بين لبنان والعراق.. ثورة الإنترنت وجيل"البوبجي"

الثورة الفايسبوكية اليوم لا تُشبه ثورة آرنست تشي غيفارا والثورات الشيوعية ولا غيرها في بلدان العالم، إنها ثورة "البوبحي" و"التكتك" والطنجرة!

  • بين لبنان والعراق.. ثورة الإنترنت وجيل"البوبجي"

 

"البوبجي" لعبة لاقت رواجاً في السنوات الأخيرة بين أوساط الشباب العربي، واللافِت فيها أن المُحاربين يمكن أن يتحدَّثوا مع بعضهم البعض عبر الصوت من مختلف البلدان وكأنهم فعلاً في الميدان العسكري. 

بالطبع نحن لسنا في صَدَد تحليل هذه اللعبة سيكولوجياً واجتماعياً وهي ليست موضوع النقاش في هذا المعرض.  ما يهمّنا أن نعرف أنها كانت سِمة العام الماضي بين شبابنا العربي  من حيث عدد المشاركين فيها وتحديداً في العراق. من هنا أطلقت تسمية "جيل البوبجي" على الشباب بأعمار الرابعة عشر  وما فوق وقد اعتبر هذا الجيل مفصوماً عن واقعه من خلال هوَسه بهذه اللعبة الذي وصل حد الإدمان.

ومع اندلاع التظاهرات التي شهدتها بعض المدن العراقية والعاصمة بغداد في أوائل شهر تشرين الأول/أكتوبر من هذا العام، شكّل هؤلاء الشباب اليافعون رافِعة الاحتجاجات على الواقع المعيشي والمطالبات بإجراء إصلاحاتٍ دستوريةٍ وسياسيةٍ في البلاد، الأمر الذي أحدث مُفاجأة للشعب العراقي الذي طالما اعتبر أن هؤلاء الشباب أبعد ما يكون عن دائرة الاهتمام السياسي والاجتماعي والقضايا الوطنية والمصيرية، فما الذي دفع هذا الشاب إلى النزول  إلى مُعترَك النضال في سبيل تحسين وضعه المعيشي وصولاً إلى المُطالبة بتغيير النظام السياسي القائم في البلاد؟ وهل يمتلك من الوعي السياسي الكافي ليصنع تغييراً سياسياً، أو على الأقل ليُميِّز بين ما يمكن القبول به من إجراءاتٍ إصلاحيةٍ و ما ينبغي أن يرفض جملةً وتفصيلاً؟

بمقُارنةٍ سريعة بين أغلب الثورات العالمية التي أفضت إلى تغييرٍ جذري في النظام السياسي في بلدانها وبين ما يجري اليوم في العراق ولبنان من احتجاجاتٍ شعبيةٍ، لا يُمكن أن نصِّف ما يحدث بالثورة وفقاً لمُنظّري الحراكيين في البلدين. 

الثورة الروسية (1917) ركَّزت على التحالف بين العمال والفلاحين أي الطبقة الفقيرة والكادِحة ونتج منها قيام الاتحاد السوفياتي، وانتشار الأحزاب الشيوعية في العالم، وكان قادتها من المُثقّفين وأصحاب فكرٍ سياسي واجتماعي، ولم تكن قيادة الثورة غامِضة ومُبهَمة كما يجري الترويج له اليوم في لبنان والعراق، بضرورة أن يكون الشعب هو القائد ككل ومن دون قيادة واضحة ومُحدَّدة، وهي نظرية تُخالِف صيرورات الثورات السابقة في العالم، وكيف يمكن لأعدادٍ كبيرةٍ مُتفاوتة في الوعي السياسي والثقافي ومُتباينة في الانتماءات أن تحدِّد أهدافاً وغايات واحدة؟

الثورة الصينية (1949) أضافت أسلوب حرب العصابات على سابقتها وأصبحت أسلوباً عالمياً للثورات الشيوعية، أي أن السِمة المُشتركة بين الثورتين هي قيادة الحزب الشيوعي لهما، وبالتالي الاستناد إلى فكرٍ سياسي مُعيّن و قيادة ثورية واضِحة مع قاعدة جماهيرية تكون أداة التغيير السياسي من الشباب المُدرِك لنضاله والمُلتصِق بالعقيدة السياسية للقيادة الثورية. ويتجلَّى ذلك من خلال شعارات الثورة ومطالب التغيير التي يُطلقها الشعب ويسعى إلى تحقيقها. 

السؤال الذي نطرحه اليوم حول ما يجري في الشارعين اللبناني والعراقي من حيث التوقيت والشِعارات والمطالب هل يُمكن أن نُسمِّيها ثورة؟ وما هي أبرز ملامِح هذه الثورة؟

التجربة في الشارع العراقي أشبه ما تكون  بلعبة "البوبجي" ولكن بصبغةٍ عراقيةٍ بحتةٍ وبميدانٍ حقيقي وليس وهمياً، وبدماءٍ حيّة معظمها يعود إلى شباب أحبّوا هذه اللعبة وتعلَّموا منها الحماس والاندفاع حتى الرَمَق الأخير.

لكن لم نشهد رؤى واضِحة لأهداف هذه المجاميع من الشباب التي سارت بدعواتٍ من قادة "الفايسبوك" مَن عُرِف منهم ومَن لم يُعرَف، وكم من الشائعات التي سُرعان ما كانت تسري في الشارع كاللهب ومن دون أدنى تدقيق. مَن يُحرِّك دفَّة القيادة في الشارع وعلى منصَّات وسائل التواصُل الاجتماعي؟ لا وقت للتدقيق، ولا وقت للمساومة على الحقوق، ولا وقت لمناقشة كل خطوة يقوم بها الشباب الثائِر إن كانت تصبّ في مصلحة تحرّكهم أم أنها تحرفهم عن المسار الذي أرادوه، أو ظنّوا أنهم يريدوه لمُجرَّد أن سمعوا شعاراً من هنا أو مديحاً من هناك، وهم الجيل الذي نُعِت بـ"جيل البوبجي" في وقتٍ ليس ببعيدٍ من لحظة اندلاع التظاهُرات، تماماً كما حصل مع صاحب "التكتك" الذي أصبح رمزاً ثورياً وبطلاً شعبياً بعد أن كانت النظرة المُجتمعية له دونيّة وتدعو إلى التخلّص من هذه الظاهرة في العاصمة بغداد! 

نقاطٌ عدّة تسجَّل في مسار الحراك العراقي وكذلك اللبناني والعديد من القواسم المشتركة من هاشتاغ "العراق ينتفض" و"لبنان ينتفض"، وتوقيت التظاهُرات، وعفويّة النزول إلى الشارع، والفئات العُمرية المُشارِكة إلى غياب القيادة الواضِحة للحراك، ورفض التفاوض مع السلطة، وهو الأمر الذي تناقض كما أسلفنا مع الثورات التي حصلت في العالم واستطاعت أن تحقّق تغييراً جذرياً في المجتمع، وامتدّت إلى خارج حدود الدولة المعنية، وأبرز نقاط التبايُن بين الثورات السابقة وما نشهده اليوم هو غياب الوعي السياسي بين الشباب المُنتفِض الذي لا يعرف في سواده الأعمّ آلية العمل السياسي في بلاده والقوانين الدستورية الناظِمة له.

كيف يمكن لشبابٍ جلّ ما يمتلك هو هاتفه النقّال الذي يرفده بأدقّ تفاصيل الأحداث والأخبار ما صَدَق منها وما كَذب، وأفكار المُنظّرين الجُدُد من أصحاب الصفحات الإلكترونية في السياسة والاقتصاد والاجتماع من دون التعب في البحث عن مؤهّلات هؤلاء العلمية وخلفيّاتهم الثقافية والتي غالباً ما تتستّر تحت أسماء وهمية. 

الثورة الفايسبوكية اليوم لا تُشبه ثورة آرنست تشي غيفارا والثورات الشيوعية ولا غيرها في بلدان العالم، إنها ثورة "البوبحي" و"التكتك" والطنجرة!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
زينب زعيتر

إعلامية لبنانية

إقرأ للكاتب

حال المُشاهد.. من حيث لا يعلم

الخطورة تكمن في الطرح المباشر لقبول الآخر ومحاولة تطويع المجتمع والتأثير النفسي فيه، لتبرير فكرة...