عشرات آلاف السوريين في الحسكة أمام خطر كارثة إنسانية بعد توقف المساعدات الأممية

بعد توقّف "برنامج الغذاء العالمي" عن تقديم المساعدات الإنسانية في شمال شرق سوريا، أصبح عشرات الآلاف من النازحين في المخيمات والملاجئ المكتظة من دون طعام وشراب.

  • عشرات آلاف السوريين في الحسكة أمام خطر كارثة إنسانية بعد توقف المساعدات الأممية
    عشرات آلاف السوريين في الحسكة أمام خطر كارثة إنسانية بعد توقف المساعدات الأممية

تعود زهرة المحمد (46 عاماً) إلى مخيم "توينة" في ريف الحسكة شمال شرق سوريا وعلائم الحزن والخيبة مرسومة على وجهها، بعد أن فشلت للمرة الثالثة خلال أسبوع في الحصول على سلة مساعدات غذائية من مركز المساعدات الذي كان يؤمّن السلال الإغاثية للنازحين في المنطقة، فالأمم المتحدة أوقفت قبل أيام جميع مساعداتها للمخيمات غير الرسمية في شمال شرق سوريا من دون تبريرات منطقية، في حين حافظت على مساعداتها للمخيمات الرسمية التي تضمّ في غالبيتها عوائل تنظيم "داعش" الإرهابي. 

تقول المحمد للميادين نت: "عام 2017 تعرّض منزلنا في منطقة رأس العين للقصف من قبل الجيش التركي فقتل زوجي، وفي العام 2019 ونتيجة المعارك بين قسد والفصائل المسلحة، نزحتُ مع أولادي وعشرات العائلات نحو مخيم توينة، وبقينا هنا لأن منزلنا تدمّر بالكامل من جرّاء الاشتباكات، وأصبح اعتمادنا بشكل كامل على المساعدات الغذائية، لكن بعد أن توقّفت لا أعرف كيف سينتهي بنا الحال".

حال زهرة المحمد لا يختلف كثيراً عن عشرات الآلاف من المدنيين الذين يقطنون المخيمات في محافظة الحسكة السورية، التي تُعدّ أكثر المحافظات التي تضم مخيمات للاجئين، ومراكز إيواء للنازحين، وجميعها كان يغطيها "برنامج الغذاء العالمي" عبر حصص غذائية تؤمّن احتياجاتهم الأساسية في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تواجههم، وتواجه منطقة الجزيرة السورية بأكملها، لكن بعد إعلان "البرنامج" إيقاف المساعدات لعدد كبير من قاطني المخيمات، بات مصير الواقع الإغاثي في المحافظة أمام مرحلة خطرة قد تؤدي إلى كارثة إنسانية، إذا لم تتمّ معالجتها في أسرع وقت ممكن.

الأمم المتحدة توقف مساعداتها

محافظة الحسكة تضمّ 6 مخيمات للاجئين، منها ثلاثة مخيمات رسمية معترف بها من قِبل الأمم المتحدة وهي "الهول" و"العريشة" و"روج"، وتضمّ هذه المخيمات عوائل مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" من أجانب وعرب، إضافة إلى بعض الأهالي من أرياف دير الزور وباقي المحافظات السورية، ممن اقتادتهم قوات سوريا الديمقراطية إلى هذه المخيمات بعد أن احتلت مناطقهم في الشمال السوري.

كما تضمّ محافظة الحسكة ثلاثة مخيمات عشوائية وغير معترف بها من الأمم المتحدة، تضمّ أهالي مدينة رأس العين وبلدة تل تمر في ريف الحسكة، الذين تهجّروا من منازلهم نتيجة المعارك بين "قسد" و"الجيش الوطني" المدعوم من تركيا، وهذه المخيمات هي "توينة" و"الطلائع" و"نيروز"، ويقطن فيها قرابة 30 ألف شخص، وهذه المخيمات التي أنشأتها قوات سوريا الديمقراطية عام 2019 تم قطع المساعدات عنها بالكامل من قبل "برنامج الغذاء العالمي".

إبراهيم خلف، مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة الحسكة، يؤكد للميادين نت أن برنامج الغذاء العالمي خفّض عدد السلال الغذائية المرسلة إلى سوريا من 5 ملايين سنوياً إلى مليون سلّة فقط، وهذا القرار يشمل جميع الأراضي السورية وليس فقط الحسكة، حيث برّرت المنظمة الدولية هذا الإجراء بنقص التمويل من قبل الدول المانحة، لتبلغ نسبة التخفيض نحو 80%.

ويؤكد الخلف أن المخيمات تعتمد اعتماداً كليّاً على السلال الغذائية في معيشتها، لذلك تعمل الجهات الحكومية في الحسكة على تلافي المشكلة من خلال إجراء مسح اجتماعي لتوزيع مساعدات على المناطق الأكثر احتياجاً، خاصّة وأن محافظات الحسكة والرقة ودير الزور تعتبر من أكثر المناطق احتياجاً للغذاء، وبالتالي يجب تأمين مساعدات بصورة عاجلة لتلك المخيمات. 

ويشير الخلف إلى نقطة جوهرية لا تركّز عليها المنظمات الدولية، وهي استبدال السلال الغذائية بمشاريع التعافي المبكّر، التي من شأنها أن تخلق حالة من التنمية المستدامة عبر إعادة تأهيل البنى التحتية والمرافق العامة، وإيجاد فرص العمل من خلال المشاريع الصغيرة، التي تعود بالنفع على المنطقة وليس على الفرد فقط.

اعتماد كامل على المساعدات

بعد توقّف "برنامج الغذاء العالمي" عن تقديم المساعدات الإنسانية في شمال شرق سوريا، أصبح عشرات الآلاف من النازحين في المخيمات والملاجئ المكتظة من دون طعام وشراب، إضافة إلى الحاجة الملحّة لتأمين مساكن مناسبة للطقس، وصرف صحي كافٍ، ووصول ملائم لمياه الشرب النظيفة والرعاية الصحية والتعليم، وإن كانت كميات محدودة من المساعدات تصل إلى المخيمات الرسمية المعترف بها في محافظة الحسكة، فإن المخيمات العشوائية تشهد أوضاعاً معيشية صعبة من جرّاء انقطاع المساعدات وانتشار الأمراض ونقص المياه.

تسيطر الدولة السورية على مركز محافظة الحسكة، بينما يخضع نحو 90% من ريف المحافظة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، التي تبادلت السيطرة على الريف مع باقي الفصائل المسلحة خلال سنوات الأزمة، حيث شهدت المنطقة معارك عنيفة أدت إلى تدمير أجزاء كبيرة من البنى التحتية، ما جعل الوضع المعيشي صعباً للغاية، وأصبح اعتماد الأهالي على المساعدات الإنسانية لتأمين حاجتهم اليومية من الطعام والشراب. 

شمس البرغش (56 عاماً) من أهالي بلدة "الشدادي" جنوب الحسكة تقول للميادين نت: "بداية عام 2016 تهجّرنا من البلدة نتيجة المعارك العنيفة بين قسد وتنظيم "داعش" الإرهابي، وانتقلنا للعيش في المخيمات، وفي هذه الفترة كان اعتمادنا بشكل رئيسي على السلال الغذائية، لكنها لم تكن كافية لسد احتياجاتنا الأساسية، لذلك اضطررنا للعودة إلى البلدة بعد توقّف المعارك نسبياً".

الوضع في "الشدادي" بعد العودة كان مختلفاً تماماً عن السابق، فالمعارك أدت إلى تدمير عدد كبير من المنازل والأراضي الزراعية؛ تقول البرغش: "تدمير أجزاء من المنزل، وتضرّر الأرض الزراعية، وسرقة الماشية التي كنّا نمتلكها، جعل وضعنا المعيشي صعباً للغاية، وما فاقم المشكلة أكثر هو انقطاع المياه بشكل كامل عن المنطقة، إذ لم يعد بمقدورنا العمل بالزراعة، وهذا الوضع ينطبق على معظم الأهالي العائدين إلى المنطقة، وكانت السلال الغذائية هي خيط الأمل الوحيد المتبقّي أمامهم، لكن حتى هذا الخيط انقطع بعد إيقاف توزيع المساعدات".

قسد تسرق كلّ شيء

المشكلة الأخطر التي تواجه أهالي الحسكة في الوقت الحالي هي مياه الشرب، حيث تعتمد المحافظة على محطة "علوك" الواقعة في بلدة "رأس العين" في ريف المحافظة، لكن بعد سيطرة الفصائل المسلحة على البلدة عام 2019، عمدت تلك الفصائل إلى قطع المياه نهائياً عن المحافظة التي يوجد فيها نحو مليون إنسان، ما تسبّب بكارثة إنسانية غير مسبوقة، دفعت الأهالي إلى الاعتماد على مياه الآبار غير الصالحة للشرب، إضافة إلى شراء المياه من الصهاريج الخاصّة لكن بأسعار مرتفعة للغاية.

تعتمد محافظة الحسكة على الزراعة بشكل رئيسي، لكن هذا القطاع تضرّر كثيراً خلال السنوات الأربع الماضية، نتيجة قطع المياه من قبل القوات التركية في محطة "علوك" إضافة إلى انحباس الأمطار، ما تسبّب بحالة غير مسبوقة من الجفاف اجتاحت المناطق الزراعية في ريف المحافظة، والتي كانت قبل عام 2011 خزاناً استراتيجياً لسوريا بالمحاصيل الزراعية، خاصّة القمح والشعير والذرة، وهذا الأمر أثّر أيضاً على تربية المواشي من قبل المزارعين لتكون الأزمة مزدوجة على أهالي الحسكة.

التدمير الواسع للبنى التحتية في محافظة الحسكة يفرض حاجة ماسّة لمشاريع التعافي المبكر التي من شأنها أن تساهم في إعادة تأهيل ما تمّ تدميره خلال السنوات الماضية، حتى يتمكّن الأهالي من الاستفادة من تلك المشاريع لتحسين الأوضاع المعيشية، ولعلّ أبرز المشاريع التي يجب العمل عليها حالياً هي الكهرباء والمياه والوقود، فعلى الرغم من أن منطقة الجزيرة السورية غنية بالثروات الباطنية من نفط وغاز، إلّا أن كامل الإنتاج تسيطر عليه "قسد"، وتقوم بتهريبه إلى إقليم كردستان بالتعاون مع القوات الأميركية الموجودة في قواعد عسكرية قرب حقول النفط والغاز في المنطقة.