"الكهول ينتظرون أشياء أخرى غير الموت".. حب وأحلام بدار المسنين في سوريا

"الحياة حلوة والحب فاكهتها.. إلى حبيبتي رفيقة المحطة الأخيرة في حياتي"، هذا ما كتبه ميشيل معصب على باقة الورد، التي قدمها لزوجته البلغارية نيللي اتاناسوفا قبل إكليلهما في إحدى كنائس دمشق.

  • "الحياة حلوة والحب فاكهتها.. إلى حبيبتي رفيقة المحطة الأخيرة في حياتي"، هذا ما كتبه ميشيل على باقة الورد التي قدمها لزوجته نيللي

وضعت الحرب في سوريا، كبار السن بمواجهة تحديات اقتصادية وصحية واجتماعية، بعد وفاة وهجرة العديد من أبنائهم، ما جعل اللجوء إلى دور العجزة الخيار الأنسب للمقتدرين منهم.

وبحسب إحصاءات غير رسمية، فإنّ نسبة الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً في سوريا ارتفعت من 3.51% عام 2011 إلى 8.5% عام 2023، كما أنه من المتوقع أن يصبح عدد الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 60 عاماً، أكبر من عدد الأفراد الذين تقلّ أعمارهم عن 12 عاماً، في عام 2050.

خفتُ أن أموت وحيداً بدون أن يعرف بي أحد

بلباسٍ نظيف ومرتب، يجلس أبو ليلى بانتظار صديقيه النزيلين أيضاً في دار المسنين، كي يذهبوا معاً للتنزه في حديقة تشرين. هي السنة الثالثة له في الدار،  ومع ذلك لم يعتد بعد لأن "غير منزل المرء لا يصبح منزله أبداً"، بحسب ما قال للميادين نت.

استشهدت زوجة المهندس المتقاعد من جراء إصابتها بقذيفة هاون أثناء ذهابها إلى عملها عام 2016،  وتزوجت ابنتاه فيما بعد وسافرتا، الأولى إلى فرنسا، والأخرى إلى كندا.

ويصل عدد اللاجئين الذين اضطروا إلى مغادرة سوريا منذ عام 2011، إلى أكثر من خمسة ملايين و584 ألفاً،  نسبة الشباب الذكور منهم بين عمر 18 و59 سنةً، بنسبة تصل إلى 32.9%، بينما تصل نسبة الشابات من اللاجئات اللواتي في الأعمار نفسها، إلى 19.9% بحسب مفوضية اللاجئين.

لا يسمح أبو ليلى لنفسه بأن يشعر بالملل في الدار أبداً، متسائلاً: "من الذي سيهتم إذا تركت نفسي فريسة للوحدة والوحشة؟! لقد جربت هذا الشعور بعد سفر ابنتيّ ولا أريد أن أعيشه مرة أخرى".

"الله يذكرهم بالخير، ما كان في منن"، بهذه العبارة يصف الأرمل الستيني جيرانه في الحي الذي كان يسكن فيه، لكن ما جعله يقرر الانتقال إلى دار المسنين هو"الليالي التي لم يكن يستطيع فيها النوم بسبب ما يسمع عنه من حوادث مرعبة، سرقات وقتل، بحق كبار السن الوحيدين، أو بسبب الخوف من الموت وحيداً من دون أن يعرف به أحد، كما حصل مع الكثير من الناس".

ترسل ابنتا أبو ليلى المال بشكل شهري لأبيهما، وتدفعان تكاليف إقامته وأدويته وكل مصاريفه، ما يجعله مرتاحاً من كافة النواحي قائلاً: "الحمدلله وضعي أفضل بكثير من مسنين آخرين، يعانون المرض والفاقة، ولا يجدون معيناً، أو لا يستطيعون الحصول على الرعاية الصحية التي يحتاجون إليها".

لم أحمل أحفادي أبداً

لم تغيّر أم سامر روتينها الصباحي أبداً بعد انتقالها إلى الإقامة في دار المسنين، إذ إنها تستيقظ مبكراً لتسقي شتلات الحبق التي زرعتها في حديقة الدار، تماماً كما كانت تفعل على شرفة منزلها.

تلقي الأرملة السبعينية على أكتافها شالاً من صنع يدها، ليقيها برودة نسمات أيلول، تضحك وتقول للميادين نت: "لم نعد شباباً يا ابنتي، كل شيء يؤثر فينا بسرعة"، وتتابع: "كنت ماهرة في النسج اليدوي، لكن عيني ضعفتا، وإنارة بطاريات الدار غير كافية".

أنجبت أم سامر أربعة أولاد كلهم سافروا إلى الخارج ليبحثوا عن لقمة عيشهم، بسبب الحرب التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه الآن من أوضاع سيئة.

على كرسي كبير وأمام نباتاتها العزيزات، تجلس واضعةً نظاراتها السميكة، وتستعرض بيديها المرتجفتين صور أحفادها التي تصل إليها يومياً عبر تطبيق واتساب، قائلةً: "يكتّر خير التكنولوجيا"، وتضيف: "لقد عرض عليّ أولادي أن أذهب إليهم، لكنني امرأة مسنة ووضعي متعب، وما بقي لي من العمر أقل مما مضى، أنا سعيدة لأجلهم، لكنني أشعر بغصة لأنني لم أستطع حمل أحفادي أو ملاعبتهم أبداً".

يُذكر أن الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان، كانت قد أجرت دراسةً حول تقييم احتياجات الحماية للمسنين، توصلت إلى غياب المتخصصين في الرعاية، لا سيما بالجانبين النفسي والاجتماعي، وقلة عدد الممرضين وموظفي الرعاية المؤهلين والمدربين، مقارنةً مع أعداد كبار السن في الدور، الأمر الذي رفع من نسبة تعرض بعض المسنين للإهمال.

كما أكدت الدراسة قلة الخدمات والمرافق، وعدم شموليتها، موضحةً أن فئة المسنين لم تحظَ بالاهتمام المناسب بالنسبة للمساعدات الإغاثية.

وركّز أغلب المسنون المشارِكون في الدراسة، على ضرورة الاهتمام بالواقع الصحي لهم، إلى جانب دعمهم لمواجهة الإهمال والعزلة، والبحث عن بديل في حال عدم وجود معيل أو مساعد من الأسرة للمسن.

قد ينتظر المسن أشياء أخرى غير الموت

"الحياة حلوة والحب فاكهتها.. إلى حبيبتي رفيقة المحطة الأخيرة في حياتي"، هذا ما كتبه ميشيل معصب على باقة الورد، التي قدمها لزوجته قبل إكليلهما في إحدى كنائس دمشق.

قصة تعارف الرجل السبعيني على السيدة البلغارية نيللي اتاناسوفا، بدأت عندما قادها القدر للسكن إلى الغرفة المجاورة له، في دار جمعية القديس غريغوريوس الأرثوذكسية لرعاية المسنين.

ويقول ميشيل للميادين نت: "أسكن هنا منذ خمس سنوات، زوجتي السابقة توفيت ولدي ولدان يعيشان خارج البلاد، توفي زوج نيللي أيضاً ولديها ابنان يعيشان في الخارج، لقد أُعجبت بها من النظرة الأولى عندما قدمت لي فنجان قهوة كضيافة، لكنني لم أتوقع بعد هذا العمر، أن صداقتنا سوف تتحول إلى قصة حب".

أما نيللي السيدة الثمانينية التي تتميز بوجه بشوش وحيوية عالية، ضحكت وقالت: "لم أعجب به في البداية، بل كنت أحسه مغروراً، لكنني شعرت أنه هو الرجل الذي أريد أن أبقى معه ويكون سنداً لي، بعد أن تعرضت لوعكة صحية ألزمتني الفراش عدة أيام، لقد أحسست بحبه وحنانه ورعايته".

عادةً ما يخيم الحزن على نزلاء الدار عند وفاة شخص منهم بحكم التقدم في السن، لكن قصة ميشيل ونيللي نشرت السعادة بين النزلاء وأعادت لهم الأمل، إذ أن ما قد ينتظرهم ليس الموت دائماً بل ربما قصة حب جميلة تتوج بالزواج.

ارتفاع نسبة المقيمين في دور العجزة

يبلغ عدد دور المسنين في سوريا  20 داراً، اثنين منها فقط حكومية، الأولى في دمشق والأخرى في حلب. وارتفعت تكلفة إقامة المسن فيها في الشهر الواحد إلى أكثر من 900 ألف ليرة سورية للغرف العادية، وأكثر من مليون ونصف ليرة سورية للأجنحة السويت أي ما يعادل 120 دولار، لا تشمل الأدوية والخدمات الأخرى، بينما راتب الموظف الحكومي  السوري لا يصل إلا إلى ما يعادل 25 دولار تقريباً.

مديرة السياسات في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل رأت أن "زيادة الأسعار أدت إلى رفع الرسوم على المتقدمين للإقامة ضمن الدور لكن بشكل يراعى فيه الحالة الاقتصادية والمادية للمسن إضافة إلى نوعية الخدمة المقدمة".

وتضع دور رعاية المسنين الحكومية عدداً من الشروط قبل الموافقة على قبول أي نزيل، ومن بينها ألا يتخطى عمر المتقدم 70 عاماً، وأن يكون بحالة صحية جيدة، إضافة إلى دراسة كل حالة على حدة.

أما بالنسبة للدور الخاصة الباقية فهي إما تابعة لجمعيات إسلامية أو للكنائس وتعتمد على التبرعات الخيرية من الأفراد والمجتمع الأهلي.

دار الكرامة لرعاية المسنين، واحد من أشهر الدور  التي أكدت إدارتها للميادين نت ارتفاع نسبة  المقيمين فيها إلى عشرة أضعاف عما قبل الحرب، "حيث أن عدد الطلبات المسجلة اليوم  والموضوعة على قائمة الانتظار تصل إلى ما يقارب 500 طلب في حين كانت سابقاً لا تتجاوز 40 طلب".

تشهد الدار بشكل مستمر حالات وفاة لنزلاء انقطع ذووهم عن التواصل معهم أو لم يرافقوهم إلى المستشفى فتقوم الإدارة وحيدة بكافة الترتيبات المتعلقة بالدفن عازيةً ذلك إلى" الأوضاع الاقتصادية والخلافات الأسرية التي غالباً ما تتعلق بأمور الورثة"، مطالبةً الحكومة بإحداث دور للمسنين في كل المحافظات، لتخفيف الضغط عن العاصمة.