"الغارديان": الفلسطينيون، الذين تخلت عنهم الحكومات، يعتمدون على دعم الغرباء

حتى تشدق الحكومات العربية بالقضية الفلسطينية تراجع في الفترة التي أعقبت توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وتمت إزالة الفلسطينيين ببطء من الوعي العام العربي منذ التسعينيات.

  • الفلسطينيون توافدوا على المسجد الأقصى فجراً بتكبيرات العيد
    الفلسطينيون يعتمدون على أنفسهم في حماية المسجد الأقصى.

تناولت نسرين مالك في عمودها في صحيفة "الغارديان" البريطانية واقع القضية الفلسطينية في أعقاب العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة. وقالت إنه كان هناك زمن كان العرب يرضعون دعم القضية الفلسطينية مع حليب أمهاتهم. 

وأوضحت الكاتبة أنها من جيل نشأ في ظل اتفاقية كامب ديفيد واغتيال الرئيس المصري أنور السادات لما اعتبر خيانة للفلسطينيين. حتى معاهدة كامب ديفيد عام 1978، كانت مصر الحليف الرئيسي لفلسطين وأقوى قوة عسكرية في المنطقة بعد "إسرائيل". وقد أعادت معاهدة السلام سيناء إلى مصر مقابل اعترافها بـ"إسرائيل". ونتيجة هذا التطبيع، أغلقت مصر الباب أمام أي نوع من المساعدة العسكرية العربية للفلسطينيين، بحسب الكاتبة.

وتابعت: لقد ورثنا خيبة الأمل المريرة لتلك الحقبة. كانت فلسطين جزءاً لا يتجزأ من الهوية العربية لفترة طويلة وأصبحت تُعرف باسم "القضية" وهي قضية ملحة لم يتم حلها، تحولت بعد اتفاقية كامب ديفيد، من دعوة مثيرة للتضامن إلى أمر أكثر حزناً وتشتتاً.

وأضافت مالك أن انهيار الاتحاد السوفياتي والثورة الإيرانية دفعا الحكومات العربية والخليجية إلى التودد إلى الولايات المتحدة، وهو أمر لن ينجح إذا بقيت "إسرائيل" العدو الأول لهذه الحكومات. لذلك حتى تشدق هذه الحكومات بالقضية الفلسطينية تراجع في الفترة التي أعقبت توقيع اتفاقية كامب ديفيد مباشرة، وتمت إزالة الفلسطينيين ببطء من الوعي العام العربي ابتداء من تسعينيات القرن العشرين إلى اليوم.

وتابعت الكاتبة أنه حتى الأشعار عن فلسطين قد أوقفت في كتبنا المدرسية وفي وسائل الإعلام. وغنّت الفنانة اللبنانية فيروز ذات مرة، "الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان"، في أغنية شعبية عن عودة الفلسطينيين الذين طردوا من القدس. لكن هتافها لم يعد على يبث على موجات الأثير العربية. وكتب الشاعر الأكثر شهرة في العالم العربي، نزار قباني، عن القدس يقول:

"غدًا، غدًا، سيزهر الليمون 

وتفرحُ السنابلُ الخضراءُ والزيتونْ 

وتضحكُ العيونْ 

وترجعُ الحمائمُ المهاجرةْ 

إلى السقوفِ الطاهرةْ 

ويرجعُ الأطفالُ يلعبونْ 

ويلتقي الآباءُ والبنونْ 

على رباك الزاهرةْ 

يا بلدي يا بلد السَّلام والزَّيتونْ".

وقالت الكاتبة "لكنهم لم يعودوا إلى القدس.

وأوضحت الكاتبة أن القضية أضحت أصبح أمراً لم تعد الحكومات تعشر بالحاجة إلى الاهتمام به بعد الآن. وصار تصوير فكرة أن أي دعم نشط للفلسطينيين أمر ساذج، أو مخلفات من الماضي، أو أنه جزء لا يتجزأ من أجندة دينية متطرفة. فمن خلال سحب حتى دعمها المعنوي للفلسطينيين، "ساعدت الأنظمة الاستبدادية الضعيفة في جميع أنحاء المنطقة في جعل القضية تبدو وكأنها قضية هامشية، وهو الأمر الذي تمسك به الرومانسيون والراديكاليون فقط".

وأشارت مالك إلى ان الشكوك نفسها تخيّم على الدعم لفلسطين في الغرب. إذ يترافق مع هذا الشك اتهام بأن هناك ترسيخاً غير معقول للقضية الفلسطينية. وثمة سؤال يحوم حول التضامن مع فلسطين، لماذا التركيز على هذه الأزمة في حين أن هناك الكثير من الآخرين حول العالم يطالبون بنفس مستوى الغضب تجاه قضاياهم إن لم يكن أكثر؟ ماذا عن الأويغور في الصين أو الروهينغا في ميانمار؟ 

ورأت مالك أن الإجابة على هذا السؤال هي أن السياسيين الغربيين ربما يفعلون القليل جداً في ميانمار أو الصين، لكنهم بالتأكيد يقومون بما يكفي للاعتراف بحدوث انتهاكات لحقوق الإنسان. فقد أعلن نواب بريطانيون عن وجود إبادة جماعية في الصين. وتخضع ميانمار لعقوبات. حتى حليفة الغرب الآخر في الشرق الأوسط، المملكة العربية السعودية، تتعرض للرقابة، حيث علق الرئيس الأميركي جو بايدن مبيعات الأسلحة إلى السعودية في وقت سابق من هذا العام. بينما فشل مجلس الأمن الدولي في تمرير حتى بيان يدين الهجوم العسكري الإسرائيلي في غزة ويدعو إلى وقف إطلاق النار.

وقالت الكاتبة إن الرأي القائل بأن فلسطين تجتذب درجة غير متناسبة من الغضب الأخلاقي لا يفسر حقيقة أن القليل من هذا الغضب يأتي من الأماكن المهمة - مناصب وزراء الحكومة والنخب السياسية ووسائل الإعلام. ولأن هذه الحملة المتضامنة مع الفلسطينيين لا يُسمح لها إلا بالازدهار خارج التيار السائد المعتبر، فمن الأسهل بعد ذلك تأطيرها على أنها سيئة السمعة، مثل اتهامها بأنها "استفراد شرير لإسرائيل".

وأضافت أن الحقيقة الثابتة هي أن الفلسطينيين مميزون. لقد حرموا، على عكس معظم الشعوب المضطهدة، من لغة الشرعية. إذ إن وقائع الاحتلال الذي يخضعون له ومقاومتهم والتمييز العنصري (نظام الأبارتايد) الذي يتعرضون له قد غُيّبت أو تم جعلها غامضة. أصبحت القضية الفلسطينية مشكوكاً فيها من خلال نوع من عكس الأدوار في سرد ​​الصراع. أصبح الضحايا هم المعتدون، وتم التخلي عن الفلسطينيين لمصيرهم، ثم تم تأطيرهم لأجله. 

وأشارت الكاتبة إلى أن الفلسطينيون تحمّل مسؤولية الأعمال الفردية العسكرية التي توصف في الغرب بـ"الإرهابية" وعوقبوا على ردود حركة حماس الانتقامية. ولم يكن هناك أي إجراء دفاعي يمكنهم اتخاذه بشكل شرعي، سواء رداً على الإخلاء من منازلهم أو الهجمات على المدنيين. وأوضحت أن الخطاب، الذي تم التدرب عليه جيداً وألقاه ببراعة سياسيون ذوو مصداقية، هو الذي حدد الوضع وهو القائل "إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها. أي نوع من الأشخاص هو من لا يدعم حق إسرائيل، أو حق أي دولة، في الدفاع عن نفسها؟". وتم تنميط كل من يرفض هذا الخطاب بأنه "ربما يكون شخصاً يتعاطف مع الإرهاب، أو شخصاً معادياً للسامية، وربما شخصاً مؤمناً غريب الأطوار يجمع القضايا المفقودة وليس لديه فهم للقانون الدولي أو تاريخ المنطقة".

ورأت مالك أن شيئاً ما يتغير. فهذا المظهر السلبي لداعم فلسطين، الذي صوّر بأنه شخص كريه، يتعرض للتشكيك. ويبدو أن الهجوم الأخير على غزة، الذي قوبل مجدداً بنفس الأعذار الروبوتية لأفعال "إسرائيل"، قد غيّر التوازن. قد تكون الجغرافيا السياسية هي نفسها، لكن قدرة الحكومات (الغربية) على الاحتفاظ باحتكارها لتفسير ما يحدث على الأرض في "إسرائيل" وفلسطين تضعف. فقد تحدث حجاي العاد، المدير التنفيذي للمجموعة الحقوقية الإسرائيلية "بتسيلم"، مباشرة إلى أولئك الذين ربما يشككون الآن في الخط الرسمي، قائلاً: "صدق عينيك. اتبع ضميرك. والسبب في أنه يبدو وكأنه فصل عنصري هو ببساطة لأنه فصل عنصري".

وخلصت الكاتبة إلى أن المزيد من الناس يصدقون ما تراه أعينهم. فالأفراد الذين يدعمون الفلسطينيين يتزايدون من حيث عددهم ودرجة ثقتهم بالقضية، وهم يتخلصون من الصورة النمطية لـ"الناشط الهامشي". فوسائل التواصل الاجتماعي وصعود حركة احتجاجية مناهضة للمؤسسة في الصيف الماضي تعمل على إخراج القضية الفلسطينية من الجمود. لقد بدأ مناصروها في العثور على بعضهم البعض، لتبادل المعلومات واللقطات، لإضفاء الشرعية على القضية مع كل تواصل جديد. وقالت مالك إن هؤلاء المناصرين ليسوا متعاطفين مع الإرهاب، ولا معادين للسامية أو متطرفين، على الرغم من أن أي تعبئة جماهيرية ستجذب حتماً بعض الموتورين والمشاغبين. لكن لا ينبغي السماح لهم بتشويه حركة متنامية من مقدمي الرعاية من أجل القضية، أولئك الذين يرون ظلماً جسيماً يقع على الفلسطينيين يومياً، ولا يرون أي تعهد أو وعد من قادتهم بأن أي شيء سيتم القيام به حيال ذلك. وختمت بالقول إن الناس يأتون من أجل فلسطين ليس لأن سياساتهم مراوغة أو لأن شخصياتهم مشكوك فيها، ولكن لأن الحكومات في العالم العربي والغربي لم تترك لهم أي خيار آخر".

نقله إلى العربية بتصرف: هيثم مزاحم

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً