"الألتراس": هل هم حقاً مُجرَّد شباب "تافهين"؟

في إحدى المرات قال لي صديق حين سألته عن نتيجة إحدى مباريات كرة القدم التي كان يحضرها من الملعب وبدأت "أتَفذَلك" في شرح خطّة ذلك الفريق وخصمه: "بصراحة أنا لم أكن مُبالياً ولا مُكترِثاً لما يحدث على أرضيّة الملعب على الإطلاق".

"الألتراس": هل هم حقاً مُجرَّد شباب "تافهين"؟

في إحدى المرات قال لي صديق حين سألته عن نتيجة إحدى مباريات كرة القدم التي كان يحضرها من الملعب وبدأت "أتَفذَلك" في شرح خطّة ذلك الفريق وخصمه: "بصراحة أنا لم أكن مُبالياً ولا مُكترِثاً لما يحدث على أرضيّة الملعب على الإطلاق".

سألته بنبرةٍ ساخِرةٍ: "ولماذا تجشّمت عناء الدخول إلى الملعب إذن"؟. ردّ قائلاً: "من أجل الجماهير والسحر الذي تنثره في المُدرَّجات.. شتَّان بين إبداعهم وبين كَسَل الأقدام على المُستطيل الأخضر".

وحين أعدت شريط اللقاء وجدته مُحِقاً للغاية فما يبذله أولئك الشباب من جهودٍ مُضنيةِ قَصْدَ نَسْجِ "تيفوهات" غاية في الروعة والجمال وبإمكانياتٍ بسيطةٍ ذاتيةٍ لا يوازيه الأداء العام لأغلب المباريات في وطننا العربي رغم أن ما يُصرَف على الأندية واللاعبين اليوم من أرقامٍ فلكيةٍ يُفترَض أن يدفع الأداء نحو الأفضل.

لكن السؤال المطروح بعيداً عن الحديث عن تقييم الأداء والمردود التقني والفني يهمّ الشباب العربي المُبدِع الذي يضحّي بوقته وماله في أوقاتٍ عديدةٍ من أجل فريقه وأيضاً من أجل الذَّود عن قضايا اجتماعية نبيلة طالها النسيان. ألا يستحق شباب "الألتراس" اهتماماً أكبر من الإعلام والفنانين يا تُرى؟.

في سنة 1989 بدأت حكاية "الألتراس" في وطننا العربي حيث ظهرت لأول مرةٍ في ليبيا تحت إسم "ألتراس دراغون" {التنين } وكان مُنتمياً لنادي الاتحاد الليبي قبل أن ينجح نظام معمّر القذافي في وأد هذا المولود بعد أسبوعين فقط من ميلاده.

وفي تونس أنشأت جماهير النادي الإفريقي مجموعة بعنوان "أفريكان وينرز" عام 1995 ورغم ما تعرَّضت له هذه المجموعات المُتيّمة بعشق أنديتها من تضييقٍ مُمَنهَج إلا أن السُبحة كرَّت وبزغ في ربوع الوطن العربي الكثير من الروابط المُشجّعة التي نجحت في أن تتخطّى الحدود وتكسر كل الحواجز وتصل العالمية على غرار المجموعات المُسانِدة للرجاء البيضاوي المغربي، التي بلغ صيتها كل أنحاء العالم سواء بأغانيها المُعبِّرة مثل "في بلادي ظلموني" التي جابت كل المحطّات العربية ونجحت في توحيد الشعوب العربية في صرختها ضد البطالة والتهميش والحرمان، حتى أن العديد من الفنانين في الجزائر  وفلسطين أعادوا طرحها في أغانٍ خاصة بهم، بالإضافة إلى "رجاوي فلسطيني" التي زكّت إيمان الشباب العربي بالقضية الفلسطينية وأن مكانتها لم ولن تتغيَّر رغم كل ما تبثّه بعض وسائل الإعلام وتنفثه من سموم في موادها.

كما ولجماهير الوداد ورابطتها الشهيرة "الوينرز" إبداعاتها التي يتغنَّى بها الصغير والكبير كما انبهر الجمهور العربي مؤخراً بصرخات جمهور "اتحاد طنجة " التي تناقلتها وسائل إعلام عربية عديدة وجاءت بعنوان "ولد الشعب" و"بلاد الحكرة".

والسؤال المطروح هنا وبقوَّة: هل هؤلاء الشباب حقاً "تافِهون" كما يُصرّ البعض على وصفهم؟ وهل هم مُجرَّد أسرى لجلدة مدورة سلبت عقولهم؟

الجواب الذي يرفض الكثيرون سماعه هو أن شبان "الألتراس" (هي بالمناسبة كلمة لاتينية تعني الشيء الفائِق أو الزائِد عن الحد) نجحوا وبجدارةٍ في أن يصبحوا صوت الشعوب "المقهورة" (كما وصفت جماهير الرجاء المغربي نفسها)، ورغم كل التنكيل والحَجْب والسعي إلى إسكاتهم أضحوا رقماً صعباً في المعادلة لا بل وأزاحوا شعارات الأحزاب السياسية التقليدية المُتهالِكة التي أضحت اليوم تستجدي الشباب في عموم الوطن العربي، لأنهم تحلّوا بالصدق ونقلوا مُعاناة الشعوب الحقيقية، فلنأخذ نموذج مصر مثلاُ وكم قدَّمت جماهير الأهلي والزمالك من شهداء فداء للوطن وقضاياه العادِلة.

ورغم كل المُضايقات لا أحد بإمكانه أن يُسكِت هذه الجماهير أو يتحاشى وجودها، فكيف وجد الشباب العربي ضالّته ومُتنفّسه الوحيد في المُدرّجات (أو الكورفا) كي يصرخ و يُعبِّر ويبوح بكل ما يعتمل في خاطره ليُبهِر العالم بأسره بلوحاته وأهازيجه التي تُحاك بعناية فائِقة وبساطة تصل بها إلى المُتلقّي من دون عراقيل.

أستغرب حقاً كيف لا نشاهد أفلاماً وثائقية أو أعمالاً فنية تسعى إلى النبش في هذه "التحف" التي نراها في المُدرَّجات، رغم أن كل مَن وطأت أقدامه الملاعب العربية ظلّ "أسير" إبداعات هؤلاء الشباب ونذكر على سبيل المثال لا الحَصْر ما كتبه الكاتِب والصحافي الأورغواني المعروف إدواردو غاليانو حين شاهد جماهير الرجاء المغربي "لو كنت مغربياً لناديت بتأميم نادي الرجاء البيضاوي كي يتوقّف مسؤولوه عن العَبَث به فليس مُتاحاً لأيّ فريق أن يكون له مثل هذا الجمهور وأية دولة من واجبها أن تُحافِظ على ثرواتها وألا تتركها تتبدَّد بهذا الشكل".. فلماذا هذا التقصير من لدنّ الفنانين العرب يا تُرى؟

 

 

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عادل العوفي

كاتب صحافي مغربي

إقرأ للكاتب

بعد واقعة اغتصاب جندي سوداني لفتاة يمنية: هل مازالت أهدافُ "التحالف العربي" مجهولة ؟

يحقُّ لليمنيين أن يثوروا ويغضبوا ويتوعّدوا لاسيما بعد أن تأكّدت واقِعة اغتصاب جندي سوداني لإحدى...

السعودية و "لُغز " اختطاف الطفلة اليمنية بثينة الريمي

حين استيقظنا فجأة على وقع وسم ذائع الصيت بعنوان "بثينة عين الإنسانية " نجح في كسر "عقدة " أطفال...

اعتقال سلمان العودة: لماذا تذكرت "المكان اللائق" الذي يوجد فيه الطريفي؟

كثيرون تساءلوا وقتها: لماذا تدخّل سلمان العودة بالذات في الموضوع؟ ومَن "كلّفه" بلعب ذلك الدور...