ضمّ الأغوار ليس أكثر من ألاعيب قوة

إن فكرة ضمّ ثلث الضفة الغربية تُطرح في كل مرة، وبخاصة عشية الانتخابات، وتسقط بعدها. ومن الصعب معرفة إذا ما كانت هذه الفكرة مثيرة للناخبين، وليس من الواضح إذا ما كانت تُفرح الإسرائيليين المقيمين في الأغوار.

  • ضمّ الأغوار ليس أكثر من ألاعيب قوة
    جنود إسرائيليون بدورية في المنطقة الحدودية - وادي الأردن في 18 تشرين الأوّل/أكتوبر 2019 (أ.ف.ب)

 

قال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إنه قد بحث خلال لقائه في الأسبوع الماضي في البرتغال مع وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، بحث معه الموضوع الإيراني واحتمال ضم غور الأردن إلى إسرائيل. إلا أن مساعد وزير الخارجية الأمريكي سارع إلى نفي ذلك وقال إنه لم يجرِ أي نقاش حول موضوع الغور. ويبدو أن أياً منهما لا يكذب.

ففي القائمة الطويلة من النقاط التي تمّ إعدادها لنتنياهو قبل اللقاء مع بومبيو، كانت هناك، على ما يبدو، قضية مستقبل غور الأردن، وربما قام رئيس الحكومة بطرح الموضوع ليس من أجل الحصول على جواب بل حتى يقول إن الموضوع موجود على جدول الأعمال. بينما خشي مساعد وزير الخارجية الأمريكي من أن يظهر الأمر وكان الولايات المتحدة الأمريكية تساعد في توجيه ضربة فجة للاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها كشاهد، لذلك سارع إلى نفي البحث في الموضوع. 

ولكن، في الحقيقة، لا يهم كثيراً إذا كان الموضوع قد ذُكر فحسب، أو أنه جرى بحثه. إنما الأهم هو أن أمريكا ترامب ليست في عجلة من أمرها للدخول في فخ ضمّ مناطق من المنطقة C، والتي تشكل جزءاً مستقبلياً من الكيان الفلسطيني، والسكان المقيمين فيها هم تحت مسؤولية السلطة الفلسطينية ويعيشون وفق قوانينها.  

إن فكرة ضمّ ثلث الضفة الغربية تُطرح في كل مرة، وبخاصة عشية الانتخابات، وتسقط بعدها. ومن الصعب معرفة إذا ما كانت هذه الفكرة مثيرة للناخبين، وليس من الواضح إذا ما كانت تُفرح الإسرائيليين المقيمين في الأغوار. وأنا أذكر جيداً الوفود التي وصلت إليّ بعد التوقيع على اتفاق أوسلو مباشرة، ومن بينها مزارعون من الأغوار، ملح الأرض، الذين وصلوا إلى هناك في السنوات الأولى التي تلت احتلال الضفة. لقد قالوا لي إن الحقيقة هي أنه قد تم التوقيع على الاتفاق، إلا أنه سيتم التوقيع على الاتفاق الدائم بعد خمس سنوات، وهو الأمر الذي يضعهم في وضع معقد جداً: فالظروف قاسية، والمسافة بعيدة عن وسط البلاد، وأولادهم يغادرون الأغوار بعد الخدمة العسكرية، وبيع المنازل هو أمر شبه مستحيل، وبخاصة بعد أن بدأت الرياح بالهبوب باتجاه الاتفاق، وفي الاتفاق ستصبح الأغوار، على ما يبدو، جزءاً من الدولة الفلسطينية. 

طلبهم الوحيد لم يكن ضمّ الأغوار إلى إسرائيل، بل منحهم الاستقرار، وربما، السماح لهم منذ الآن، الاطلاع على ما ينتظرهم. وقد طلب معظمهم التعجيل في الحصول على التعويضات حتى "لا يبقوا معلقين في الهواء". وكان من الصعب عدم الشعور بما يعتمل في صدورهم. فتحدثت حول ذلك مطولاً مع رئيس الحكومة اسحق رابين الذي قال لي إنه ليس على استعداد للبحث في موضوع التعويضات مع المستوطنين طالما لم يتم تحديد الحدود الدائمة.

وبعد أن تولى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو منصبه للمرة الثانية، وبعد أن ألقى خطاب بار – إيلان حول استعداده للاعتراف بحل الدولتين، قال إنه في إطار لاتفاق الدائم سيصر على بقاء الجيش الإسرائيلي عند نهر الأردن لمدة أربعين سنة. هو لم يتحدث عن الضم  بل تحدث فقط عن تواجد عسكري. وأنا افترض أنه قد فهم جيداً أن مطالبة إسرائيل بضم مناطق كبيرة إلى هذه الدرجة من الضفة في إطار اتفاق ستحول دون ضم مناطق أكثر قرباً إلى الخط الأخضر، وأهم بكثير بالنسبة لإسرائيل، وأنه منذ طرح مشروع آلون قبل عشرات السنين حدث أمران أساسيان: السلام مع الأردن الذي أبعد الحدود مع أعدائنا حتى الحدود الأردنية – العراقية، واختراع وسائل تكنولوجية تمكن من الحصول على معلومات استخباراتية وتقديم الإنذار لمتخذي القرارات خلال وقت مناسب. وتستطيع إسرائيل الدفاع عن نفسها حتى بدون ضمّ غور الأردن، وحتى أن المطالبة بضمه هي من نوع الأمور التي يطرحها من لا يريد التوصل إلى اتفاق سياسي مع الفلسطينيين، بل يريد "إدارة النزاع".

إن الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أمريكا ترامب، لن تدخل إلى الفخ الذي يمكن أن يعرض اتفاقات السلام التي وقعت عليها إسرائيل مع كل من مصر والأردن للخطر، هذا دون الحديث عن الرد الفلسطيني الذي سيضع حداً للتنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. وسواء كان نتنياهو قد بحث مع بومبيو هذه القضية أم لا فإن الحديث يدور عن لعب بالنار يُحظر الدخول فيه.

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً