الشرق حامِلاً نفائسه.. هل يفتح لبنان الأبواب؟

اللبنانيون لعبوا منذ نشأة كيانهم الصغير، منفصلاً عن محيطه، لعبة الضفدع الذي يرى العالم بحجم فوهة البئر وهو يلعب في قعرها.

  • الشرق حامِلاً نفائسه.. هل يفتح لبنان الأبواب؟
    الشرق حامِلاً نفائسه.. هل يفتح لبنان الأبواب؟

لم يقتنع اللبنانيون أن لبنان الجميل، والبحر الهادئ المُلاصِق للجبل بفرادة عالمية نادرة، والشمس الساطِعة أغلب أيام السنة حتى في عزّ الشتاء، والتنوّع الديمغرافي المُتعايِش في أزمنة السلم بصورةٍ طبيعية، كان كياناً سياسياً نكبوياً على ذاته، وعلى مَن يعش فيه، وأيضاً على محيطه.

ولم يتعلَّم اللبنانيون دروس التجارب المرة التي مرّ بها كيانهم السياسي، حيث لم يمر عليه عقد واحد من الزمن من دون انتكاسة خطرة أقضّت مضاجِع مواطنيه، فظلّوا مُتمسّكين بصيغته كأنها مُنزلة لا يسمح المسّ بها، ورابطين بين الكيان السياسي والكينونة الطبيعية، كأنهم يخشون أن يطير جمال موطنهم إذا تعرَّض كيانهم السياسي لمسٍّ أو تعديلٍ أو خطر.

واللبنانيون لعبوا منذ نشأة كيانهم الصغير، منفصلاً عن محيطه، لعبة الضفدع الذي يرى العالم بحجم فوهة البئر وهو يلعب في قعرها، فلم يرد اللبنانيون أن يقتنعوا أن بلداً بحجم بلدهم لا يمكن أن يشكَّل موطِن استقرار وأمان لشعبه، ولذلك دفعوا، بشيبهم وشبابهم، الأثمان الباهِظة من حياتهم، من قتلٍ، وتدميرٍ، وحروبٍ قاسية أفضت إلى أوسع نسبة هجرة بين شعوب العالم.

كما لم يختبروا أن بلدهم لم ينشأ موطناً لاستقرارهم، والعيش فيه بأمان، وأنه يوم أنشأه المُستعمِر الفرنسي مع البريطاني، فإنما أنشأه ساحةً، تحقيقاً لمصالحه المباشرة، ولمُخطّطاته المقبلة الموجهة البنادق على العالم المحيط به، وفتح اللبنانيون أعينهم ليجدوا أنفسهم في بلدٍ لم يكن لهم رأي فيه.

وتعايَش اللبناني مع الحروب والتطوّرات فكأنها صارت تراثاً له، وربما عدلت التطوّرات المتواتِرة في تركيبته الجينية، فلم يعد يجد أن الحروب والتوتّرات هي أمور ليست من طبيعة الإنسان، بينما هي تنتهك إنسانيته، وحقه في الحياة. لذلك، لا يتوانى عن الإنجرار في كل محطّة تحوّلات عن الإنخراط في تداعيات تلك التطوّرات على تركيبته الهشّة، مع احتمال التنافُر والتصارُع المُتجدِّد على حدود التصدّعات التي تطرأ بين الحين والحين على النقطة الأكثر سخونة في العالم، وهي شرق المتوسّط، لأنها النقطة الأكثر أهمية في مركزية الكرة الأرضية، وعلى مَن يريد التواصُل بين شرقها وغربها، فلا مفرّ له من العبور من هنا.. من مُنتصَف الشاطئ الشرقي للمتوسّط، أي لبنان.

وما يزيد الطين بلّة، أن العابِر الوافِد من الغرب نحو الشرق، أو من الشرق نحو الغرب، وفي عبوره لا يجد مُستراحاً له أفضل من هذه البقعة في العالم، على طول الساحل الشرقي للمتوسّط، فلا يمتلك مقاومة لإغراء يفتقده في أيّ موطن آخر.

واليوم يمرّ لبنان في محطّة جديدة من المحطّات المتحوّلة التي مرت في حياته، وقد تكون الأخطر، والأقسى لأنها تحلّ في لحظةٍ شديدةِ التوتّر، عميقة في معانيها، سببها أولاً الطابع الدولي للصِراع الجاري في المنطقة، وثانياً، لأنها لحظة تحوّل بين عالمٍ غربي، في أحسن الأحوال مُتراوِح في مكانه، إن لم نقل إنه مُتموضِع على ذروة المُنحنى (curve) بعد عبوره للذروة، ويتّجه نحو مُنحدَر المُنحنى، وعالم آخر صاعِد، حافِل بالتطوّرات والتقدّم والنماء، ولا يستطيع أن يبقى في أطر حدوده التي حدَّدتها تحوّلات عالمية في فتراتٍ تاريخيةٍ، خصوصاً على أعتاب الحربين العالميتين الأولى والثانية.

إننا نقف اليوم على تصدّعات مرحلتين، واحدة آفِلة وأخرى صاعِدة، والمثل يقول "عند تبدّل الدول احفظ رأسك". لكن اللبنانيين اعتادوا أنه في لحظات المخاطر والتحوّلات الانخراط التلقائي فيها ليُكرّروا ما سبق أن وقعوا فيه.

ولبنان يقف اليوم على خطوط التصدّعات الجارية، بين شرق وافِد بقوَّة وغرب راحِل، ولو ببطء. وأكبر تعبير عن هذا الموقف هما عنصران يمران في هذه الفترة، الأول تبني روسيا لتطوير مرفأ طرطوس تعبيراً عن حاجة دولة من دول المحور الشرقي للعمل، والاستثمار، والتطوّر، مع ما يعنيه ذلك من تهديدٍ لمرافىء لبنان الذي كان يُفترّض ان تكون مرافئه هذه المحطة، وليس في ذلك أسف، فسوريا البلد التوأم للبنان يستحق ما يستحق شقيقه. والعنصر الثاني، محاولة عَزْل رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب عن مركز الرئاسة الأميركية، في خطوةٍ هي الأولى من نوعها في تاريخ أعتى امبراطورية عرفها العالم، هي الولايات المتحدة الأميركية.

هذان العنصران يُشكّلان معادلة جديدة تتبلور بالتدرّج، خطوة خطوة، قوامها إرهاصات وفود شرق قوي مزخم، وتخبّط غرب مُتراجِع. وعلى مفصل العنصرين، وسواهما الكثير بما لا يتاح ذكره، تندلع آخر محطّات التوتّر في لبنان، منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر الفائت، وليس في معانيها اختلاف عن سابقاتها من المحطّات التاريخية الخطيرة التي مرّ بها لبنان.

نحن اليوم نعيش على فالِق الصَدْع العالمي الجديد، وفي ظلّ زلزال التحوّل الجاري على المستوى العالمي، آن لنا أن نتعلّم درساً جديداً علّنا ننهي حال الكيان الذي لم يعش عقداً هانِئاً من الزمن، يبني فيه ذاته ومقوّماته، بأن نُعيد النظر بنشأته، ونُعيد تموضعه على أُسُس جديدة قابلة للاستدامة، والتطوّر والنمو، عبر فَهْم بسيط لمعادلة التطوّرات، فنتّجه نحو الشرق علّنا نشارك في بناء منظومة مُتجدِّدة، مُتكامِلة التصاعُد بين دولها وأقاليمها، فيها ثروات تطلّ برأسها من نفط شرق المتوسّط، وثروات كثيرة ينعم بها الاقليم.

وبالتوازي مع الطاقات الكامِنة في بلادنا، تتّجه قوى دولية شرقية مدفوعة للعمل والاستثمار في بلادنا، واعِدة بمستقبلٍ زاهرٍ. وما مخاض الأيام الصعبة التي نمرّ بها، والتي مرت بها دول الشرق، خصوصاً سوريا، إلا تمهيداً لولادة جديدة تَعِد بمستقبلٍ أفضل لنا، في لبنان، وللشرق عموماً، ولعالمٍ جديد، يُغَلِّب النمو السلمي كروحية شرقية، على الطمع بالحروب، كنزعةٍ أسَّستها الرأسمالية العالمية في الغرب.

منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر دخل لبنان مرحلة هذه التحوّلات، وينطلق رئيس حكومته المُكلّف لتشكيل حكومة لبنانية، يبدو أنه مفروض عليها وضع الماضي القاتِم خلف ظهرها، مُتطلّعاً نحو الشرق لاستقبال ضيفه الجديد الذي يقرع أبوابه بقوّة، حامِلاً، كالمجوس في موسم الميلاد، هدايا الشرق، ونفائسه، لمولودٍ جديدٍ إسمه لبنان، فهل يفعل؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نقولا طعمة

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب

سباق الصّهينة بين ترامب وبايدن.. ومخاطر صهينة الإقليم

لم يعد يشكّل التسابق الذي ظهر بين ترامب وبايدن - نحو المزيد من تبنّي السياسة الصهيونية - عاملاً...

هدف استراتيجي للصين الصاعدة في المرمى الأميركي المتراجع

إن اتفاق "الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة"، الذي ضمّ إلى جانب الصين كل من اليابان،...

"ميعار" المهجرة رمز لإصرار الفلسطيني على العودة

لم يتوقف أهالي "ميعار" عن تقديم الشهداء منذ نكبتهم وتهجير قريتهم، فالشهداء، بنظرهم، يعيدون للأمم...

مسارات فلسطين: تعزيز للهوية الوطنية والارتباط بالأرض

نشطاء مسارات فلسطين يتحدثون عن أثر المسارات على صعيد الحفاظ على الأرض، والارتباط بها، وعلى...

جبال..وديان.. وعيون فلسطين في 3 مسارات جديدة

بين إجراءت الكورونا، وحصار السلطات الإسرائيلية، تشكّل المسارات المتنفس الأبرز لناشطين فلسطينيين...

"مسارات الوديان": طمع إسرائيلي يضمّها لـ "صفقة القرن"

يواصل النشطاء الفلسطينيون مساراتهم، عابرين لمواقع فلسطينية مغمورة، ومنها ما يتعرض للاغتصاب،...