الفرنسي الباحث عن انتصار: من لبنان إلى بريطانيا

يمكن الإشارة إلى أسباب متعددة للتوترات بين فرنسا وبريطانيا، بعضها اقتصادي وسياسي، لكن العامل الشخصي الشعبوي في كلا البلدين لا يمكن إغفاله.

  • لا شكّ في أن أزمة ماكرون الداخلية تنعكس على أدائه الخارجي.
    لا شكّ في أن أزمة ماكرون الداخلية تنعكس على أدائه الخارجي.

تتصدّر فرنسا النشرات الإخبارية العالمية في حدثين؛ إرسال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لحلّ المسألة اللبنانية المعقدة وتهديد اللبنانيين غير المنصاعين للأوامر الفرنسية، والتوتر العسكري بين فرنسا وبريطانيا على خلفية نزاع على رخص الصيد البحري قرب جزيرة جيرسي البريطانية.

وكما كان متوقعاً منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، بدأت المشاكل البحرية حول الصيد البحري، واحتدمت المسألة بين الفرنسيين والبريطانيين، إذ أرسل الطرفان سفنهما الحربية إلى القناة الإنكليزية. 

وقد بدأت التوترات بين الطرفين بعد أن قامت الجزيرة بتشديد الإجراءات التي تسمح للصيادين باستعمال مياهها، ما سبب أضراراً فادحة لبعض الصيادين الفرنسيين. لم يسكت الفرنسيون، وهدّدوا بقطع الكهرباء عن جيرسي، إذ إن معظم توريدات الطاقة الكهربائية (95%) التي تستخدمها الجزيرة تأتي من فرنسا عن طريق الكابلات البحرية.

وأعلنت البحرية الفرنسية أنها أرسلت زورقين إلى المياه المحيطة بجزيرة جيرسي التابعة للتاج البريطاني في القنال الإنجليزي، وذلك رداً على قيام رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، بإرسال سفينتي حراسة تابعتين للبحرية الملكية لمراقبة احتجاج الصيادين الفرنسيين في المياه حول ميناء جيرسي.

تعيدنا هذه الحادثة والتهديد العسكري بين البلدين بالذاكرة إلى الحروب الكثيرة التي خاضها الفرنسيون والبريطانيون بين بعضهم البعض منذ القرون الوسطى ولغاية الحرب العالمية الثانية، ومنها بالتحديد حملة جاسكون بين العامين 1294 و1303.

بدأت تلك الحرب بنزاع بين البلدين حول الصيد البحري أيضاً، ثم ما لبث أن تطور إلى حرب بحرية توسعت لتتحول إلى حرب حقيقية شاملة بينهما. في العام 1293، تحولت معركة بين البحارة قبالة سواحل جاسكون، بين قوارب صيد جاسكون ونورمان، إلى حرب بحرية مفتوحة بين البحريتين الإنجليزية والفرنسية، كانت مقدمة للتوترات المستقبلية بين البلدين، والتي بلغت ذروتها في حرب المائة عام بينهما.

واليوم، وبالنظر إلى الأسباب التي تدفع كلاً من بريطانيا وفرنسا إلى استعادة توترات شبيهة إلى حدٍ كبير بالتوترات التي طبعت العلاقة بينهما خلال القرون الوسطى، يمكن الإشارة إلى أسباب متعددة، بعضها اقتصادي وسياسي، لكن العامل الشخصي الشعبوي في كلا البلدين لا يمكن إغفاله:

 

في فرنسا

يعيش الفرنسيون على وقع التحضير للانتخابات المحلية في 20 و27 حزيران/يونيو المقبل، وعلى وقع التحضير لانتخابات رئاسية في العام 2022.

ويعاني الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحزبه تراجعاً كبيراً في الشعبية عكسته الانتخابات البلدية العام الماضي، فقد مُني فيها حزب ماكرون بخسائر فادحة. كما يعيش الفرنسيون على وقع تظاهرات "السترات الصفراء" المناهضة لماكرون وسياساته، والتي تشهدها فرنسا منذ سنوات من دون توقف. 

وفي اعترافٍ واضح من الحزب الحاكم في فرنسا (حزب ماكرون) بأنه بات أضعف وأقل شعبية من أن يحقق الفوز في بعض المناطق بمفرده، شكّل الحزب المنتمي إلى يمين الوسط تحالفاً مع حزب الجمهوريين المحافظ لخوض الانتخابات المحلية القادمة.

أما الانتخابات الرئاسية، فتشير التوقعات إلى معركة رئاسية صعبة سيخوضها ماكرون في وجه مرشحة اليمين مارين لوبان وباقي المرشحين، ومنهم مرشحة السترات الصفراء. وقد تراجعت شعبيته بعد جائحة كورونا واتهامه بعدم التعامل بفعالية معها.

 

في بريطانيا

يواجه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، المعروف بـ"ترامب بريطانيا"، بسبب شخصيته الفظّة ولسانه السليط وخطاباته الانتخابية الشعبوية، انتقادات وتوترات من قبل الأوروبيين منذ خروجه من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق شامل. وكان ما سُمي بـ"حرب اللقاحات"، والتي بدأت في شهر آذار/مارس المنصرم، المؤشر الأبرز على أن الكلام المنمّق بين كل من بريطانيا والاتحاد الأوروبي يخفي وراءه مشاعر سيئة متبادلة بين الطرفين.

وقد تصاعدت "حرب اللقاحات" حين أقرّت المفوضية الأوروبية آلية للإشراف على تصدير اللقاحات إلى خارج دول الاتحاد، ما أثار انتقادات بريطانيا؛ الوجهة الرئيسية للجرعات المصدرة من القارة الأوروبية. ويتهم الأوروبيون بريطانيا بأنها استوردت ملايين الجرعات من الاتحاد الأوروبي. في المقابل، لم يتلقَ الاتحاد أي جرعة منتجة في بريطانيا.

هكذا، وانطلاقاً من هذا التراجع الشعبي على أبواب معارك انتخابية حاسمة، يبدو ماكرون مستعجلاً لتحقيق انتصار ما أو الظهور بمظهر الرئيس القوي الذي يحافظ على مصالح فرنسا، ولو باستخدام القوة أو التهديد باستخدامها. لذا، سيقوم باستخدام أي أزمة أو فرصة لتسويق نفسه في الداخل وزيادة حظوظه في الفوز في الانتخابات. 

لا شكّ في أن أزمة ماكرون الداخلية تنعكس على أدائه الخارجي، وهو ما شهدناه في تعامله مع أزمة لبنان التي أراد أن يسجّل فيها انتصاراً لمبادرته بأي ثمن، فأخطأ أخطاء فادحة أدت إلى فشلها، ما جعله يهدد بفرض عقوبات على "المعرقلين"، كما شهدنا في تعامله مع تركيا وتهديدها ثم تراجعه، واليوم في التصعيد العسكري مع بريطانيا، والذي لم يكن ضرورياً لحلّ أزمة يمكن حلّها بالحوار والدبلوماسية.

أما العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وعلى الرغم من أن الأزمة ستعبر عبر الحل الدبلوماسي، فإن المعارك الجانبية المحدودة بينهما مرشحة إلى المزيد من التفاقم، ما يسمح بالمزيد من الاستخدام السياسي على أبواب عامين من الانتخابات القادمة في العديد من دول الاتحاد، وفي ظل ارتفاع أسهم اليمين الشعبوي الأوروبي... المؤكد أن العلاقة بين الطرفين ستبقى ضمن الحلول الدبلوماسية لحلّ المسائل العالقة، في وقت يعاني الجميع تداعيات أزمة كورونا التي ستدفعهم إلى التعاون لمواجهة الركود المنتظر، لكن اليمين والشعبوية سيكونان بالمرصاد لإيقاد نار تبدو تحت الرماد.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

إقرأ للكاتب

"قمة السبع" تتحدّى الصين: "طريق حرير" مُوازٍ

استطاع بايدن أن يحقق إنجازاً سيدفع التنافس العالمي مع الصين إلى مستوىً غير مسبوق: إقرار خطة...

القلق الإسرائيلي: فقدان الشرعية الدولية!

إن صياغة استراتيجيتين، إعلامية وسياسية، تبدو ضرورة ملحة، وخصوصاً أن الإسرائيليين يخشون أن تتحوّل...

الانسحاب الأميركيّ من الشّرق الأوسط: حقيقة أو مناورة؟

التحذيرات التي يطلقها المسؤولون الأميركيون قد تكون جزءاً من التصريحات التي توظّف في الكثير من...

الانتصار الفلسطيني: بين التقييم الحسابي والنوعي

التركيز على الخسائر البشرية والمادية في غزة لإنكار النصر الفلسطيني يجافي التقييم النوعي...

كيف نواجه حرب التضليل الإسرائيلية في منصات التواصل؟

في توقيت مستغرَب، قام بعض المغرِّدين في "تويتر" و"فيسبوك" بإثارة النعرات المسيحية الإسلامية في...

الإخلاءات في الشيخ الجراح في منظار القانون الدولي

تؤكّد اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية المرتبطة بها، إضافة إلى نظام روما الأساسي أن تشريد...