نتنياهو من القدس: "يهودية الدَّولة" بوابة الشروط

دفعت "إسرائيل" بجهد استثنائي لتكون الذكرى تظاهرة سياسية كبيرة محمَّلة برسائل استراتيجية، حيث حضرها ما يفوق الأربعين دولة، مُثِّلت بشخصيات متفاوتة في ثقلها الدبلوماسي.

  • نتنياهو من القدس: "يهودية الدَّولة" بوابة الشروط

جهدت الدبلوماسية الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية لتسليط الضوء على الخلافات مع الرئيس البولندي ماتيوش مورافيتسكي الَّذي رفض تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس، حول تعاون كثيرٍ من البولنديين مع النازيين الألمان إبان الحرب العالمية الثانية.

وعلى الرغم من العلاقات المميزة بين بولندا و"إسرائيل"، فإنَّ الأخيرة قادت حملة واسعة ضد بولند، أسفرت عن إقصائها من إحياء ذكرى "المحرقة" الـ75 وتحرير معسكر "أوشفيتز" الواقع في بولندا.

لم تستثنِ "المحرقة" البولنديين وغيرهم من الأوروبيين، كما أشار الرئيس البولندي. وجاءت تصريحاته رداً على وزير الخارجية الصهيوني الّذي عمل على تشويه الحقائق، كما أوردت الخارجية البولندية. ووفق الترتيبات، فقد دفعت "إسرائيل" بجهد استثنائي لتكون الذكرى تظاهرة سياسية كبيرة محمَّلة برسائل استراتيجية. وقد حضرها ما يفوق الأربعين دولة مُثِّلت بشخصيات متفاوتة في ثقلها الدبلوماسي. 

في القدس المغتصبة، افتتحت مراسم "التظاهرة" التي تشير إلى الأهداف المبتغاة من تنظيمها، حيث عمل نتنياهو على ترويج خطاب "الضحية" والخوف من تصاعد "معاداة" السامية، ولم يترك فرصة إلا وذكّر فيها "بخطر" الجمهورية الإسلامية في إيران، وانتهز المناسبة ليشنّ هجوماً على الجنائية الدولية التي تبحث في جرائم الاحتلال وإمكانية محاكمة بعض قادته. 

الخطاب الّذي ألقاه نتنياهو في القدس المحتلّة، يُقرأ على أنَّه سعي لتمكين حزب الليكود في معركته الانتخابية، ورسائل حول فحوى الخطوات التي يريد تثبيتها في استراتيجية الدور الإسرائيلي في العالم ومحورية الحضور الدولي، وبخاصة أن تسريبات مؤكدة سبقت الاحتفال تقول إن الرئيس الأميركي سيعلن قريباً عن "صفقة القرن" التي تسربت منها نقاط كثيرة، وجوهرها الاعتراف بـ"الدولة اليهودية"، ونزع سلاح المقاومة في غزة، وضم الأغوار والمستوطنات الكبرى، من أولى الشروط لأيِّ تمكين فلسطيني على مساحة لا تتجاوز 10% من الضفة الغربية المحتلة، مع مكتب في القدس المحتلة مقيّد الصلاحية. هذه التسريبات عرضت على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورؤساء آخرين.

إذاً، نحن أمام تطبيق فعلي لـ"صفقة القرن" التي يجري تتويجها بزيارة نتنياهو ورئيس تحالف "أزرق - أبيض" بيني غانتس واشنطن، وهما المتوافقين أصلاً على كلِّ بنود الصفقة، وإن اشتبكا سياسياً للفوز برئاسة الحكومة. 

وعلى الضفة الرسمية العربية، فإن الصمت الرسمي ليس إلا دليلَ شراكة في مجزرة القرن، وإن تردّد في الأوساط الدبلوماسية لبعض الدول الخليجية أنَّ القضية تتعلَّق بالفلسطينيين، لكن مظاهر التطبيع مع الاحتلال تقول خلاف ما تروّجه بعض العواصم الخليجية، إذ تؤكّد ورشة البحرين الاقتصاديّة الشراكة الفعلية، وكذلك تصريحات نتنياهو عن تحالف عربي- إسرائيلي سيعلن قريباً لمواجهة "النفوذ" الإيراني في المنطقة. 

ومع تواصل اللقاءات الاقتصادية "العربية" مع القادة الإسرائيليين، فإن تظاهرة "إكسبو 2020" في الإمارات والمشاركة الرسمية فيها هي بمثابة الإعلان الرسمي عن بدء التطبيع.

السؤال الملحّ في ظلِّ هذا المشهد الَّذي تعتلي فيه "إسرائيل" منصات الحضور الدولي، وترويج خطاب الشراكة والأمن مع دول العالم وبعض النظام الرسمي العربي: هل من مراهنات بعد على سياسة التفاوض؟

لسنا هنا في صدد العودة إلى أثر اتفاق "أوسلو" السلبي على قضية فلسطين، فبمجرّد مطالعة بعض بنود "صفقة القرن" التي تتحدَّث عن إلغاء حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين، سنواجه مجازر سياسيّة جديدة إن اعتقدت السلطة الفلسطينية أنّها تملك مؤهلات التفاوض مرة أخرى. هذه المسألة تعني أن نكون أمام تنازلات جديدة، وهو ما يعوّل عليه الاحتلال وفق تصريحات بعض مسؤوليه، بأنّ هناك من يملك الجرأة في السلطة الفلسطينية للسير على أرض "صفقة القرن"، وهذا ما أكده مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي، لصحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، بأنّ السلطة أمام اختبار لتقديم حسن نياتها في التعامل مع "إسرائيل".

خطوات الإدارة الأميركيّة أصبحت في دائرة الفعل الجادّ لفرض "صفقة القرن" بعد أن جهَّزت مسرحها مع بعض الدول الخليجيّة المموّلة لها، وهيأت المناخات الدولية للقبول بها، وإن طفت بعض الاعتراضات على صيغة بعض البنود وليس جوهرها. وإحياء ذكرى "أوشفيتز" في القدس المحتلة ليس بعيداً عن ترتيبات البيت الأبيض. هذا ما يصرّح به الرئيس ترامب الذي هاتف نتنياهو مؤخراً، مؤكّداً أنّ علاقتهما في أفضل مراحلها، وأنّ واشنطن تدعم حكومة وحدة وطنية مع غانتس، لتكون تتويجاً لمرحلة قادمة يثبت فيها كيان الاحتلال "يهودية الدولة".

من المهمّ هنا قراءة الحركة السياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب وطاقمه في التقرّب من "الإنجيليين" الصهاينة ليستحوذ على أصواتهم في الانتخابات الرئاسية القادمة. هذه المسألة في غاية الأهمية بالنسبة إلى الرئيس الأميركي الذي يسرع في تقديم كلّ ما من شأنه رفع رصيده الانتخابي ومنع تسرّب أصوات "الإنجيليين"، كما حصل مع منافسته هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية في العام 2016.

خطاب "الضحيّة" من القدس المحتلّة لم يكن مجرّد إحياء لذكرى تحرير معسكر "أوشفيتز"، بل خطوة استراتيجية نحو سياسة اللاتراجع عن "يهودية" الدولة، وشطب قضية فلسطين من الذاكرة الدولية أو محاولة فعل ذلك. والأهمّ هنا أنّ قضية فلسطين وشعبها لم تكن يوماً مجرّد رقم في الذاكرة الجمعية الفلسطينية والعربية المقاومة، ومواجهة القاتل لن تكون في الانتظار والتمنّي. هذا ما يقوله شعب فلسطين الذي يقاوم منذ مائة عام.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
بسام رجا

كاتب واعلامي فلسطيني

إقرأ للكاتب

نوافذ "عربية" مشّرعة للتطبيع.. كيف بدأ مسار الانحدار؟

ما يظهر اليوم من ترويجٍ عَلني للتطبيع يؤكّد الشراكة في "صفقة القرن"، وأن العلاقات التي طفت إلى...

حارس القدس.. بحث عن الحقيقة في أسئلة الراهن

تتوالى وقائع مشهد النكبة في الدّعوة للثبات في القدس وتصعيد المقاومة، وهي المهام الّتي رافقت...

"بيان" أميركي مُتجدِّد.. اقصفوا العقول

التحرّك الأخطبوطي والسرعة في تنفيذ مشاريع التمدّد ترافقت مع قصف "فكري" تديره مؤسَّسات أنشئت في...

واشنطن لا تتراجع عن الحرب.. احذروا القادِم

الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأميركية والقوى المُتحكّمة بالقرار الداخلي والخارجي لن...

قراصنة في "الحرب والسلم".. أميركا تعترف

ما كشفه وباء كورونا هو بداية السلسلة التي ستجعل من السياسة الأميركية في حَجْر ولن تخرج منه من...

"COVID-19" يكشف ما أخفاه القناع.. الكمامة لا تستر أميركا

لقد أظهر وباء "كورونا "هشاشة التحالفات السياسية والتكتلات الاقتصادية التي تسيطر عليها واشنطن.