ليزا حسين اسحق

كاتبة من سوريا

دروسٌ في حرب تشرين التحريرية

في مثل هذه الفترة منذ 46 عاماً،  دوَّت صفَّارات الإنذار في تل أبيب واندفع قادة العدو الإسرائيلي الذين غرِقوا في سبات غطرستهم بأنهم "الجيش الذي لا يُقهَر"، تدكّهم الصواريخ السورية- المصرية، توقِظهم من وَهْمِهم وتُجرْجُرهم للركوع أمام أحقيّة القضية العربية. إنها حرب تشرين، التي انتشلت خنجر نكسة 1967 ونكبة 1948 زرعته في قلب كل إسرائيلي، ودفعت قادته إلى الاستقالة، واجتثّت أكثر من ألفيّ جندي إسرائيلي.

صورة من حرب تشرين التحريرية
صورة من حرب تشرين التحريرية

تصف رئيسة وزراء العدو في كتابها "اعترافات غولدا مائير" والذي خصَّصت الفصل الرابع عشر منه لحرب تشرين وعَنوَنته  ب "الهزيمة" ، وصفت الحرب "بالكارِثة الساحِقة، و"الكابوس" الذي عاشته بنفسها وسيظلّ معها على الدوام. تعترف بداية بفشل تقارير استخباراتها  باستقراء الحرب على الجبهتين السورية- والمصرية حيث خلصت الاجتماعات التي عقدها العدو قبل اندلاع الحرب إلى عدم الحاجة للتأهّب والاستنفار واستدعاء الاحتياطي، فالقوات التي احتشدت على الجبهتين السورية- المصرية لم تكن قادِرة على القيام بأيّ هجومٍ عسكري إنما هي قوات غَرَضها القيام بالمُناورات المُعتادة والخوف من هجومٍ إسرائيلي مُباغِت، تقول مائير: "لم تكن الصدمة في الطريقة التي بدأت فيها الحرب فقط، ولكنها كانت في حقيقة أن معظم تقديراتنا الأساسية ثُبت أنها خطأ".

وبدل أن تُطلق أصوات (الشوفار) أو البوق -إيذاناً بانتهاء الصيام في يوم (كيبور) المُقدَّس عند اليهود والذي تتوقَّف فيه الحياة كليّة لمدّة أربع وعشرين ساعة، دوَّت صفَّارات الإنذار في تل أبيب مُعلنة اندلاع الجبهة التي كانت تغلي على صفيحٍ ساخِن.

حقَّقت القوات على الجبهتين تقدّماً ملحوظاً حيث تغلغل السوريون في عُمق مُرتفعات الجولان وعبرت القوات المصرية القناة وتحطّمت قوات العدو، الذي أخذ يطرح إمكانية القيام بانسحابٍ جذري وإقامة خط جديد للدفاع لاسيما وأن خسائره على الجبهتين كانت في تزايُد، حتى أن هذا الوضع دفع وزيرالحرب موشي دايان لتقديم استقالته التي قوبِلَت بالرفض من قِبَل رئيسة الوزراء. (اعترافات غولدا مائير، ص 324).

تقول مائير إنه في خامس أيام الحرب "دفعنا السوريين إلى العودة عبر خطوط وقف إطلاق النار 1970 وبدأنا الهجوم على سوريا، أما في الجنوب فقد سكن الوضع نسبياً وفكّرنا في قيام جنودنا بعبور القناة"، حيث كانت الإمدادات العسكرية الأميركية أخذت بالتدفّق لدعم العدو الإسرائيلي في اليوم التاسع للحرب بمعدّل طائرة كل 15 دقيقة، وتصف مائير الجسر الجوي الأميركي بقولها:

"إن هذا الجسر الجوي لا يمكن تقدير قيمته إنه لم يرفع روحنا المعنوية فقط، ولكنه ساهم في توضيح الموقف الأميركي أمام الاتحاد السوفياتي وساعدنا كثيراً من الناحية العسكرية، وقد بكيت لأول مرةٍ منذ بداية الحرب عندما علمت أن الطائرات الأميركية وصلت إلى مطار اللد" (اعترافات غولدا مائير، ص-312).

 لكن لم يكن الدعم الأميركي وحده مَن ساهم في قلب الكفّة لصالح العدو، بل إن خيانة وكذب الرئيس المصري السابق أنور السادات كما يصفها الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المُسلّحة المصرية في كتابه "مذكَّرات حرب أكتوبر" ساهمت بذلك حيث قال:

 "إني اتّهم السادات بجريمة حِصار الجيش الثالث، يوم 23 أكتوبر والذي أجهض انتصارات حرب أكتوبر المجيدة، وأجهض سلاح البترول، وأجهض الحِصار البحري الفعَّال الذي فرضته مصر على إسرائيل، وأفقدَ القيادة السياسية المصرية القُدرة على الحركة والمناورة، وجعلها ألعوبة في يد إسرائيل وأميركا".(مذكَّرات سعد الدين الشاذلي، ص- 311).

كما انتقده محمّد حسنين هيكل في كتابه "أكتوبر 1973 السلاح والسياسة"، عندما قام بإرسال رسالةٍ إلى وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر في ثاني يوم الحرب ولم يكن قد مضى على الحرب 20 ساعة بعد،  قال فيها: "إننا لا نعتزم تعميق مدى الاشتباك أو توسيع مدى المواجهة" وقام كيسنجر بدوره بنقلها إلى رئيسة وزراء العدو الإسرائيلي، الذي قام بتكثيف ضرباته على الجبهة السورية، واستطاعت القوات المصرية من القيام بعملية العبور،  ثم أمرَ السادات بتطوير الهجوم نحو المضائق يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول باستخدام فرقتيّ الاحتياط اللتين كانتا تستعدان لردّ أية محاولة إسرائيلية للعبور غرب القناة، الأمر الذي رفضه كل من الفريق سعد الدين الشاذلي ووزير الحرب أحمد إسماعيل ونبّها من العواقب الوخيمة لهذا التحرّك، والتي أدّت لثغرة الدفرسوار لاختراق العدو مواقعهم ووقوع كارثة حِصار الجيش المصري الثالث، وقبول السادات مُنفرداً من دون إخبار الرئيس الأسد عن قرار وقف إطلاق النار مع إسرائيل والذي أفضى في النهاية إلى اتفاقية كامب دايفيد المُخزية 1978.

وإذ نستحضر اليوم الذكرى السادسة والأربعين لحرب تشرين التحريرية،  نستمدّ منها دروس الكرامة والعزَّة وكيف تجسَّد التضامُن العربي في أقوى صورته خلال الحرب، من خلال حَظْر تصدير النفط إلى الولايات المتحدة وهولندا، عندما أعلن وزراء البترول العرب عن خفض إنتاج النفط  إلى 5%، وأعلن الملك فيصل في السعودية عن خفض الإنتاج بنسبة 10% كل شهر، وأعلنت البحرين من جانبها إلغاءها لاتفاقات بمَنحِها تسهيلات خاصة في ميناء البحرين.

ولم يقتصر الأمر على البترول بل أرسلت الدول العربية بعض قواتها إلى ساحة القتال من ليبيا، الجزائر، العراق، السودان، المغرب، الكويت، تونس، الأردن واليمن، وشراء بعض الزعماء العرب في الجزائر وليبيا طائرات من فرنسا والاتحاد السوفياتي لدعم المجهود الحربي (مذكّرات محمود رياض 1948- 1978، ص 458).

وبرز فيها صمود الجيش العربي السوري  بأسمى درجاته الذي تجلّى في شنّه حرب التحرير، بينما سعى السادات إلى تحريك محادثات السلام مع العدو وكان لقراره في قبول وقف إطلاق النار، والموافقة مُنفرداً على اتفاقية فكّ الاشتباك وصولاً لحين خرجت مصر من الصراع العربي- الإسرائيلي بشكلٍ نهائي من خلال توقيع اتفاقية كامب دايفيد 1978 التي قال فيها وزير الخارجية المصري  محمّد إبراهيم كامل إنها "مذبحة التنازُلات"  شكّلت برأيي "النكسة الثانية" للعرب، لأن  كامب دايفيد مهَّدت الطريق أمام اتفاقيات السلام المُنفرِدة مع العدو الإسرائيلي، بالتالي شتّتت القضية الفلسطينية وأضعفت موقفها، ودفعت بعض الدول الغربية تحذو حذوهم بإقامة علاقات مع الكيان الإسرائيلي على مبدأ أنهم لم يطبّعوا حتى وجدوا أن أصحاب القضية نفسهم قد طبَّعوا. وهي السبب في ما نراه اليوم من تطبيع علاقات بعض الدول العربية مع الكيان الإسرائيلي، بينما بقيَ الرئيس حافظ الأسد على موقفه الثابِت في جميع مفاصل الحرب والمفاوضات مُركّزاً على مبدأ "السلام العادِل والشامِل" الذي يُعيد الحق ويحافظ على الحقوق والكرامة.

تأتي ذكرى حرب تشرين التحريرية  لتُذكّرنا أن العرب كانوا يوماً قلباً واحداً ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولكن صوتاً عربياً واحداً غرَّد خارج السرب سبَّب جرحاً لم يندمل في وحدة الصف العربي. وعلى إثره انقسم بين محور المقاومة، ومحور مَن يُسمّون أنفسهم بمحور "الاعتدال". وبين المحورين العدو الإسرائيلي جاثِم في قلب الوطن العربي يستغلّ كل ثغرة تماماً كما الدفرسوار ليُفرِّق وحدة الصف أكثر ليسود هو.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً