مشروع الربط الكهربائي الثماني: التوتّر السياسيّ والأمنيّ أضعف خطوطه

أحداث ما سمي بـ"الربيع العربي" كانت أكبر من أن يقدر مشروع فني، كالربط الثماني، أن يواجهها أو يتحملها، ولا سيّما أنَّ 3 دول من أعضائه كانت مسرحاً لهذه الأحداث.

  •  المشروع نجح في تمرير كميات جيدة من الطاقة الكهربائية بين الدول الأعضاء
    المشروع نجح في تمرير كميات جيدة من الطاقة الكهربائية بين الدول الأعضاء

هي مفارقة لا تحدث إلا في دول نامية يزخر جوفها وسطحها بموارد وثروات ليست قليلة. ومع ذلك، تعيش وتتنقّل من أزمة إلى أخرى، والسبب أنَّ تلك الموارد غير مستثمرة نتيجة النزاعات والخلافات المحلية والإقليمية، أو أنها ثروات منهوبة داخلياً عبر شبكات الفساد ومراكز القوى، أو مستولى عليها خارجياً بأشكال باتت متعدّدة.

ولعلَّ أزمة الطاقة الكهربائية التي تئن تحت وطأتها اليوم دول عربية عدة، خير مثال على تلك المفارقة، فالعراق الذي احتل في نهاية العام 2019 المرتبة الخامسة عربياً باحتياطياته من الغاز الطبيعي، يضطر حالياً إلى استيراد كميات كبيرة من الغاز والكهرباء الإيرانيين، وسوريا التي كانت قبل أزمتها المشؤومة تؤمن جزءاً مهماً من احتياجاتها الداخلية من الطاقة الكهربائية، تلجأ منذ عدة سنوات إلى تطبيق نظام تقنين قاسٍ بسبب نقص إمدادات الغاز لمحطات التوليد وسيطرة قوات أجنبية ومجموعات مسلحة على حقول النفط والغاز فيها. 

أما لبنان، الذي يمنّي النفس أيضاً بتحقيق اكتشافات غازية تجعله في عداد الدول المنتجة، فقد وضعته أزمته الاقتصادية المستمرة منذ نحو عامين في مواجهة خطر التعتيم الكامل. وليست باقي الدول أحسن حالاً، فهي، وإن كانت مكتفية كهربائياً، إلا أنها تتحضر لمرحلة عجز مستقبلية، أو تعاني من ارتفاع في تكاليف إنتاج تلك الطاقة، أو لديها طاقات إنتاجية غير مستثمرة.

وسط هذه الأزمات والمشاكل الطاقية القطرية، جاء مؤخراً مشروع نقل الكهرباء الأردنية إلى لبنان عبر سوريا ليسلّط الضوء على مشروع أنفق عليه خلال عقدين من الزمن ما يقارب 556 مليون دولار، وكان في مقدمة أهدافه، قبل أن يتوقَّف استثماره مطلع العقد الثاني من القرن الحالي، تأمين احتياجات دوله الأعضاء من الطاقة الكهربائية عبر تمرير الفائض الكهربائي بين شبكات 8 دول، 7 دول منها عربية وواحدة أجنبية، ما يعني ببساطة أن دولاً كلبنان وسوريا والعراق تمر حالياً بأزمات اقتصادية معينة، ما كان لها أن تعاني ما تعانيه اليوم في المجال الطاقوي.

خطوة أولى للربط العربي الكامل

على مدار عقدين من الزمن، تمكّنت 8 دول في المنطقة هي ليبيا، ومصر، والأردن، وفلسطين، وسوريا، والعراق، ولبنان، وتركيا، من تجاوز خلافاتها السياسية ومحدودية علاقاتها الاقتصادية ومشاكلها الفنية المختلفة، لتربط شبكاتها الكهربائية الوطنية مع بعضها البعض خلال فترات زمنية متفاوتة، ومن ثم تستثمرها في دعم احتياجات بعضها من الطاقة. 

البداية كانت مع مشروع ربط خماسي ضمّ كلاً من مصر والعراق والأردن وسوريا وتركيا، ثم انضم إليه لبنان لاحقاً عن طريق ربطه بسوريا، ليصبح الربط سداسياً. وبعد ذلك، انضمت إليه ليبيا وفلسطين، ليصبح ثمانياً. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا المشروع يعرف باسم الربط الثماني (EIJLLPST)، وهو يمثل الحرف الأول من اسم كلّ من الدّول الثماني.

دخل المشروع حيّز الاستثمار فعلياً في العام 1998، عندما تم أولاً وضع خط الربط المصري - الليبي، وثانياً خط الربط المصري – الأردني، في الخدمة. وبعد نحو 3 سنوات، أي في العام 2001، تم ربط الأردن بسوريا. 

وفي العام 2009، جرى تشغيل الخط الذي يربط لبنان بسوريا. وبعد ذلك، تم ربط أجزاء من الشبكة الفلسطينية بالشبكتين المصرية والأردنية، وبقدرات تغذية محدودة. كما تم إنجاز معظم الأعمال اللازمة لتحقيق الربط بين الشبكتين السورية والعراقية مع بدايات العقد الماضي، إلا أن الأزمة السورية حالت دون تحقيق عملية الربط والتشغيل، في حين أن خط الربط السوري - التركي وضع لفترة محدودة جداً في التشغيل، ليتوقف لاحقاً مع بدايات الأزمة السورية.

وتظهر المعطيات والبيانات الإحصائية القطرية أنّ المشروع نجح في تمرير كميات جيدة من الطاقة الكهربائية بين الدول الأعضاء، والأهم أنه حقَّق ضمن الظروف السياسية والاقتصادية السائدة ما وجد من أجله، إذ إنّه أسهم مرحلياً في تحقيق 4 فوائد اقتصادية مباشرة لدوله الأعضاء: سدّ احتياجات بعض الدول من الطاقة الكهربائية بشكل سلس وبسيط، وتأمين منافذ تصديرية للفائض الكهربائي الموجود لدى دول أخرى، سواء بشكل دائم أو خلال فترات زمنية معينة، ورفد خزينة كل دولة بإيرادات سنوية جراء رسوم العبور التي كانت تتقاضاها كل دولة تمر عبرها الكهرباء من دولة إلى أخرى، والأهم خفض الحاجة إلى ضخ استثمارات كبيرة في مجال توليد الطاقة، ما دامت هناك كميات متوفرة لدى دول أخرى ويمكن الاستفادة منها.

لكنَّ أحداث ما سمي بـ"الربيع العربي" كانت أكبر من أن يقدر مشروع فني، كالربط الثماني، أن يواجهها أو يتحملها، ولا سيّما أنَّ 3 دول من أعضائه كانت مسرحاً لهذه الأحداث، بدءاً من ليبيا التي حولها "الناتو" إلى ساحة معارك متعددة الوظائف والغايات، مروراً بمصر التي شهدت خلال 4 سنوات ثورتين متتاليتين ومواجهات مباشرة بين الجيش ومجموعات مسلحة في سيناء، وصولاً إلى سوريا بأزمتها المستمرة منذ العام 2011، فضلاً عن انخراط دول إقليمية كتركيا في دعم فصائل مسلَّحة في كل من سوريا وليبيا، وسيطرة تنظيمات جهادية على كامل الحدود السورية - العراقية لأكثر من 4 سنوات.

كل ذلك، بما تضمنه من اعتداءات مباشرة على الشبكات الوطنية، كان كفيلاً بأن يجعل المشروع يتوقَّف على المستوى الكلي، ويحتفظ بنشاط متقلب زمنياً على المستوى الثنائي، إذ إن الربط مثلاً بين الشبكتين المصرية والأردنية بقي قائماً خلال السنوات السابقة، لكن مع تباين في فترات التشغيل نتيجة الظروف الأمنية والوضع الطاقوي لمصر، كما أنّ الشبكة السورية تمكَّنت لغاية العام 2017 من تغذية نظيرتها اللبنانية ببعض الكميات من الكهرباء، إنما تم ذلك أيضاً خلال فترات زمنيّة متقطّعة.

من تمرير الطاقة إلى إنتاجها

اليوم، ومع قرب نجاح عملية إعادة الربط بين شبكات 3 دول عربية، هي سوريا والأردن ولبنان، وخلال فترة زمنية قياسية لا تتعدى الشهرين، فإنَّ الحديث يبدو مشروعاً عن مدى إمكانية إعادة تشغيل مشروع الربط الكهربائي بجميع حلقاته، على الأقل في هذه المرحلة، بين دوله العربية الأعضاء، وخصوصاً أنَّه يشكل، إلى جانب مشروعات أخرى، نواة لمشروع السوق العربية المشتركة للكهرباء، والذي يفترض أن تنفذ مرحلته الأولى خلال الفترة الممتدة بين العامين 2019 و2024.

بعد حوالى عقدين ونيف على انطلاقته، لم يعد مستقبل مشروع الربط الثماني يرتبط فقط بوجود طلب متزايد على الكهرباء لدى بعض دوله الأعضاء، إنما يكمن العنصر الأهم اليوم في مدى توفر فائض في الكميات المتاحة لتلبية احتياجات تلك الدول، وهو ما بدا واضحاً خلال النصف الأول من العقد الثاني عندما زاد الاستهلاك الداخلي لدى بعض الدول، كمصر مثلاً، من الطاقة الكهربائية، في وقت كانت الكميات المنتجة محلياً تحافظ على وضعها الذي بات غير كافٍ، أو تتراجع تحت ضغط نقص توريدات الغاز وضعف إنتاجية محطات التوليد الكهربائية، وغير ذلك، فكانت النتيجة توقّف تمرير الطاقة بين أجزاء المشروع.

وبناءً على ذلك، فإنَّ "بث الروح" مجدداً في المشروع يحتاج إلى مقاربة مختلفة عن العقدين اللذين نُفذ فيهما، تتجلى في الخيارات التالية:

- إعادة النظر في أوجه التعاون التي كان المشروع يفرضها عند التأسيس، لتتجاوز مسألة مجرد تبادل الفائض من الطاقة الكهربائية المنتجة إلى التعاون في مجال إنتاج الطاقة الكهربائية، من خلال بناء تشاركية بين الدول المنتجة للغاز والدول التي تملك بنية طاقوية تحتية تمكّنها من زيادة كمياتها المنتجة من الكهرباء، كالعراق المالك لاحتياطيات كبيرة من الغاز، وسوريا والأردن القادرتين ضمن هوامش معينة على توليد كميات إضافية من الكهرباء، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ليبيا ومصر.

 وللعلم، إن البيانات الصادرة عن صندوق النقد العربي تشير إلى أن إجمالي كميات الغاز المسوق عربياً بلغ مع نهاية العام 2019 حوالى 610.6 مليارات م3، وهي كمية تشكل ما نسبته 14.9% من الكميات المسوقة عالمياً، في حين أنَّ احتياطيات الدول العربية من الغاز الطبيعي قدّرت مع نهاية العام نفسه بحوالي 54.609 مليار م3، وهي كمية تشكّل ما نسبته 26.7% من إجمالي الإحتياطي العالمي.

- دراسة إمكانية ربط المشروع مع مشروعات عربية أخرى مشابهة أو مع بعض الشبكات الكهربائية الكبيرة، والتي تملك فائضاً كهربائياً يضمن تحقيق الجدوى الاقتصادية من المشروع. مثلاً، يمكن أن يرفع انضمام المملكة العربية السعودية إلى المشروع حجم الكميات المتاحة للتبادل، ولا سيما أنَّ الأمر أصبح متاحاً مع إطلاق القاهرة والرياض مؤخراً مشروعاً للربط الكهربائي بينهما، والحال نفسه يمكن أن ينطبق على إمكانية ربط مشروع الربط الكهربائي الخليجي مع الربط الثماني أو مشروع الربط المغربي.

- دراسة إمكانية تسريع عملية ربط المشروع بمحيطه غير العربي من تركيا إلى إيران، فإسبانيا وإيطاليا وغيرهما. مثل هذه الدول يملك معظمها طاقات إنتاجية عالية من الكهرباء، ويصدر بعضها أو أنه قادر على زيادة الطاقة الإنتاجية في حال توفرت الأسواق المستهلكة، وعملية الربط ستكون بمنزلة الطريق لإيصال المنتج إلى المستهلكين بسهولة ويسر وتقوية الشبكات الوطنية.

- التعاون الفني لتجاوز الفوارق الحاصلة في تكاليف الإنتاج والمتغيرة بين بلد وآخر، وبشكل يضعف الجدوى الاقتصادية لخيار الربط، واستبدال خيار آخر به، يتضمن رصد الحكومات للمزيد من الاستثمارات المحلية لرفع كمية الإنتاج المحلي من الطاقة الكهربائية.

- التعاون في مجال توسيع مجالات الاستثمار في الطاقات المتجددة لزيادة نسبتها من إجمالي الكميات العربية المنتجة من الكهرباء، وتالياً زيادة حضورها في التجارة الإقليمية للطاقة الكهربائية ضمن المشروع المذكور وتوسعاته المستقبلية، ما من شأنه دعم التحول نحو الطاقات المتجددة، والمساهمة الإقليمية في تقليل الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري والتلوث البيئي. وهنا، يمكن الاستفادة من نتائج تجربة كل من مصر والإمارات والمغرب والأردن في مجال إنتاج الطاقات المتجددة وما حققته إلى الآن.