، ألا وهو الغيني نابي كيتا. كيتا كأكثر اللاعبين الأفارقة بدأ لعب الكرة دون أن يمتلك ثمن حذاء وملابس رياضية. كان مع أصدقائه يلعبون بقطعة بلاستيكية يسدّدونها بين إطارَين مهترَئين لسيارة. كان حلمه كبيراً بأن يصبح لاعب كرة. عانى الأمرّين. عندما كان فتياً ترك أسرته وقطع مسافة 6 آلاف كلم من غينيا إلى فرنسا ليخوض اختباراً للعب في أحد الفرق ولم ينجح فيه. عاد إلى بلاده، ثم جرّب مجدّداً وحالفه التوفيق هذه المرة ليلعب في الدرجة الثانية وتنطلق من هناك مسيرته نحو النجومية.

تُلعَب الآن في مصر بطولة أمم أفريقيا. هي بطولة للمهارات الكروية والأهداف والفنيات، لكن هي قبل هذا كلّه بطولة الفقراء. هي فرحة الفقراء.