زوج "مقاتل" أو مخطوف.. دعاوى الزواج العرفي والطلاق الغيابي تبرز في سوريا

أفرزت الحرب على سوريا تغيرات اجتماعية كثيرة انعكس جزء منها على طبيعة القضايا المرفوعة أمام المحاكم السورية، فما هي أبرزها؟

  • زوج
    زوج "مقاتل" أو مخطوف.. دعاوى الزواج العرفي والطلاق الغيابي تبرز في 

برفقة والدها والمحامي، تقف آمنة في إحدى زوايا القصر العدلي في حلب، بانتظار أن يحين دورها للمثول أمام القاضي. تُخرج من حقيبتها مطرة الماء لتشرب قليلاً، في محاولة منها لتخفيق القلق والتوتر الذي ظل بادياً على ملامحها.

وبرغم أنها متزوجة، فإن الفتاة العشرينية لم تزر مثل هذا المكان أبداً من قبل، لأنها تزوجت زواجاً عرفياً بحضور وليها والمأذون وشاهدين من دون أن يتم تسجيل هذا العقد في المحكمة.

وتحكي ابنة ريف حلب قصتها للميادين نت قائلةً: "تعرفت إلى علاء في القرية، كنت في التاسعة عشر من عمري وهو يكبرني بأربع سنوات، كان شاباً لطيفاً، وفي حين أنني لم أكن أدرس، كان هو يعمل أعمالاً حرة مختلفة، وبرغم أن والدي مانع هذا الزواج في البداية لأن علاء من غير محافظة، لكنه وافق أخيراً".

تمسح آمنة الدموع التي تدفقت بغزارة على وجنتيها وتتابع: "كانت الأوضاع الأمنية حينها متوترة للغاية، لذلك اتفقنا على أن نسجل زواجنا لاحقاً، عشنا أشهراً بسعادة وهناء بانتظار وصول طفلنا، إلى أن أتى اليوم الذي لم يعد فيه زوجي إلى المنزل، فشلت كل محاولاتنا للعثور عليه، سألنا المخافر والمستشفيات وسكان القرى المجاورة وحتى السجلات المدنية، لا نعرف إن كان قتل أو اختطف أو هرب خارج البلاد، الجواب الوحيد فقط هو أنه غير موجود".

رُزقت آمنة بطفلها محمد الذي لا يعرف أبيه ولا حتى عائلته لأنهم لم يصدقوها، كونها لا تمتلك أوراقاً تثبت زواجها، فامتنعوا عن دفع أي نفقة أو أي حقوق.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه آمنة عازبةً على الوثائق الرسمية، يشارف ابنها على الوصول إلى السن الذي يؤهله دخول المدرسة، وتختم حديثها للميادين نت بالقول: "من أجل محمد ومستقبله أنا هنا اليوم، آمل أن ينصفنا القضاء".

خفتُ من المساءلة القانونية

تنتظر ورد كل يوم عودة أولاد الجيران من المدرسة، وانتهاء قيامهم بالوظائف المنزلية كي تستطيع اللعب معهم.

لطالما تساءلت الطفلة التي يبلغ عمرها عشر سنوات ونصف عن السبب الذي يدفع والدتها إلى عدم إرسالها كأقرانها إلى المدرسة، لكنها لم تكن تحصل على جواب ثابت أو واضح.

حتى جاء اليوم الذي طُرق فيه باب أم ورد من قبل فريق جوال لإحدى المؤسسات الإنسانية لدراسة الحالات وتقديم المساعدات الغذائية.

"ما حدث غيّر حياتي"، بهذه العبارة تبدأ الشابة العشرينية حديثها للميادين نت وتقول: "أنحدر من ريف حلب، ولم أدخل إلى المدرسة أبداً، فبحسب العادات عندنا، على الفتاة أن تنتظر حتى يأتي نصيبها، وكان نصيبي أن تزوجت بعمر 14 عام شاباً من قريتنا، ولم نسجل زواجنا في المحكمة، فقط كان عقد قران بوجود شيخ وشهود، لم أكن أعرف أن هذا الأمر ممكن أن يترتب عليه الكثير، حتى أنني لم أسمع من أهلي أو أهله أي ملاحظة بشأن ذلك".

مع تدهور الأوضاع الأمنية، اضطرت الشابة التي كانت قد ولدت ابنتها حديثاً إلى النزوح مع أهلها، بينما اختار زوجها البقاء في القرية للانضمام إلى الجماعات المسلحة هناك، وهو اليوم "يعيش حياته كما يحلو له"، بحسب تعبير السيدة.

وتتابع: "لقد سمعت أنه تزوج وصار لديه أطفال، طوال هذا الوقت لم يعر أي اهتمام لي أو لابنتي، فأنا لم أستطع الزواج مرة أخرى لأن أي زواج لي هو باطل، وورد لا وجود لها في سجلات الدولة".

ترددت السيدة في البداية بالحديث عن حالتها خوفاً من تعرضها للمساءلة، وكونها لا تمتلك أي أموال تساعدها على توكيل محامٍ والدخول في دوامة القضاء، لكنها اليوم تشعر بارتياحٍ كبير لأن فريقاً قانونياً يساعدها من أجل تثبيت زواجها، واستحصال شهادة ولادة للطفلة، ما يعني قدرتها في المستقبل على تعليم ورد وامتلاك دفتر عائلة.

الزواج العرفي وضمان وحقوق الزوجة والأطفال

لم يكن الزواج العرفي ظاهرة غير معروفة في سوريا قبل عام 2011، لكنه ازداد بشكل ملحوظ جداً خلال سنوات الحرب، نتيجة الظروف الأمنية والأوضاع الاقتصادية المتدهورة.

يُوَكَّلُ المحامون يومياً بعشرات قضايا تثبيت الزواج وإثبات النسب، بحسب ما تقوله المحامية ليال عبود للميادين نت، وتوضح: "كان أبناء بعض المناطق في سوريا يلجؤون إلى الزواج العرفي لأنه وبحسب عاداتهم لا يمكن للخطيبين اللقاء والتحدث من دون وجود غطاء شرعي، لكن اليوم أصبح العديد من الشبان يفضلون هذا النوع من الزواج لحجج عديدة، أهمها تجنب الذهاب إلى شُعب التجنيد للحصول على رخصة زواج، وعدم إلزام هذا العقد للزوج، بإعطاء الزوجة الكثير من حقوقها مثل المهر والنفقة وغيرهم".

يعتبر الزواج العرفي صحيحاً شرعاً، إلا أنه غير ضامن لحقوق المرأة ولا لحقوق الأطفال الذين يتركون لمصير مجهول، تشرح عبود، وتقول: "إذا لم تستطع الزوجة تثبيت الزواج، فإن أطفالها يصبحون بالضرورة مكتومي القيد، ما يعني عدم إمكانية تسجيلهم في المدارس والجامعات، كما أنه في حال وفاة الأب يُخشى من ضياع النسب، أما في في حال اختفائه، أو رفضه تثبيت الزواج، أو رفضه تطليق الزوجة، فإنها تبقى شرعاً على عصمته، بينما لا تزال عزباء قانونياً، وهو بإمكانه الزواج عدة مرات".

لا "طلاق غيابياً" في سوريا

لا يوجد مصطلح اسمه "الطلاق الغيابي" في القانون السوري، بل يُعرَف بقضية خلع الزوجة من زوجها بدواع عدّة، تشرحها المحامية ليال عبود للميادين نت: "ترفع الزوجات دعاوى بحق أزواجهن الذين فُقدوا أو هاجروا لسنوات خارج البلاد أو حتى سافروا إلى محافظة أخرى، لفترة طويلة من دون اصطحاب العائلة أو الإنفاق عليها، لتحصيل ما قد يحق لهن من أزواجهن وفقاً لعقد الزواج المبرم والقانون".

وتعمل بعض الزوجات على رفع قضية "تغييب"بدلاً من الطلاق، حيث تتمكن المرأة هنا من إدارة أملاك زوجها، والتصرف بعوائدها من دون أي يكون لها الحق ببيعها.

وتعزو المحامية عبود كثرة هذه الدعاوى في السنوات الأخيرة إلى "هجرة العديد من الرجال للخارج بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، والتهرب من الخدمة الإلزامية، إضافة إلى وجود الكثير من الزوجات اللواتي يُقمن في مناطق سيطرة الحكومة السورية، في حين أن أزواجهن يتواجدن في مناطق سيطرة الجماعات المسلحة".