رئاسيات الجزائر .. الحل في استعادة الثقة

عندما تتلمس الواقع الجزائري وتتصفح وجوه الناس في الشارع وتقرأ ملامحهم وتستنطق شفاههم، تجد أن هناك أزمة ثقة عميقة بين الشعب والسلطة بكل مؤسساتها السياسية والإدارية.

 

  • رئاسيات الجزائر .. الحل في استعادة الثقة
    رئاسيات الجزائر .. الحل في استعادة الثقة

 

الثقة في مفهومها البسيط والعميق يتجلى معناها فيما تحققه المؤسسة السياسية أو السلطة للمواطن من احتياجات ومطالب اجتماعية وآمال وطموحات، فالثقة تنشأ دائماً من ضمان العيش الكريم والكرامة للمواطن، تلك الكرامة التي تشعره بالانتماء والمواطنة وتبعد عنه الشعور بالاغتراب.

الثقة تعتمد على تقييم المواطنين لمدى التزام السلطة بتنفيذ ما وعدت به وما أكدت تحقيقه، وهي تمثل أيضاً انعكاساً لأداء الحكومة والبرلمان والرئيس ومدى حسن إدارة ثروات البلاد والاقتصاد ويمكن قياسها من خلال درجة رضا المواطنين بهذا الأداء.

إذا فشلت السلطة في ذلك، فهي تفقد مصداقيتها وثقتها لدى الشعب، والسلطة في الجزائر بمختلف مؤسساتها لم تفشل فقط في سياستها وإدارتها وبرامجها، بل فقدت قدسيتها وهيبتها ولم توفق حتى في الاحتفاظ باسمها فسميت بـ"العصابة‪" بدل السلطة بسبب الفساد الكبير الذي طالها وبشكل فاضح وصادم.

أجل، المواطن الجزائري اليوم، مصدوم من هول حجم الفساد ‪الذي كان وراءه رموز السلطة ابتداء من الرئيس إلى الحكومة وأعضائها، فبعد أن فقد الثقة في السلطة التشريعية (البرلمان) نتيجة إخلالها بمهمة تمثيل الشعب والدفاع عن مطالبه، فقد الثقة في الرئيس والوزير ورئيس الحكومة، أي كل ما يمثل منظومة الحكم.

الثقة بين المواطن الجزائري والسلطة لم تتزعزع فحسب، بل أصبحت مفقودة تماماً، خصوصاً بعد ما كشفت عنه سلسلة المحاكمات ضد المتورطين في قضايا الفساد من أرقام خيالية تلخص حجم الفساد الذي أفلس البلاد وأفقر الشعب وزعزع أركان الدولة. 

الأرقام رهيبة فعلاً، فأحمد أويحيى وعبد المالك سلال اللذان توليا رئاسة الحكومة لسنوات، تسببا في خسائر فادحة للخزينة العمومية قدرت بملايين الدينارات.

الوزراء أيضاً على سبيل المثال، الذين تولوا رئاسة قطاع الصناعة على غرار عبد السلام بوشوارب، الذي لا يزال فاراً، وبدة محجوب، ويوسف يوسفي، كانوا وراء خسائر فادحة تكبدتها الخزينة العمومية. 

هذه الأرقام المرعبة التي كشفت عنها أولى المحاكمات، وإن أكدت حسن نية العدالة بمحاسبة الفاسدين، وتطبيق قاعدة القانون فوق الجميع، هي واقع وليست مجرد مسرحية. هي في نظر الكثيرين من المواطنين سبب كاف لرفض الانتخابات التي ترشحت فيها شخصيات كانت على علاقة مباشرة مع السلطة، وكل من له علاقة من قريب أو من بعيد بالنظام السابق هو مرفوض وليس محل ثقة.

استعادة الثقة بين الطرفين تحتاج إلى عهد موثوق من جانب السلطة وتواجد حقيقي للمؤسسة السياسية وتعامل مسؤول وجاد بينهما لتكون معبرة عن هموم واحتياجات المواطن بكل شرائحه الاجتماعية، وتحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى طمأنة المواطن بعزم السلطة على استعادة الأموال المنهوبة، لأن محاكمة بعض رؤوس الفساد ليس كافياً ما لم يصاحبه استرجاع المال العام، الذي أصبح مطلباً شعبياً، كذلك التخلص من كل آثار الفساد وملاحقة الفاسدين وإبعاد الوجوه الموالية للنظام السابق كلياً من المشهد السياسي والاقتصادي.

كل هذا لن يتأتى إلا إذا شعر المواطن بوجود قطيعة فعلية مع الممارسات السابقة للقائمين على شؤون البلاد ومن ثم تبدأ الثقة في نسج خيوطها شيئاً فشيئاً.

هناك حقيقة مرتبطة بالمواطن الجزائري وهي فقدانه الثقة، ليس فقط في السلطة كممثلة للسياسة في البلاد بل حتى في الأحزاب جميعها وكل ما له علاقة بالسياسة.

هذه الحالة كرستها أسباب جوهرية، ارتبطت بالصراعات والمصالح الشخصية الضيقة ‪والفساد، وقد انعكس هذا على معنويات المواطن، إلى درجة أصبحت أزمة الثقة وحدة قياس للمواطن الجزائري يطبقها على جميع المتواجدين في الواجهة السياسية من دون استثناء.

النظرة السلبية للمواطن تجاه كل ما هو مرتبط بالسياسة ترجمه رفضه لإجراء الانتخابات، لأن المشاركة فيها بالنسبة إليه هي تجديد الثقة في رموز السياسة الذين ليسوا أهلا للثقة، ولم يمارسوا المعارضة السياسية بشكل فعلي ولا يمكنهم أن يكونوا البديل الذي ينتظره المواطن.

أما أولئك الذين قرروا الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، فلا يفعلون ذلك اقتناعاً ببرامج المرشحين، ولكن من باب أن الانتخابات تضمن الاستقرار للبلاد وتجنبها الانزلاق الأمني، ومن المؤكد أن عامل الأمن والاستقرار هو الأمر الذي يتفق عليه الجميع ناخبين ومقاطعين، وهو الخط الأحمر الذي لا يُسمح بتخطيه، ما يفسر قدسية الجيش كمؤسسة تضمن الأمن والأمان للبلاد.

ما يتطلبه الوضع في الجزائر اليوم، هو ترميم الثقة بشكل سريع رغم صعوبته، والاكتفاء مبدئياً بمعالجة الحالة بالترميم، ثم التفكير في بناء الثقة لأن عملية البناء طريق طويل يحتاج تعبيده إلى العمل والمكاشفة والمصارحة أمام المواطن، بشكل يجعله شريكاً فعالاً في المعادلة السياسية، وبالتالي معالجة شرخ الثقة الموجود بينه وبين السلطة. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حياة بن بتقة

صحافية جزائرية