في مصر... إنها بطولة "الغلابة" أيضاً

تستقطب مصر الآن أنظار العالم من خلال بطولة أمم أفريقيا التي تستضيفها على أراضيها. صوَر كثيرة تأتي من البطولة. أحلاها وأكثرها معانٍ كانت أمس خلال مباراة مصر وأوغندا.

مشجّعون مصريون يتابعون المباراة أمام أوغندا في أحد الأحياء الشعبية في مدينة الإسماعيلية (أ ف ب)

العام الماضي انتشرت في الصحف العالمية ومواقع التواصل صورة لفلاحٍ مصريّ فتيّ يجلس قرب "التِرعة" كاتباً على ظهر "الجلابية" البسيطة التي يرتديها اسم محمد صلاح ورقم قميصه في وقت كان فيه نجم ليفربول يقدّم الروائع في الملاعب الإنكليزية والأوروبية. الصورة كانت مؤثّرة للغاية وتتكلّم عن نفسها. تتكلّم عن فتى لا يعرف من هذه الحياة سوى العمل في الأرض وإعالة أسرته. تتكلّم عن فتى أحب نجم بلاده المتألّق في ملاعب أوروبا لكنه على عكس فتيان كثر آخرين لا يستطيع شراء قميص اللاعب. هذا الفتى الفلاح هو النقيض تماماً لأولئك الفتيان الإنكليز الذين يتابعون ابن بلده في المباريات أمام أعينهم.
هي مصر "أم الدنيا". هي مصر شعب الكرة أو "الكورة" كما يسمّونها. هي مصر "الغلابة" الذين يرون في هذه اللعبة فرحهم خصوصاً في الأحياء والحارات الفقيرة والمغلوبة على أمرها.
ذاك الفتى الفلاح المشجّع للكرة وصلاح تجده في الملايين هناك. تجده في العمال الكادحين والموظفين محدودي الدخل الذين تشكّل الكرة متنفّساً لهم يلجأون إليها لتناسي همومهم وصعوباتهم المعيشية. هي سلواهم.
منذ سنوات طويلة التصقت في مخيلتنا صور جماهير الأهلي والزمالك أو "الأهلاوية" و"الزملكاوية" كما يحلو للمصريين القول. صور المقاهي الشعبية في الحارات الفقيرة التي تمتلىء بالمشجّعين. هؤلاء هم نبض الكرة المصرية، يرفدونها بالحياة كما النيل لمصر. من تلك الأزقة خرج "حرّيفة" الكرة المصرية من النجوم العمالقة، ومن هناك عرفت الأندية المصرية الكبرى شعبيتها واشتهرت بألقابها وأناشيدها.
مصر الآن تستقطب أنظار العالم من خلال بطولة أمم أفريقيا التي تستضيفها على أراضيها. صوَر كثيرة تأتي من البطولة. أحلاها وأكثرها معانٍ كانت أمس لمجموعات من المشجعين في أحد الأحياء الفقيرة في مدينة الإسماعيلية وهم يحتشدون على باب مقهى شعبيّ ويتابعون سوياً على شاشة التلفاز مباراة منتخب مصر التي فاز فيها على أوغندا. هذا المشهد هو واحد من مشاهد كثيرة مماثلة في أحياء فقيرة كثيرة في مصر، سواء في العاصمة القاهرة أو غيرها من المدن لمشجّعين لا يمتلكون ثمن بطاقات حضور مباريات البطولة. يجلسون جموعاً أمام شاشة التلفاز ويُلقون فيه همومهم ومتاعبهم التي يتناسونها للحظات خلال فاصل مهاري لصلاح أو هدف يُشعل المدرجات. هو مشهد فيه الكثير من المعاني. هو مشهد يعكس، قبل كل شيء، جوهر الكرة باعتبارها اللعبة الشعبية الأولى في العالم. الكرة هي لعبة الفقراء و"الغلابة" قبل غيرهم.