التربية والتعليم في الجزيرة السورية.. ليس ترفاً

كثيراً من أبنائنا اليوم يعتقدون أن أفضل طريقة لحل المشكلة هي القوّة والعنف. هذه علامة ضعف وخلل لا يمكن إنكارها. لذلك هناك حاجة للتنسيق في تربيتهم وتعليمهم كي يعيشوا معاً، وكي يستمعوا ويتحدّثوا إلى بعضهم البعض، ويبحثوا دائماً عن مستقبلهم المشترك من خلال العمل الجماعي.

هناك حاجة للتنسيق في تربية الاطفال وتعليمهم كي يعيشوا معاً، ويبحثوا عن مستقبلهم المشترك من خلال العمل الجماعي

تردّدت كثيراً في الكتابة تحت هذا العنوان وكنت حقيقة في حيرة من أمري هل أكتب "مستقبل التربية والتعليم في الجزيرة السورية" أو في "شمال شرق سوريا"، إلا أنني اخترت المُصطلح الثاني مُجبَراً حتى أتماشى مع ما يُقال هذه الأيام في وسائل الإعلام والصالونات السياسية. نحن حقيقة أبناء سوريا لم نقرأ في كُتب التاريخ والجغرافيا أن هنا (شمال شرق لسوريا) أو(شرق الفرات) كنا نستخدم دائماً مُصطلح الجزيرة السورية عندما ندرس جغرافيا بلاد الشام ونقسّمها إلى جزيرة عُليا وجزيرة سفلى لتمييز خصائصها الطبيعية فقط.

أعتقد من جهتي أن هذه المُصطلحات الوليدة أسلوب قديم جديد للدول التي لم تنس ماضيها الاستعماري وتسعى إلى أن تلعب لعبة الفرز من جديد بين أبناء البلد الواحد.

لديّ شعور بأننا نشهد منذ بضعة سنوات نوعاً من "التبلور الإيديولوجي" في الشرق الأوسط عموماً وفي الجزيرة السورية خصوصاً، وهو تكوين خاص للتقارُب والتحالفات الجديدة في المنطقة يستحق الفَهْم في ضوء التاريخ وفي ضوء حقيقة ثابتة هي أن الولايات المتحدة الأميركية تختار الناس إما حلفاء أو شركاء أو مُتعاقدين عندما تبحث عن مصالحها.

وقد اختارت حقيقة الأخوة الكرد كمتعاقدين ولكنها سمّتهم حلفاء وأصدقاء تحت مُسمَّى النفاق السياسي. هناك شيء يُثير الدَهشة في أن نرى في وقتٍ واحدٍ في جميع وسائل الإعلام الغربية دفاعاً عن الأخوة الكرد وتقديمهم كإدارة تكنوقراطية من حقّها تقرير مصير الاقليم وبناء تحالفات. إنه ببساطة الحنين إلى الأساليب الاستعمارية والهيمنة على الناس، ولكن هذه المرة بالقِيَم اليبرالية المُتطرّفة. يمكن أن ندركه أيضاً كنوع من الإغواء والتشجيع لهذه الإدارات الذاتية إذا ما أرادت التفاوض على المؤسّسات التربوية والتعليمية كما حقول النفط والقمح والشعير في الجزيرة السورية.

في ما يتعلّق بمسألة المؤسّسات التعليمية يمكن أن نُميِّز نوعين من الإدارة التعليمية في الجزيرة السورية: لجنة التربية والتعليم التابعة للإدارة الذاتية والتي تسيطر على عدد لا بأس به من المدارس في المنطقة التي تسيطر عليها وتدّعي أنها تُجيب بشكلٍ عملي على جميع المشكلات التربوية. بالمقابل هناك مديريات التربية التابعة للدولة السورية وتشرف على العديد من المدارس والثانويات العامة والمهنية التي تُدرِّس المناهج التربوية الموضوعة من قِبَل وزارة التربية في الجمهورية العربية السورية.

هناك أيضاً كليات جامعة الفرات التابعة لوزارة التعليم العالي السورية، والتي لم تقفل أبوابها منذ 2011 على الرغم من الحصار الذي عاشته المنطقة. هذه الكليات الجامعية متواجدة حالياً في محافظات دير الزور والحسكة لكنها مقفلة في محافظة الرقة، وهي تُقدِّم التعليم والتدريب لجميع المكوّنات من عرب ومسيحيين وكرد.   

مما تقدّم يمكن أن نستنتج أن المؤسّسات التعليمية في الجزيرة السورية ليست مُتجانِسة ولا حتى متوافِقة في أهدافها السياسية والفلسفية. لذلك إن الجمع بينها في لحظة معينة يجب أن يكون أمراً منطقياً بل ضرورياً حتى يتم إضفاء الطابع الرسمي على التعليم ويتم تنظيم حياة التلاميذ والطلاب ومنحهم مستقبلاً مضموناً.

من المؤكّد اليوم وبعد أن فَرَط العقد بين الإدارة الذاتية وحلفائها من الأميركيين وغيرهم، لم يعد أمام هذه الإدارة ولجانها إلا أن تضع الخلافات مع الحكومة السورية جانباً وتتّخذ خطوات موضوعية طويلة الأجل في جميع القضايا ولا سيما تلك المتعلقة بالتربية والتعليم لعدة أسباب مادية وموضوعية منها: 

- أن مُتطلّبات المؤسّسات التربوية والتعليمية عن غيرها من المؤسّسات متعدّدة ومُكلِفة ومُتجدّدة لا يمكن أن تقوم بها الإدارة الذاتية في ظل غياب التمويل الذي كان جزءاً كبيراً منه يأتي من دول التحالف والمنظمات الدولية.

- ضعف القدرة على التدريب وتوفير الكفاءات لاستمرار عمل المؤسّسات التعليمية. إن مهنة الأستاذ لا يمكن اختزالها بمجموعة من المهارات التقنية المقطوعة عن أيّ مشروع مجتمعي وشخصي، هي علاقة مُعقَّدة مع الطلاب والآباء والأمّهات والمعرفة.  لذلك فإن الاعتماد على أشخاص لا يمتلكون تأهيلاً كافياً في هذه المجالات سيخلق شعوراً بالتعب والعجز المُتزايد ومن ثم "العصيان" في المؤسّسات التربوية التي تديرها الإدارة الذاتية.

 - غياب الاعتراف الوطني والعربي والدولي بالمناهج واللغة المُستعمَلة. في جميع مناطق الإدارات الذاتية على جميع المكوّنات تعلّم اللغة الكردية في الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة الإبتدائية، ثم تعلّم لغة محلية من الصف الرابع غالباً ما تكون اللغة العربية، على أن يتم إدخال مادة لغة أجنبية بدءاً من الصف السادس. وعلى اعتبار وظيفة المدرسة هي نقل المعارف والقِيَم التي تحرر وتوحد في وقت واحد، فإن السؤال الذي يُطرَح هو: إلى أي حد سيساعد تعليم الأبجدية الكردية وتاريخ كردستان أبناءنا في الجزيرة السورية على الوصول إلى المواطِنة في صيغة الجمع؟ ويمنحهم اعترافاً بقدراتهم ومعارفهم ويخلق لهم حظاً أوفر في التوظيف والمساواة؟ هذه كلها إشكاليات.

أقول إن كثيراً من أبنائنا اليوم يعتقدون أن أفضل طريقة لحل المشكلة هي القوّة والعنف. هذه علامة ضعف وخلل لا يمكن إنكارها. لذلك هناك حاجة للتنسيق في تربيتهم وتعليمهم كي يعيشوا معاً، وكي يستمعوا ويتحدّثوا إلى بعضهم البعض، ويبحثوا دائماً عن مستقبلهم المشترك من خلال العمل الجماعي.

هذه هي القاعدة الذهبية التي دعا إليها أنطون ماكارينكو المُربي الروسي العظيم.. فلنتطّلع إلى الأمام خلف ماكارينكو. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أيمن حسين

مدرس جامعي وباحث في العلوم التربوية

إقرأ للكاتب

هكذا بنت "إسرائيل" صورتها التي يحاول المطبّعون إنقاذها

في هذا المقال، سأحاول تسليط الضوء على الصور الوطنية التي استخدمها السياسيون والمسؤولون التربويون...

هل تعزّز إعادة افتتاح المدارس انتشار فيروس كورونا؟

من بين الإجراءات الأكثر جدلاً اليوم في الاتحاد الأوروبي، إعادة افتتاح الحضانات والمدارس...

في زمن كورونا.. التعليم عن بُعد ليس هدية

قد يبدو من الضروري على المدى القصير تنفيد خطة تربوية مدروسة تجمع بين مجموعة من الإجراءات...

سوريا.. انقلابات تربوية في الشّمال

لا شكّ في أنَّ تعدّد المناهج وتناقضها لن يسمح بالعودة إلى مرحلة التفاعل الاجتماعي والثقافي الذي...

كتاب مشبوه في مدارس لبنان.. "جغرافيا" غير بريئة

كتاب تم تبنيه في إحدى المدارس الخاصة في لبنان يثير نقاشاً تربوياً وسياسياً على خلفية وصمه...

الاستخدام التربوي للذاكِرة والتاريخ

لا يجب أن تختلف الأحزاب السياسية مهما تباعدت في مشاريعها وشعاراتها عن الدعوة إلى تعليم الأجيال...