واشنطن وموسكو ومركزيّة الشرق الأوسط

اليوم بات واضحاً أن التخلّي الأميركي عن الكرد وتركيا، جاء في توقيتٍ استراتيجي تمّ استثماره سورياً وروسياً. فحين يُعطي ترامب الضوء الأخضر لتركيا لاجتياح مناطق الكرد، فهو حُكماً قد كَسَرَ التحالف مع الطرفين، وهنا يكمُن الفرق الاستراتيجي بين السياستين الروسية والأميركية في سوريا.

  • واشنطن وموسكو ومركزيّة الشرق الأوسط

كثيرون شكَّكوا بأن واشنطن لن تُقدِم على الانسحاب من سوريا، انطلاقاً من نظريةٍ ثابتةٍ تتمثّل بأهمية الشرق الأوسط ومركزيّته السياسية والعسكرية، خاصة أولئك الذين يرون في التواجد الأميركي في سوريا، دعماً لموقفهم وتوجّهاتهم. من هنا وصف هؤلاء الانسحاب الأميركي من سوريا بالكارثي. وفي تصريحٍ أدلى به المُلحَق العسكري السابق في السفارة الإسرائيلية في واشنطن، الجنرال إيلي بن مير، أقرَّ خلاله بأن هذا الانسحاب "لا يُعتَبر أفضل نتيجة من وجهة نظر إسرائيلية، لكن للولايات المتحدة الأميركية مصالحها المشروعة". هذا التصريح يؤكِّد بأن الوكيل الإقليمي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، هو أكثر مَن يشعر بتغيّر الأولويات الأميركية حيال قضايا المنطقة.

ومن المؤكَّد أن الزيارة الخاطِفة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى "إسرائيل" تأتي في سياق طَمْأنتها، فقد أكَّد بومبيو أن انسحاب القوات الأميركية من شمال شرق سوريا لم يُعرِّض أمن "إسرائيل" للخطر.

في المقابل، فإن دونالد ترامب لم يُخف يوماً رغبته بالانسحاب من سوريا، مُعتبراً أن هذا التواجُد هو تورّط. خاصة وأن ترامب أعلن مِراراً أن الحروب في ليبيا والعراق كانت لها الآثار الكارثية على واشنطن، في حين ينبغي على الإدارة الأميركية وبحسب نظرة ترامب، تركيز جهودها على روسيا والصين، ومواجهة صعودهما إقليمياً ودولياً.

الوقائع أثبتت أن الانسحاب الأميركي من سوريا بات أمراً واقعاً، فالولايات المتحدة لم تعد قادِرة على خوض صِراعاتٍ مُتعدِّدةٍ في الآن نفسه، وباتت ضرورية جَدوَلة مهامها دونما الاعتماد على النظريات العسكرية، نظراً إلى تعاظُم قوّتي روسيا والصين.

في هذه الجزئيّة، فرضت التطوّرات المُتسارِعة في الشرق الأوسط، نَمَطاً أميركياً جديداً في التعاطي مع المُستجدات، خاصة تلك المُتعلّقة بالجوانب العسكرية، فالحروب الشرق أوسطية أدخلت واشنطن في نفقٍ لا نهاية له، وهذا ما أكَّده ترامب حين قال "غرقت واشنطن في حروب الشرق الأوسط التي لا نهاية لها". لتكون النتيجة تحوّلات كُبرى في موازين القوى، والسعي الأميركي الحثيث لمواكبتها.

من هنا، لا يمكن بأية حال من الأحوال وضع الانسحاب الأميركي من سوريا خارج هذا الإطار. لكن التبريرات التي سوَّقتها الإدارة الأميركية للبقاء في سوريا عقب القضاء على "داعش"، كمحاولة منع "داعش" من الظهور مُجدَّداً، أو التصدّي لإيران في المنطقة، أو التركيز على الكرد وتعزيز النزعة الانفصالية لديهم، بُغية حِرمان الدولة السورية من مواردها النفطية شمال شرق سوريا، وللتأثير على طبيعة الحل السياسي. تُظهر أن ما يتم التسويق له، مُخالف بالكلية لطبيعة الظروف السياسية والعسكرية التي تؤطّر شمال شرق سوريا.

فانتصارات الدولة السورية مع حلفائها أظهرت محدودية القدرة الأميركية على التأثير في سياق الملف السوري، وأفرغت مضمون التبريرات الأميركية للبقاء في سوريا، مع مفاعيلها وتأثيراتها، فالتطوّرات المُتسارِعة التي فُرِضَت أثناء وقبل التدخّل الروسي في سوريا، كذَّبت قدرة واشنطن على صوغ معادلات سياسية وأخرى عسكرية في سياق الحرب على سوريا.

اليوم بات واضحاً أن التخلّي الأميركي عن الكرد وتركيا، جاء في توقيتٍ استراتيجي تمّ استثماره سورياً وروسياً. فحين يُعطي ترامب الضوء الأخضر لتركيا لاجتياح مناطق الكرد، فهو حُكماً قد كَسَرَ التحالف مع الطرفين، وهنا يكمُن الفرق الاستراتيجي بين السياستين الروسية والأميركية في سوريا.

هذه إشكالية أظهرت بوضوحٍ العجز الأميركي على التعامُل مع الأزمات لاسيما بين حلفائها، بينما روسيا فقد تميّز أداؤها بالدفاع عن حلفائها الأفرقاء، ومن ثم السعي الحثيث إلى إيجاد حلٍ سياسي لهم.

الهجوم التركي على شمال شرقي سوريا، أظهر جلياً التبايُن بين الدورين الروسي والأميركي في سوريا، فلحظة التخلّي الأميركي قابلها دخول روسي مؤثّر على خط الأزمة لخَفْضِ التصعيد بين الأفرقاء، ونجحت موسكو في ذلك. فتقريب وجهات النظر بين الدولة السورية والكرد، ولاحقاً بين سوريا وتركيا، هو خير دليل على أن موسكو باتت عرَّابة الحل السوري. هذا الأمر سيفتح الباب واسعاً أمام إعادة ترتيب النظام الإقليمي، والاستراتيجية الروسية تعتمد على تقريب وجهات النظر بين كافة الأفرقاء وإرساء نُظُم التعاون وتبادُل المنافِع،  في حين ساهمت واشنطن في تدمير هذا النظام، عبر التجييش ضد إيران خليجياً وكذا تركيا، إضافة إلى جملةٍ واسعةٍ من التناقُضات في التعاطي السياسي مع حلفائها.

ضمن هذا الإطار، باتت دول الشرق الأوسط التي تماهت مع السياسة الأميركية، تبحث عن شراكاتٍ استراتيجيةٍ تضمن أمنها، وفي جانبٍ آخر تضمن الانخراط في مُعادلة التفاوض للتوصُل إلى حلول. وفي ظلّ الانسحاب الأميركي من سوريا والجُزئي من الشرق الأوسط، تحاول واشنطن التركيز على محاولاتها لوقف صعود الصين وروسيا.

يُكرِّس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه رقماً صعباً في مُعادلات الشرق الأوسط، وهو ما تبدَّى في تمكّنه من فرض شروطه السياسية في سوريا. والواضح أن النفوذ الروسي تخطّى القدرة على التأثير في الورقة السورية، ليصبح التأثير الروسي فاعِلاً ومؤثّراً في جُلّ قضايا الشرق الأوسط.

بعد ثلاثة عقود على انهيار الاتحاد السوفياتي، بات واضحاً أن النُخب السياسية في واشنطن، بدأت تُدرِك أن الحُقبة التي برزت فيها الولايات المتحدة كقوّةٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ لا يمكن تطويقها في الشرق الأوسط، قد انتهت، وأن هناك مُنافِساً قوياً بات من الضروري التعامُل معه. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أظهر قدراً كبيرا من القوّة والنفوذ والمصداقية، خلافاً لما يُظهره ترامب. من هنا موسكو تتحوَّل شيئاً فشيئاً إلى وجهةٍ أساسيةٍ للقادة الإقليميين الراغبين في حل مشاكلهم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً