الحرب على المقاومة.. كيف يمكن خداع الرأي العام؟

في إطار التنويه بقُدرة الإعلام على تغيير الأنماط والمعايير، أشار البعض إليه كأداة تمتلك القُدرة على تغيير سلوكيّات المجتمعات غير المُحصَّنة.

  • الحرب على المقاومة.. كيف يمكن خداع الرأي العام؟
    يظهر دور التوجيه الإعلامي في قضايا تؤثّر في المسيرة البشرية

يدفعنا الدّور الذي تؤدّيه بعض وسائل الإعلام خلال تغطية الأحداث التي تجري في منطقتنا، إلى طرح عدَّة تساؤلات حول أهميّتها في توجيه الرأي العام نحو أهداف مرسومة، بحيث إنها تركِّز، في سبيل الوصول إلى المُبتغى المنشود، على حدثٍ ما، وترفقه بأحداثٍ يتمّ خِداع عقولنا من خلالها، مُستفيدة في ذلك من تأثير السلطة الرابعة في الجمهور.

وفي هذا السياق، أشار الدكتور علي شريعتي إلى أنَّ طرح فكرة استحمار العقول يأتي بشكلٍ مباشر وغير مباشر، فالمباشر يتمّ عبر تحريك الأذهان إلى الجهل والغفلة أو سوقها إلى الضلال والانحراف. أما غير المباشر، فهو عبارة عن إلهاء العقول بالحقوق الجزئية البسيطة اللافورية، لتنشغل عن الحقوق الأساسية والحياتية الكبيرة الفورية. 

ولذلك، وفي إطار التنويه بقُدرة الإعلام على تغيير الأنماط والمعايير، أشار البعض إليه كأداة تمتلك القُدرة على تغيير سلوكيّات المجتمعات غير المُحصَّنة، والسّير بها وفق أجندات بعيدة عن القِيَم التاريخيّة الراسِخة بين الناس.

إنَّ مفهوم الديمقراطية، مثلاً، يُعدّ واحداً في مضمونه، ولكن نظراً إلى تفاوت تطبيقه بين منطقةٍ وأخرى، وفقاً لمصالح السلطات الحاكِمة، كما هي حال الأنظمة العربية التي تُعتَبر بأغلبيّتها ديكتاتورية، وتستمد شرعيّتها من السُلطة نفسها، فإنَّ هذه الأنظمة ترى أن مفهوم الديمقراطية أمر غريب وشاذ لا وجود له، وتستبعد أيّ دور للمُنظّمات التي تُعنى بالحقوق والحريات، سواء السياسيّة أو الاجتماعيّة.

إضافةً إلى ذلك، إنَّ سيطرة هذه الأنظمة على قطاع الإعلام، من خلال المُغريات وغيرها، تؤدّي إلى توجيه الرأي العام نحو أجندات تعمل على حماية الحاكِم وضمان بقائه واستمراريّته.

وفي إطارٍ آخر، يظهر جلياً دور التوجيه الإعلامي وأثره في اتجاهات الرأي العام في قضايا حسّاسة تؤثّر في المسيرة البشرية، منها عناوين الحرب والسِلم. وخير مِثال على ذلك ما حصل في بداية الحرب العالمية الأولى في العام 1916، إذ كان المجتمع الأميركي مُسالِماً لا يجد أبداً نفسه داخل هذه الحرب، ويرى أنه غير معنيّ بها، ولكن كانت لدى إدارة الرئيس الأميركي ويلسون قراءة مُختلفة.

ومن أجل دخوله الحرب، استطاع خلال 6 أشهر فقط، وبتجييش إعلاميّ معطوف على تقرير لجنة "كريل"، اختلاق نوع من المزاج الهستيري المُتعطّش إلى الحرب.

بالعودة إلى مسار الإعلام العربيّ الخليجيّ بشكل خاصّ، فإنه يشنّ الحروب الإعلامية على المقاومة في لبنان وفلسطين، ويعتبرها منظَّمات إرهابية، بهدف تأليب الرأي العام، ولا سيما الخليجي، وكَسْر الصورة المُشرِّفة التي استطاعت دول المُمانعة أن تحقّقها في الوجدان العربي في مواجهة الصّهاينة ودول الاستكبار العالميّ.

وقد تمّ كشف بعض هذه المؤامرات من خلال تسريبات "ويكليكس"، التي فضحت الكمّيات الهائلة من الأموال التي تمّ صرفها من أجل تشويه صورة حزب الله اللبناني. وتمَّ تجييش حملات دعائية مدفوعة الثمن من أجل شيطنة هذا الحزب المقاوِم واتهامه بجرائم بعيدة كلّ البُعد عن قِيَمه وسلوكه العام.

وقد أشار السفير الأميركي الأسبق في لبنان، جيفري فيلتمان، إلى أن الولايات المتحدة الأميركية أنفقت ملايين الدولارات لتشويه صورة الحزب في الداخل والخارج. ومن اللافت والمُستغرَب انخراط الإعلام العربي البتروخليجي في هذه الحملات الصهيونية العدائية بحقّ حركات المقاومة، إذ دأب على وصف الشهداء المقاومين بالقَتَلَة أو المُعتدين.

وقد كان لهذه الفضائيات دور سيِّئ في جميع المواجهات البطولية التي قادتها المقاومة، ولا سيَّما خلال عدوان تموز 2006، والعدوان المستمر على غزَّة، إذ تظهر جلياً محاولة هذا الإعلام المُرتَهِن في العمل على توهين إنجازات المقاومة وتبنّي الروايات والمصادر الصهيونية بشكلٍ تام.

وفي سياقٍ آخر، وللاستفادة من دور الإعلام وتأثيره في سلوكيات الناس وأمزجتهم، تمّ الترويج للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي تمهيداً لما سُمِّي بـ"صفقة القرن"، والتي تُنهي القضية الفلسطينية، وتُعزِّز الشراكة مع "إسرائيل"، وتوجِّه السِهام إلى الجمهورية الإسلامية في إيران.

وفي هذا الإطار أيضاً، صار الإعلام مطيّة لتمرير مُخطّطاتهم التي تجلَّت باستبدال العداء لـ"إسرائيل"، من خلال خلق عدو جديد إسمه إيران، والترويج الإعلامي لذلك، بُغية صُنع رأي عام مُنسجِم مع ما يعملون عليه.

ولاستكمال الصّورة، تمّ وضع كلٍّ من حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي على لائحة الإرهاب الأميركية التي رحَّب بها بعض الحكَّام العرب، ولم يكتفوا بذلك، فقد شجَّعوا إعلامهم المكتوب ودفعوه إلى نشر مئات المقالات المُندِّدة بالمقاومة والمُهاجِمة لها، في الوقت الذي يغيّبون فيه عن الإعلام كل أشكال القهر والاستعباد الصهيوني في فلسطين المحتلة، فضلاً عن الجرائم والمجازر الصهيونية على الشَّعبين الفلسطيني واللبناني.

وبعد تطوّر الإعلام الجديد على حساب الإعلام التقليديّ، ونظراً إلى التأثير الكبير لهذا الإعلام الحيويّ الذي يصل إلى كلّ الناس، قامت دول الاستبداد العالميّ باستغلاله، وأنشأت العديد من الجيوش الإلكترونية، بُغية بثّ القلاقِل والشائعات ونشر الأضاليل لتحقيق هدف مُعيَّن تمّ التخطيط له.

وفي سياقٍ مُتّصل، كان للشبكات والجيوش الإلكترونية التي يموّلها المال الخليجيّ، ولا سيّما السعودي والإماراتي والقطري، تأثير كبير في استغلال الحركات المطلبية المُتنوّعة التي انطلقت، ولا زالت، في العالم العربي. 

وتعمل هذه الجيوش الإلكترونيَّة، من خلال استغلال الإعلام بشكلٍ سيّئ، إلى حَرْفِ مسار الانتفاضات والحركات المطلبية المُحقّة، والسَّير بها نحو طرح عناوين مختلفة، وفق أجندات مرسومة مُسبقاً تهدف إلى تفتيت دول محور المُمانَعة والمقاومة وإسقاطها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً