محمّد نادر العمري

كاتب وباحث سوري

اقتراب الحج الدبلوماسي السعودي إلى دمشق

التطوّرات المُتسارِعة والأحداث المُتعاقِبة تشير إلى أن السعودية هي الأقرب للمُصالحة مع دمشق من بين سائر الدول التي وقفت على الضفة الأخرى طوال سنوات التآمر، وذلك استناداً إلى عدد من المُعطيات.

  • اقتراب الحج الدبلوماسي السعودي إلى دمشق

مما لاشكّ فيه أن الملف السوري بدأ يشهد تطوّرات على الصعيدين السياسي والعسكري ترافقت مع مناخاتٍ تصبّ بتوجّه الجانب العربي الخليجي الذي بات أكثر نضوجاً في هذه الآونة لإعادة تصحيح مسار علاقاته مع دمشق، مع توافُر العديد من المؤشّرات التي فرضها الصمود السوري ومَتانة محوريّ المقاومة ومُحارَبة الإرهاب على الواقِع السياسي.

1- رغم نفي الأمين العام لجامعة الدول العربية بأنه لم ينقل رسالة إلى الوفد السوري وأن لقاءه معه أثناء اجتماعات الدورة 74 لجمعية الأمم المتحدة حَدَث بمَحْضِ الصُدفة وتأكيده أن الوقت مازال مُبكراً لعودة سوريا إلى الجامعة العربية، إلا أن ما حصل من إقدام أبو الغيط بخَرْقِ الدائرة الدبلوماسية السورية في إحدى أروقة الأمم المتحدة للقول لهم «مساء الخير.. مش معقول» لم يكن تحرّشاً أو سلوكاً بريئاً، لعدَّة أسباب:
•  لأن الجامعة العربية بمُعظم أعضائها ومسؤوليها كانت حريصة أشدّ الحرص وتتقصّد بَحذَرٍ تام، عدم حصول أيّ لقاء أو مُصافحة أو دعوة لأيّ تمثيل لوفدٍ حكومي سوري في أيّ استحقاق إقليمي أو دولي منذ بدء الحرب على سوريا بهدف عَزْلها وسَحْب شرعيّة التمثيل منها.
•  هذا الموقف يُذكِّرنا بالمُصافحة واللقاء السريع الذي حصل بين وزير الخارجية السوري ونظيره البحريني العام الفائت وبذات المكان والاستحقاق، والذي أثمَر إعادة العلاقات الدبلوماسية وافتتاح سفارتيّ الإمارات والبحرين في دمشق مطلع العام الحالي.
•  تحرّش الأمين العام لجامعة الدول العربية حصل مباشرة بعد اجتماع أبو الغيط مع وزير الخارجية السعودي إبراهيم العسّاف، الأمر الذي يفرض احتمالاً قوياً وهو التمهيد لمُصالحةٍ سعوديةٍ سورية.

2- اجتماع وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم مع نظيره العُماني يوسف بن علوي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لمدّةٍ تزيد عن ساعةٍ من دون أيّ بيانٍ إعلامي أو تصريحٍ صحفي من كلا الجانبين، الأمر الذي يُشير إلى احتماليّة قيام عُمان بنقل رسالةٍ إلى الوفد السوري أو بدور المساعي الحميدة في إنجاز مُصالحةٍ بين جامعة الدول العربية أو أحدى الدول الخليجية مع دمشق.
3- الاهتمام الإعلامي الخليجي بجناحيه السعودي والقطري بنقل وبثّ كلمة الوزير المعلم على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة من دون أيّ انقطاع،  في سابقةٍ هي الأولى من نوعها منذ سنوات.
4- تأكيد المعلم في كلمته على المنبر الأممي، أن سوريا لا تريد الانتقام من الدول التي ناصَبتها العداء، مُضيفاً: «نمدّ أيدينا للحوار على أساس مصالحنا المُشتركة وندعو الدول إلى إعادة حساباتها».

5- موقف الجامعة العربية من إدانة العدوان التركي على الشمال السوري رغم عَدَم وصوله إلى الآمال المُتوقَّعة.

ثبات صحّة ومصداقية هذه المؤشّرات تفرض علينا الإجابة والتفكير بسؤالٍ يفرض نفسه بقوّة، أيّ من المُقاربات هي الأقرب للتطبيق الواقعي: عودة دمشق إلى الجامعة العربية؟ أو عودة العلاقات الدبلوماسية القَطَرية مع سوريا بدعمٍ وتشجيعٍ إيراني؟ أو مُصالَحة سعودية سورية تُمهِّد لعودة دمشق إلى جامعة الدول العربية وتفتح الأبواب على مصراعيها لبدء موسم الحج الدبلوماسي العربي نحو سوريا؟

التطوّرات المُتسارِعة والأحداث المُتعاقِبة تشير إلى أن السعودية هي الأقرب للمُصالحة مع دمشق وإعادة الدفء إلى العلاقة بينهما  استناداً إلى المُعطيات التالية:

أولاً: إحياء واستكمال المُبادرة الروسية من قِبَل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكلٍ شخصي أثناء زيارته التي أجراها إلى السعودية مؤخّراً، فهذه المُبادرة توقَّفت أو تأخَّرت نتيجة ثلاثة اعتبارات:

-الأول الضغط الأميركي الذي مارسته واشنطن على المملكة بهدف عدم عودة العلاقات في إطار الضغط الأميركي لفَرْضِ الحصار الاقتصادي على دمشق وفَرْض العُزلة السياسية عليها.

أما الاعتبار الثاني فهو يتمثّل بالزجّ الأميركي للسعودية بقيادة مشروع تشكيل مجالس عشائرية تكون رديفة ومُكمِّلة لما يُسمَّى «الإدارة الذاتية» ومُنخرِطة معها في ذات التوجّه.

أما الاعتبار الثالث فهو انشغال السعودية بعدوانها على اليمن بعد تقلّص نفوذها وتأثيرها في المشهد العسكري السوري بعد هزيمة ميليشيا «جيش الإسلام» ونقله إلى الشمال السوري وتشرذُمه وتغيّر مرجعيته نحو المظلَّة التركية.

ثانياً: ما كشفه المُدوِّن الشهير المعروف بـ«مُجتَهِد» بداية شهر أيلول/سبتمبر الماضي عن عَزْمِ السعودية على إعادة تطبيع العلاقات مع الدولة السورية، مؤكّداً أن السفير السعودي سيصل خلال أسابيع إلى دمشق.

ثالثاً: عودة بعض وجهاء العشائر العربية الموجودين في السعودية منذ أعوامٍ إلى سوريا خلال الأسابيع الماضية، في مُقدّمهم شيخ مشايخ قبيلة الجبور العربية نواف عبدالعزيز المسلط والذي تربطه علاقة قَرابة مع العائلة المالِكة السعودية، وتأكيده أن الرياض تمضي بشكلٍ إيجابي للوصول إلى علاقاتٍ مُميَّزةٍ مع دمشق، وأن الرياض تعتبر سوريا صمَّام الأمان في المنطقة.

رابعاً: العامِل الأهم والأكثر إلحاحاً للسعودية وبخاصةٍ لوليّ العهد محمّد بن سلمان، من إعادة علاقاتها مع دمشق بهدف عدم تغيّب السعودية عن الحل السياسي في سوريا يُبعدها عن المُشاركة في إعادة الإعمار، وبهدف إعادة التوازُنات القديمة إلى المنطقة للحدّ من توسّع النفوذين التركي والإيراني، ولأن السعودية أصبحت بحاجةٍ إلى الحوار مع إيران ولا يمكن حصول ذلك إنْ لم تتوافر الظروف والبيئة السياسية لذلك، والتي تتطلّب حَلْحَلة بعض الملفات في سوريا واليمن، وبخاصةٍ أن الأحداث الأخيرة من تفجيرات «الفجيرة» وصولاً إلى أزمة «أرامكو» أظهرت عدم جدّية أميركا في شنّ أيّ عدوان على إيران، بل توظيف تلك الأحداث لابتزاز السعودية والخليج مادياً وبما يخدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إنعاش اقتصاد بلاده قبل خَوْض الانتخابات الرئاسية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً