زيارة بايدن.. الوجه الجديد للتحالفات الدولية
الناتو لم يعد حلفاً.. حَكَمَ العلاقاتِ الدوليةَ مصطلحُ "الأعدقاء"، والذي يعني أن الدول أصبحت صديقة وعدوة في الوقت ذاته. صديقة في بعض القضايا التي تتقاطع مصالحها حولها، ومتنافسة، بل ربما عدوة، في قضايا أخرى.
-
تعيش الولايات المتحدة في عهد الرئيس بايدن مرحلة لا تُحسَد عليها
العالم كله يتابع الزيارة المنتظَرة، والتي سيقوم بها الرئيس الأميركي جو بايدن لمنطقة الخليج و"إسرائيل"، بحيث تكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة نتيجة لأهمية الحدث وتوقيته. فهي الزيارة الأولى، التي يقوم بها الرئيس بايدن للمنطقة منذ انتخابه، وتأتي بعد أن شهدت العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في دول الخليج، وخصوصاً المملكة العربية السعودية، توتراً أو فتوراً في أقل تقدير، مع الإشارة هنا إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية علاقة استراتيجية، لكنها شهدت "توتراً تكتيكياً" نتيجةَ أسباب، ربما أصبحت معروفة، لكن لا بدّ من الإشارة إليها أيضاً. فالرئيس بايدن كان وعد ناخبيه بمحاسبة ولي العهد السعودي بسبب قضية الخاشقجي، ورفض استقبال أي مسؤول خليجي، عدا أمير قطر، بعد الدور الذي أدّته الدوحة في الملف الأفغاني، وبسبب الحاجة الماسّة إلى الغاز القطري بديلاً محتملاً عن الغاز الروسي. واليوم، يزور المنطقة وأمامه هدفان واضحان، أمّا الباقي فليس سوى تفاصيل. الهدف الأول هو زيادة إنتاج النفط، والهدف الثاني هو تشجيع المملكة على المضيّ في توقيع اتفاق السلام مع الكيان الصهيوني. أمّا الغنائم التي سيحصل عليها، فلن تتباين عما كان يحصل عليه مَن سبقوه، فدولنا اعتادت أن الرئيس الأميركي يأتي ليأخذ، لا ليعطي.
زيادة الإنتاج.. تعني ضرورة المحافظة على الاستقرار في منطقة الخليج
من هذه الزاوية، سيكون بايدن من الداعين إلى التهدئة في كل الملفات في المنطقة، وخصوصاً بالنسبة إلى الملف النووي الإيراني، بحيث سيحرص على تفعيل المفاوضات مع إيران، وطمأنة دول الخليج، والطلب إلى "إسرائيل" المضيَّ قدماً في تعزيز تحالفاتها مع دول المنطقة، وخصوصاً دول الخليج الستّ، ومصر والأردن والعراق (٦+٣).
إيران، من جهتها، تريد العمل على عامل الوقت، الذي ترى أنه يصبّ في مصلحتها، وتسعى، في الوقت نفسه، لتحقيق أكبر قَدْر ممكن من المكاسب في مفاوضاتها. فهي مدركة للحاجة الأميركية والحاجة الدولية اليوم إلى النفط الإيراني، والرغبة في جرّها إلى أبعد مكان ممكن عن روسيا والصين. من هنا، فهي تسير في مسار التهدئة عبر أداء دور الوساطة بين تركيا وسوريا، وتعزيز تحالفها مع قطر، والسعي للتوصل إلى اتفاق مع المملكة العربية السعودية يُنهي الحرب في اليمن، وفق الشروط الملائمة، مستثمرةً الحاجةَ السعودية إلى تصفير مشاكلها مع دول الإقليم جميعاً. فالمملكة لها هدفان استراتيجيان: الأول داخلي، وهو تحقيق الانتقال السَّلس للسلطة من الملك سلمان إلى ولي العهد محمد بن سلمان. والثاني خارجي، يتمثل بالاستفادة من حاجة العالم إليها في تأمين الطاقة، وضرورة الاستفادة المالية من هذه الأزمة، واستثمارها على النحو الأمثل لتحقيق رؤيتها الاستراتيجية 2030.
أمّا مصر، فتسعى لتسويق نظامها السياسي الذي عانى عزلة دولية بعد الانقلاب على الرئيس الإخواني محمد مرسي، وهو ما تسبّب بأزمة مع كل من تركيا وقطر والسعودية والولايات المتحدة وغيرها من الدول. كما حقّقت مكاسب اقتصادية كبيرة بعد زيارة كلّ من وليّ العهد السعودي وأمير قطر للقاهرة. ومن البديهي أن تترتّب على دفع تلك الأموال مواقفُ يتوجّب على القاهرة أن تتخذها. فمصر، اليوم، لم تعد القائدة للقرار السياسي العربي كما كانت، وكما نتمنى أن تكون.
بايدن المأزوم داخلياً
تعيش الولايات المتحدة، في عهد الرئيس بايدن، مرحلة لا تُحسَد عليها. فمن الواضح أن الرئيس أصبح وجوده شكلياً، وأن الدولة العميقة هي التي تسيّر أمور البلاد. فصحة الرئيس وهفواته السياسية أصبحت مادة للتندُّر الإعلامي اليومي. كما أن التضارب في التصريحات أصبحَ السمة الرئيسة لمن يُفترض أنه يحكم أقوى دولة في العالم حتى الآن.
بالإضافة إلى وضعه الصحي السيئ، يعيش الرئيس أزمات أخرى، بدءاً بسرقة الكمبيوتر الشخصي لابنه، ونشر وثائق تُثبت تورّطه في قضايا فساد، مروراً بدفتر المذكِّرات الشخصية الذي كتبت فيه ابنته، بخط يدها، أن لها علاقة غير طبيعية بوالدها. كما أن الحزب الديمقراطي، ككل، يعاني أزمات بنيوية، تتمثل بعدم القدرة على إنتاج قيادات جديدة. كما أن نانسي بيلوسي، التي من المفترض أن تخلف بايدن، أصبحت أيضاً متهَمة بالتورط في قضايا فساد كبرى، تتناولها الصحافة الأميركية بصورة مستمرة.
أمّا على الصعيد الخارجي، فالولايات المتحدة تشهد تراجعاً في مناعتها الاستراتيجية، وضَعفاً في سطوتها على العالم، إلى درجة أننا أصبحنا نجد أن عدة دول صغيرة، كانت، طوال عقود مضت، ليست سوى محميات تتبع الولايات المتحدة الأميركية، نجدها اليوم ترفع صوتها وتعلن خروجها من العباءة الأميركية، بل وصل بها الأمر إلى درجة الطلب إلى الولايات المتحدة أن يكون التعامل بها قائماً على أساس الندية، لا التبعية!
لذا، أصبح المواطن الأميركي يشعر بأنه يعيش عصر الإذلال، فرئيسه أصبح أضحوكة بسبب كثرة الأخطاء والهفوات التي يرتكبها، كما أن تراجع الرئيس عن وعوده الانتخابية سبّب صدمة كبيرة لناخبيه. فمن وعد بمحاسبة محمد بن سلمان يذهب صاغراً إلى العربية السعودية تحت ضغط الحاجة إلى زيادة الإنتاج السعودي من النفط من أجل سدّ العجز الناجم عن تأمين الحاجة الأوروبية إلى النفط الروسي.
لعنة بوتين
شكّلت الحرب الأوكرانية نموذجاً قوياً عن سياسة عض الأصابع المتَّبَعة من جانب الجميع، وكانت التبعات الاقتصادية لهذه الحرب هي الأهم، ربما على مستوى العالم. وبدا واضحاً أن الدول الأوروبية كانت أكثر المتضررين، وخصوصاً ألمانيا وفرنسا. كما رأينا الذعر والهلع اللذين يعيشهما ماكرون بسبب نقص إمدادات الطاقة. أمّا جونسون ، الذي كان الأقرب إلى بايدن في توجهاته السياسية، بدءاً بتحالف أوكوس بين كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، مروراً بالحرب الأوكرانية والموقف بشأنها، وصولاً إلى تبني الموقف العدائي للصين، والسعي لإدراج الصين خطراً يهدد دول حلف الناتو، غادر منصبه، ولن يكون أول المغادرين، ولا آخر ضحايا الحرب، التي ستعيد الدول الأوروبية إلى الوراء عقوداً، بل ربما قروناً أيضاً.
أوروبا، التي كانت تتحدث عن الطاقة النظيفة وضرورة تقليل استخدام النفط، أصبحت تتحدث عن العودة إلى استخدام الفحم الحجري، كمصدر من مصادر الطاقة، التي هي في أمسّ الحاجة إليها. كل هذا يحدث ولم نصل بعدُ إلى فصل الشتاء؛ هذا الشتاء الذي سيكون بارداً جداً على "القارة العجوز"، كما يروق للأميركيين تسميتها.
أمّا روسيا والصين والمحور المعادي للغرب، فحتى الآن استطاعت موسكو تقليل تبعات الحرب، عبر اللجوء إلى البدائل التي كانت أعدّتها مسبّقاً، وخصوصاً على المستوى الاقتصادي. فموسكو استوعبت درس سقوط الاتحاد السوفياتي جيداً، فالدول القوية عسكرياً يمكن أن تنهار إذا كان اقتصادها ضعيفاً.
شكّلت رجولة بوتين مصدر قلق للقادة الأوروبيين على ما يبدو، الأمر الذي جعلهم يتحدثون عن فرضية أنه في حال حكمت روسيا امرأةٌ فإنها ستكون أقل عداء لهم، متناسين أن الرجولة قيمة، وما أكثر النساء اللواتي يحملن تلك القيمة، أكثر كثيراً من قادة كهؤلاء.
بالنسبة إلى الصين، فإنها أتقنت فنّ اغتنام الفرص، وانتهازها عند الضرورة. فاستثمرت في نتائج الحرب الأوكرانية، عبر الحصول على الطاقة الرخيصة من موسكو، وتعزيز قيمة اليوان ومكانته كعملة في طريقها إلى أن تصبح عملة دولية. ونجحت بكين، حتى الآن، في المناورة والابتعاد عن المواجهة المباشرة مع الغرب، على الرغم من أن عدد القضايا الخلافية بينها وبين الغرب أكثر وأشد تعقيداً من النقاط الخلافية بين الغرب وموسكو. فبكين كيّفت نفسها على محاولة الاستفادة من أي حدث، سواء أكان سلبياً أم ايجابياً. فالمهم، بالنسبة إليها، هو أن تكون نتائجه إيجابية في المحصلة. أمّا الهند، فما زالت تحاول إمساك العصا من المنتصف، والابتعاد عن التحالفات العسكرية، على الرغم من دورها المهم والقوي داخل مجموعة البريكس. فهي تؤمن بأن عصر التحالفات ولّى، وأن هذا العصر هو عصر التكتلات.
التحالفات أصبحت شيئاً من الماضي ... والناتو لم يعد حلفاً
ظهرت فكرة الأحلاف، كتعبير عن مصير واحد مشترك بين الدول الداخلة فيها، فنصرها واحد، وكذلك هي الهزيمة بالنسبة إليها. لكن، مع تعقُّد العلاقات الدولية وتشعب اهتماماتها، وغياب فكرة "العدو المطلق" أو "الصديق الدائم"، بدأت الأحلاف تتفكك فعلياً، وخصوصاً أن دولها تتباين فيما بينها بشأن عدد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وحتى السياسية أو العسكرية. لكنها تتوحَّد عندما يظهر عدو مشترك يهدد وجودها، فتتّفق على ضرورة مواجهته، لكنها تختلف بشأن الوسائل التي يجب أن تستخدمها في تلك المواجهة. من هنا، حَكَمَ العلاقاتِ الدوليةَ مصطلحُ "الأعدقاء"، والذي يعني أن الدول أصبحت صديقة وعدوّة، في الوقت ذاته. في صديقة في بعض القضايا، التي تتقاطع مصالحها حولها، ومتنافسة، بل ربما عدوة، في قضايا أخرى.
من هنا، فالحديث عن حلف الناتو، كتحالف عسكري، أصبح متبايناً عما كان حين تأسيسه. فاليوم، دول الناتو تدمَّر اقتصادياً لمصلحة دول أخرى مشاركة فيه. ومن المفارقات، أن الدول التي تدفع فاتورة الحرب هي ليست الدول المتقاتلة، بل الدول التي كانت أداة في أيدي المتحاربين. كما أن أسباب الحروب تباينت، فبعد أن كانت الحروب تنشأ بين دول متجاورة عادة، تكريساً لمقولة "كل دولة عدوة لجارتها"، أصبحت، اليوم، الدول المتقاتلة بعيدة كل البعد، بعضها عن بعض. وتكرس الجزء الثاني من المقولة، وهو أن "كل دولة صديقة لعدو جارتها"، لكن من مبدأ تحريض هذا العدو، والاستثمار فيه، من أجل ابتزاز الدول الأخرى.
"إسرائيل" هي المفتاح للشرق الأوسط... من وجهة النظر الأميركية
من الثوابت، التي يحرص الرئيس الأميركي على تأكيدها، التزامُ بلاده أمن "إسرائيل"، وتعزيز التعاون معها، وأن نظرة الولايات المتحدة الأميركية إلى "إسرائيل" كـ"دولة"، تتباين عن نظرتها إلى سائر دول المنطقة، مهما قدمت هذه الدول من تنازلات. فالرئيس بايدن يجب أن يستمع أولاً إلى مخاوف "إسرائيل" ومطالبها، ويقدّم إليها المساعدات التي تطلبها، وينقل رغباتها وتطلّعاتها إلى سائر دول المنطقة، التي يتوجب عليها تنفيذها والانصياع لها.
لكن، في هذه المرة، سيقوم بايدن بالسفر من "تل أبيب" إلى جدة مباشرة، معلناً بذلك تاريخاً جديداً من العلاقات بين "إسرائيل" والمملكة العربية السعودية، وإن لم يكن جديداً، فعلى الأقل ستكون هذه العلاقات انتقلت من السر إلى العلن.
أمّا الجانب الفلسطيني، فسيتم اللقاء معه، وتقديم الدعم المحدود إلى السلطة الفلسطينية، في الحد الذي يمنع انتقال أحداث "الربيع العربي" إلى داخل السلطة، بسبب الفقر والتهميش.
لم يكن التوجه شرقاً خياراً استراتيجياً للعرب... بل مجرد شعار
على الرغم من التصريحات الكثيرة التي يطلقها قادة دول المنطقة، والدول الخليجية على وجه التحديد، بشأن أهمية التوجه شرقاً، والتعاون مع روسيا والصين، فإن هذا التوجه لم يكن نابعاً من قناعة، أو رغبة في تعزيز استقلالية قرارها السياسي، بل كان نتيجة انغلاق البوابة الأميركية في وجوهها، الأمر الذي جعل هذه الدول تبحث عن منافس للولايات المتحدة، من باب المناكفة السياسية، والرغبة في لفت نظر سيدها الأميركي، حتى تتسنى لها العودة تحت وصايته. من هنا، سمعنا، في الفترة الماضية، بشأن تطور في العلاقات بين كل من المملكة العربية السعودية والإمارات مع الصين، إلى درجة أن البعض اعتقد أن الصين قد تأخذ دور الحليف الأميركي بالنسبة إلى دول الخليج، وخصوصاً بعد عقد صفقات لبيع السلاح للمملكة العربية السعودية. لكن الواقع هو غير ذلك بكل تأكيد. فالعلاقات السعودية بالولايات المتحدة علاقات استراتيجية، تجاوز عمرها ثمانية عقود، كانت خلالها الولايات المتحدة هي الحليف الذي دافع عن هذه الدول عند الضرورة، كما حدث بعد الاجتياح العراقي للكويت. وبالتالي، فهي مصدر "الأمن والطمأنينة" الذي لا يُقدَّر بثمن، لدول تعيش هاجس العداء الإيراني لها، وخصوصاً مع تطور القوة العسكرية لإيران، واتساع نفوذها الذي وصل إلى اليمن والعراق وسوريا ولبنان، بحسب اعتقاد هذه الدول.
من هنا، فالهاجس الأمني عامل مهم وحاسم في أي علاقة تقيمها دول الخليج العربي بالدول الكبرى. أمّا الباقي فهي مجرد تفاصيل وعطاءات تتلاءم مع حجم تطور هذه العلاقة الأمنية العسكرية. من هنا، فالصين حتى الآن لا تلبي الحاجة الخليجية، فهي تاجر يبحث عن زبون، وليست في وارد البحث عن حلفاء. فهي، على سبيل المثال، تبيع السلاح لكل دول المنطقة، من دون مراعاة للعداوات القائمة بين تلك الدول. ودول الخليج تشعر بالانكشاف الاستراتيجي، الذي يحتاج إلى مظلة دولية كبيرة لملئه، وهذا غير متوافر حالياً سوى في الولايات المتحدة الأميركية.