في ليلة فلسطين الحزينة.. الروح ما يقاتل فينا يا يوسف

يوسف روح تقاتل، متجذرة، شجرة زيتون معمّرة، لا تنسفها صفقات رعاديد رعاع خونة، ولا يجتث جسدها قاتل. لا يُعوّض ولا يُنسى، تمامًا كفلسطين.

  • يوسف روح تقاتل، متجذرة، شجرة زيتون معمّرة، لا تنسفها صفقات رعاديد رعاع خونة.

في أيام فلسطين العصيبة، ولياليها الحزينة، تشغل الخاطر يا يوسف. أتذكر كلماتك الرنانة، ودموعك التي نحتت فيّ كما كلماتك حبّاً وإيماناً بالقضية.

لم يكن يبكي يوسف من ضعف، يوسف الستيني الذي كان ينهض صبيحة كل يوم نشيطًا مُدبًّا على التدريس وصنع الأجيال، بروح فتى عشريني، غاضب ثوري يريد التغيير. لم يستعطف الناس بدموعه وأقواله، ولم يقف يتشدق العروبة، شعرًا و نظمًا ويبكي مسكينًا درويش، كمناشدات بعض العرب وهي محض أكذوبة، بكلمات معسولة، باعت واشترت الكتب وفلسطين مقتولة. فتارةً يجالس أحدهم المساومين، يواعد خليلة من المستوطنين الصهيونيين، ثم يرتقي المنابر وينظم شعرًا للمقاومين. لم يكن يوسف هكذا، وعذرًا يا يوسف إن ذكرت هؤلاء الدجالين في محضرك.

يوسف كان مقاومًا مناضلاً يتسلح بالقلم والفكر ويقاتل. كان لا يضيع وقتًا، يكتب، يقرأ، ويطالع، هكذا كان للألم الدفين في جوف فؤاده يصارع. يدخل صفًّا، فيه تلامذة يافعين، في البداية، يحدثهم عن النظام، عن أننا أولًا يجب أن نكون منظمين كي نحارب، ويذكر قليلًا من فوضى العرب ويخبرنا كيف كان المحتلون في حيفا في غاية النظم فيما نكستنا في تخلفنا.

يحدثّ عن أيام الكشافة، حيث مضى أجمل أيام حياته، وتنهمر دموعه على إثر الذكريات. ولكن الدمع المتساقط كان يؤجج اشتعال الثورة فيه والغضب، فيقدم كل ما لديه من علم وأدب، ترسانة يعيد بها إحياء فروسية العرب. علّمنا اللغة الإنجليزية، بمبادئها وقواعدها كلها، حتى أذكر كيف لم يكن يلجأ لكتاب، لأنه كان قد اكتسبها وحُفرت في باطنه، فكان يستل قلمه وبضع الأوراق ويكتب كُرّاسًا، يعجز عنه أساتذة الجامعات. له فكر ومبدأ بأننا لو أردنا المقاومة بالعلم نبدأ بتعلم لغة المحتلين الأوائل، الإنجليز، فهؤلاء كان لهم اليد الطولى والمخططات. نتعلم لغتهم وعلومهم كي نستطيع التغلب عليهم. وطبعًا لم يهمل أو ينسى اللغة العربية يومًا، فكرّس لها أيضًا وقتًا. لم يكن يمنعه شيء عن الحضور يوميًا بقميصه المهندم فوقه سترة بلون زيتون فلسطين، وبنطال لا تعرج فيه و حذاء لم تمسّه غبرة، يمشي كجندي إلى ساحة حرب، لا وقت له للعب. يعتني بأدقّ التفاصيل والكلمات، يصحح أخطاءًا شائعةً توارثها المجتمع، يسرد أمثالاً لم تكن قبل تُسمع.

أذكر كيف نظّم يومًا مشروعًا بين كل الصفوف، أن يُحضر كل تلميذ دفتر ملاحظات صغير، وتعمّد أن يكون صغير الحجم كي يرافق الطالب في كل مكان. الآلية كانت أن يسجل الطالب كل كلمة جديدة، وكل جملة ومثل وقول جديد يسمعه، وما لا يعرفه، ليبحث عنه في القاموس. لعل هذه كانت بدايات تعلّقي باللغات والقراءات والبحث في أساس الأشياء و تاريخها. لقد كوّن لدينا روح الباحث المحارب، الذي يصارع الجهل. ولازلت أذكر دفاتري وكرّاساتي التي امتلأت بمحاضراته، وملاحظاته. يصعب عليّ أن انصف هذا الرجل الذي علمني دهرًا، وتألم بعيدًا عن الوطن قهرًا .لم يكن ليوسف أن يعود ليعقوبه، لم يعد لفلسطين ولا لحيفا، توفّاه الله جسدًا، ولكن روحه وفكره بقيا أبدًا.

يوسف روح تقاتل، متجذرة، شجرة زيتون معمّرة، لا تنسفها صفقات رعاديد رعاع خونة، ولا يجتث جسدها قاتل. لا يُعوّض ولا يُنسى، تمامًا كفلسطين. يوسف هو فلسطين في رَجُل.

أعدك يا يوسف، بذات الوعد الذي قطعه جدي منذ عقود، ولا زال في خاطري معقود، "أيها العرب ،أيها المسلمون، لقد حمّ الأجل وموعدنا فلسطين، على أرضها نحيا وفيها نموت"، و"ألا وإن قتلة الحسين (ع) بكر في القتلات، فلتكن قدوتنا به بكرًا في القدوات ولنكن نحن من فلسطين ما كان الحسين (ع) من قضيته، ليكون لنا ولفلسطين ما كان له ولقضيته من حياة مجد وخلود"، الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين.

إن كُتب لنا دخول فلسطين يا يوسف، سأزرع لك شجرة زيتون في حيفا، ولن أموت سوى في فلسطين. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن شرف الدين

كاتب من لبنان

إقرأ للكاتب

كورونا وعبور الحدود الطبقية والعرقية.. هل هي فرصة الانقلاب الفكري؟

انقلب العالم رأساً على عقب، تبدلت آليات إدارة النظم البشرية، إن كان في القطاعات الصحية أو حتى...

وديعة الخالق بين حكم العرف والمطارق

نحن بحاجة اليوم إلى إعادة تعريف لمكونات هذا المجتمع، وتحديداً المرأة. على المجتمع أن يعي بالدرجة...

كيف ينهض الشباب العربي بهويّاته الضائعة؟

المستقبل لنا، نحن الشباب، المحرّك الأقوى لهذا المجتمع، فلننهض، فلنجتمع، فلنتحادث، وننصت، ونغيّر...

إلى مرضي النفسي: أحتال عليكَ فتتلاشى!

في بداية الأمر أخفيت الموضوع عن الجميع سوى عن قلة قليلة ممن أثق بهم، ذلك لأنني أعرف التفكير...

إلى المعلّم الذي أجاب على عذر اكتئابي بـ"كلنا لدينا مشكلات"

مررت بـ"غيبوبة" لمدة أربعة أيام، مكثت في سريري ولم أتحرك إلى أي جهة ولم أرَ شيئاً سوى النار...

كيف يُطفئ الحزن اشتعال المُقل؟

يقولون إنه اكتئاب، يخرج على شكل حزن عميق، يحتل ضفتيّ هذا العقل، ويغزو ما تبقى منه، تاركاً لي...