بعد جولة مباحثات استكشافية.. مصر وتركيا بين محاولات التقارب واستمرار الخلاف

تحدثت تقارير إعلامية سابقاً عن قائمة مطالب مصرية اعتبرتها القاهرة أساسية في سبيل تطبيع العلاقات، على رأسها انسحاب القوات التركية والمرتزقة من ليبيا.

  • تتصادم المصالح التركية المصرية في ليبيا
    تتصادم المصالح التركية المصرية في ليبيا

رغم ما أكَّده وزير الخارجية المصري سامح شكري بقوله إنَّ مصر متحمّسة للوصول إلى حلّ، وللصيغة الضرورية لاستعادة العلاقات الطبيعية بين مصر وتركيا، فإنه، رداً على سؤال حول الجولة الثانية من المباحثات الاستكشافية بين مصر وتركيا في مقابلة مع "بلومبيرغ" الأميركية، قال إنَّ "مصر قدمت للجانب التركي تقييمها ومتطلباتها... أعتقد أن الجانب التركي يفهم ذلك بشكل جيد، ويمكنه إنجاز هذه الأمور، ونأمل أن يفعلوا ذلك حتى يتسنى لنا المضي قدماً".

لا شكَّ في أن هذا التصريح لشكري، إضافةً إلى البيان المشترك المصري التركي المقتضب الذي صدر بعد الجولة الثانية التي تصر القاهرة على وصفها بالاستكشافية، يؤكد أنّ الهوّة بين الجانبين ما زالت واسعة، وأنَّ هناك الكثير من الخلافات التي لم تحلّ بعد، وأن تطبيع العلاقات بين البلدين يحتاج إلى المزيد من الوقت، رغم رغبة الطرفين في إنجاز الأمر في 5 أيار/مايو الماضي.

وبعد قطيعة استمرَّت 8 سنوات كاملة، زار وفد تركي القاهرة برئاسة نائب وزير الخارجية التركي، لعقد مباحثات مع نظيره المصري، على أمل تحسين العلاقات المتوترة بين البلدين وتطبيعها، غير أنَّ حالة التفاؤل الذي سادت الأجواء في ذلك الوقت حول تطور إيجابي في علاقات القاهرة وأنقرة، سرعان ما تبددت بعد نهاية اجتماعات الجولة الأولى، إذ تباطأت اللقاءات بين مسؤولي البلدين، وتجاهلت السلطات المصرية تعيين سفير في أنقرة ضمن الحركة الدبلوماسية السنوية التي تضمنت تسمية سفير في الدوحة بعد 4 سنوات من قطع العلاقات مع قطر، على الرغم من تصريح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قبلها بأيام حول وجود اتفاق مصري - تركي على عودة السفراء بشكل متبادل، واجتماع لوزيري الخارجية خلال الفترة المقبلة.

وزير الخارجية المصري سامح شكري كشف في تصريحات إعلامية عن تقديم مصر حزمة من المطالب والتوقعات للجانب التركي خلال جولة المباحثات الاستكشافية الأولى، إذا تمت مراعاتها سيتم تذليل مصاعب عودة العلاقات إلى طبيعتها، مؤكّداً أن رفع مستوى العلاقات سيكون "في الوقت المناسب"، وبما يراعي المصالح المصرية.

وتحدثت تقارير إعلامية سابقاً عن قائمة مطالب مصرية اعتبرتها القاهرة أساسية في سبيل تطبيع العلاقات، على رأسها انسحاب القوات التركية والمرتزقة من ليبيا، ووقف عمل القنوات التلفزيونية التي تبث من تركيا، وتسليم المطلوبين من جماعة الإخوان المسلمين، والتوقف عن دعم الجماعة أو التدخل في الشأن الداخلي المصري، إضافة إلى وقف التدخلات التركية في الشؤون الداخلية لسوريا والعراق.

وكانت استجابة تركيا تتمثل فقط بأنها أوقفت عمل قنوات المعارضة الإخوانية التي تبث من الأراضي التركية، ومنعت أسماء بارزة منها من الحديث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأقرت لجنة صداقة للبرلمان مع نظيرة المصري، بينما تجاهلت بقية المطالب.

نظرت مصر إلى ذلك بعين الريبة والشك، واعتبرتها إجراءات غير كافية، وكان الصدام في مؤتمر برلين 2 حول الأزمة الليبية، إذ تمسَّك وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال المؤتمر الذي عقد في 24 حزيران/يونيو الماضي بخروج جميع القوات الأجنبية ومن سماهم "المرتزقة" من الأراضي الليبية، بينما تحفظت تركيا عن البند الخامس من البيان الختامي للمؤتمر، الذي ركَّز على وجوب سحب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من "دون تأخير" من ليبيا، وهو ما أعقب خلافاً مصرياً تركياً في أروقة المؤتمر، تحدّثت عنه وسائل إعلام ليبية، غير أنَّ التساؤل المهم في هذه المرحلة هو: ما الجديد الذي دفع الجانبين إلى استئناف المفاوضات في هذا التوقيت؟ وما حدود التناقضات بينهما؟ وهل يمكن لهذه المباحثات حلحلة حدّة الخلاف؟

 في الواقع، إنَّ كثيراً من المراقبين في مصر ما زالوا يرون أنَّ الرغبة الملحة لدى إردوغان لإصلاح العلاقات مع مصر لا تعدو أن تكون سوى مناورة، وليست تغييراً جوهرياً في سياساته الخارجية، وذلك بفعل أسباب داخلية تتعلق بأوضاع حزبه الحاكم، وأخرى خارجية مرتبطة بتغير الإدارة الأميركية والضغط الأوروبي عليه، وما ترتب على ذلك من آثار سلبية على الاقتصاد التركي. لذلك، عبر عن رغبة في تحسين العلاقات مع مصر والإمارات والسعودية، وأيضاً فرنسا، لكنه حتى الآن لم يغير سياساته التوسعية في سوريا والعراق وشرق المتوسط وشمال أفريقيا أو ما سماها سياسات "العثمانية الجديدة".

بدا ذلك واضحاً في ما اعتبرته القاهرة تدخلاً سافراً في شأنها الداخلي والقضائي في أعقاب الانتقاد الذي وجهه مستشار الرئيس التركي في حزب "العدالة والتنمية"، ياسين أقطاي، في أول أيار/مايو الماضي، إلى مصر ونظامها القضائي عقب صدور حكم إعدام 17 عنصراً من جماعة "الإخوان المسلمين"، بتهمة تورطهم في هجوم إرهابي في منطقة كرداسة في القاهرة في العام 2013، إضافة إلى تصريحات استفزازية من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان نفسه في تموز/يوليو، عندما قال إنَّ تركيا "موجودة في ليبيا وأذربيجان وسوريا وشرقي المتوسط، وستبقى"، في لهجة تحدٍّ تصعيدية.

وأضاف خلال تفقده مصنع جنازير الدبابات في ولاية صقاريا شمال غربي تركيا: "سننتزع حقوقنا المشروعة، وسنقوم بأعمال التنقيب في كل بحارنا، ولا سيما شرقي المتوسط ومحيط قبرص"، الأمر الذي اعتبره البعض في مصر عودة إلى سياسة أنقرة العدائية والاستفزازية لدول المنطقة، ومؤشراً جديداً على فشل المسار التفاوضي مع القاهرة، ومن ثم توقفت الاتصالات بين البلدين، حتى كان الإعلان عن استئنافها مرة أخرى يومي السابع والثامن من أيلول/سبتمبر الجاري في أنقرة، وسط مناخ دولي وإقليمي يدعو إلى محاصرة الخلافات والوصول إلى تفاهمات بين الفرقاء الإقليميين لمواجهة التحديات الجديدة في المنطقة، وعلى رأسها العودة الجديدة لـ"طالبان" في أفغانستان والتراجع الأميركي في المنطقة، إلا أنَّ تلك الجولة الثانية، كما يبدو، لم تنجز الكثير، وتمخض عنها بيان مشترك يمكن أن نقول عنه إنه هزيل ويحمل في مضمونه حجم الخلافات التي ما زالت قائمة بين البلدين، ويمكن أن نوجز أهم نقاط الخلاف في التالي:

 ملفّ "الإخوان"

تقدّم تركيا دعماً غير محدود لأعضاء جماعة الإخوان التي صنفتها الحكومة المصرية كجماعة إرهابية، وتستخدم تركيا تنظيمها الدولي لتحقيق الهيمنة التركية وأهدافها السياسية والعبث بمقدرات الدول والشعوب العربية، سواء في مصر أو سوريا أو ليبيا أو تونس أو غيرها من الدول. 

هذا الأمر ترفض مصر استمراره، وهي لا تقبل بأن يكون مجرد الرد التركي على المخاوف المصرية والتهديدات للأمن القومي المصري من قبل هؤلاء المعارضين، ومن بينهم متهمون بالإرهاب وأشخاص صدر بحقهم أحكام في أحداث إرهابية، دعوة إعلاميين منتمين إلى هذا التنظيم إلى التوقف عن مهاجمة الدولة المصرية، وهو الأمر الذي أعربت مصر عن استحسانه، ولكنه، من وجهة نظرها، ليس بالأمر الكافي.

المطلوب، وفقاً للرؤية المصرية، هو وقف كلّ أشكال الدعم لتلك الجماعة، وعدم التدخل نهائياً في الشأن الداخلي المصري، وتسليم المطلوبين الصادر ضدهم أحكام في مصر، وإلا تكون الجنسية التركية هي الغطاء الذي تحميهم به أنقرة لاستخدامهم لتنفيذ أهدافها في المنطقة، وفقاً لرؤيتها والتوقيت المناسب لها. 

ونشير هنا إلى أنَّ الحكومة المصرية، وطوال فترة الخلاف مع تركيا منذ العام 2013، رفضت أن تتواصل أو أن تفتح أراضيها لعناصر من الكرد أو لأعضاء من جماعة عبد الله غولن المعارضين لنظام إردوغان، رغم دعوات العديد من القوى السياسية النظام إلى اتباع السياسات نفسها التي يتبعها في احتضان العناصر المعارضة.

الملف الليبيّ

تتصادم المصالح التركية المصرية أيضاً في ليبيا بدعم كلٍّ منهما لطرف من أطراف الصراع الليبي، إذ ساندت مصر قوات المشير خليفة حفتر في شرق البلاد، بينما دعمت تركيا الحكومة السابقة المتمركزة في العاصمة طرابلس، وتطالب مصر تركيا بسحب القوات التركية، إضافةً إلى المرتزقة الذين جلبتهم تركيا من ليبيا، فوراً، وهو ما تعارضه أنقرة بشدة حتى الآن، رغم ما قاله إبراهيم كالين، مستشار إردوغان والمتحدث باسم الرئاسة التركية، من أن المحادثات المصرية - التركية يمكن أن تساعد في الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في ليبيا، لكن على الرغم من دعوة الأمم المتحدة جميع القوات الأجنبية لمغادرة ليبيا، أشار كالين إلى أنّ ضباط الجيش التركي والمقاتلين السوريين المتحالفين معهم سيبقون هناك.

وقال: "لدينا اتفاق لا يزال قائماً مع الحكومة الليبية"، مشيراً إلى اتفاق العام 2019 الذي مهَّد الطريق لتدخل تركي حاسم لدعم حكومة طرابلس. هذا الأمر ترفضه مصر، وترى فيه تدخلاً سافراً في الشأن الليبي، ومحاولة من تركيا عبر مستشاريها ومرتزقتها الذين جلبتهم لدعم المليشيات المنتمية إلى الإخوان في ليبيا والتأثير في الانتخابات المزمع إجراؤها نهاية العام الجاري.

ورغم أنَّ مصر أن يمكن تتفهَّم المصالح الاقتصادية التركية في ليبيا، وليس لديها ما يمنع من قبول التواجد الاقتصادي والتجاري لها، فإنَّها ترفض بشكل واضح تهديد الأمن القومي لمصر عبر حدودها الغربية الممتدة إلى أكثر من 1200، وعبر وجود قوات وميليشيات إسلامية أو وجود نظام يتبنى فكراً إخوانياً معادياً لمصر.

 ملف شرق المتوسط 

 تعتبر تركيا أنَّ ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان وتشكيل منتدى غاز البحر المتوسط الَّذي يضم أعضاء، منهم اليونان وقبرص و"إسرائيل"، بات عقبة في نظر البعض أمام طموحاتها في الحصول على حصة من غاز المتوسط.

في الجانب الآخر، ترفض مصر الاتفاقية البحرية بين أنقرة وحكومة طرابلس وعمليات التنقيب التركية في شرق المتوسط، فيما يعتبر اعتداء على حقوق كلّ من قبرص واليونان، وهو الأمر الذي عبّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة عن رفضه، وأكد تضامن بلاده مع كل من اليونان وقبرص، إذ أكد ثبات موقف مصر إزاء الوضع في منطقة شرق المتوسط، والقائم على ضرورة التزام جميع الدول باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وخصوصاً مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة والمياه الإقليمية للدول، وذلك وفق نص كلمة الرئيس السيسي في أحد مؤتمراته الصحافية مؤخراً.

 ملف القضايا الإقليمية

لا شكَّ في أنّ الأوضاع في كلٍّ من سوريا والعراق والسلوك التركي في كلا البلدين تعتبر أيضاً ملفات مفتوحة بين البلدين؛ فمصر، رغم تفهّمها ما تردده تركيا من مخاوف من تنظيمات إرهابية على الحدود مع الدولتين، ولكنها، وفي كلِّ المحافل الإقليمية والدولية، ترفض أن يكون ذلك ذريعة لأي اعتداء تركي على سيادة كلا الدولتين، وهو الأمر الّذي يبدو واضحاً عبر الاحتلال التركي لأراضٍ عراقية وسورية، بدعوى تعقّب جماعات إرهابية.

كلّ هذه الملفات السابقة ما زالت مفتوحة، وما زال الخلاف فيها قائماً، ومصر ترفض ما تريده تركيا من تحسين وتطبيع كامل للعلاقات وتبادل للسفراء، بغض النظر عن هذه الخلافات وتجاوزها كما تريد تركيا، فمصر ترى أنَّها تطالب بتغيير جدي في أمور جدية، وأنها، وإن كانت ترغب في التجاوب مع الإلحاح التركي لتحسين العلاقات، ترفض أن يكون ذلك من دون أي ثمن ومن دون تصفية لأسباب الخلاف بين البلدين.

هل يكون "اتفاق الطرفين على مواصلة المشاورات وتأكيد رغبتهما في تحقيق تَقدُم بالموضوعات محل النقاش، والحاجة إلى اتخاذ خطوات إضافية لتيسير تطبيع العلاقات بين الجانبين"، كما جاء في البيان الختامي المشترك للجولة الثانية للمباحثات الاستكشافية التي جرت مؤخراً في أنقرة، مؤشراً إيجابياً للمرحلة القادمة، وأنَّ هناك بالفعل خطوات سوف يتم اتخاذها من الطرفين لتجاوز الخلافات أو أننا ما زلنا في المربع الأول في العلاقات بين البلدين؟ هذا ما ستكشفه الأيام القليلة القادمة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد ناصر حافظ

مدير مكتب الميادين في القاهرة