الحقيقة في عصر التَّزييف.. عالمٌ موبوءٌ بأدوات التواصل

يُراد لعملية التزييف أن تصبح الحالة الطبيعية المُعتادة المُطَبَعة في وجدان الناس، ولا سيما أن العالم من حولنا "موبوءٌ" بأدوات التواصل السريع المُنفلتة، والناس مهووسون، بالنشر السريع على حساب الحقيقة والصحّة والدقّة.

  • الحقيقة في عصر التَّزييف.. عالمٌ موبوءٌ بأدوات التواصل
    الفرد وجهاز هاتفه النقال الخاص به أصبح بمثابة مذياع متحرك، وبوظيفة وحدة إعلامية متكاملة

للتفكّر الفلسفي عراقة (وقِدَم) في مسألة - البحث عن وتحديد وجهة - الحقيقة (Truth) في الأمور من حولنا وقضايا الوجود عامة وحقائقه (Facts)، من كبرياتها بداهةً، والتي "لا يمكن" (It-Cannot) أن تُغفَل وجودياً وفعلياً، حتى صُغرياتها بداهةً، وهي التي "لا ينبغي"(It-Ought-Not)  أن تُغفَل غائياً ومقصدياً.

وعلى الرغم من تلك الأصالة الفلسفية (Philosophical Primacy) نحو المضي باتجاه الحقيقة والتمسّك بها، فإن الفلاسفة اختلفوا في ما بينهم حول ماهية "الحقيقة" أصلاً، ومدى قدرة أفكارنا على إصابة كُنه الحقيقة في صميم الأمور بالمعنى الحقيقي الواقعي، في ما يُزاوج بين أذهاننا في عالم التفكّر الداخلي كظرف للفكر، وبين أعيان الأمور وذواتها الخارجة عن ذواتنا في الواقع الخارجي كمادة للتفكّر. 

ذهب بعضهم إلى أنَّنا لن نتمكَّن من إصابة الحقيقة ولن نصل بتفكّرنا إلى حرمها "الغامض" الدقيق، وذهب آخرون إلى أنّ الأمر لا يمكن أن يأتي على إطلاقاته الصرفة، بل يعتمد على أشياء تجعل من إصابة الحقيقة أمراً ممكناً، ولو بالنسبة إلى بعض الأمور في الحياة والوجود من حولنا، فالقضية منقسمة بين الإطلاق والنسبية.

مما لا يخفى أنَّ دوافع "حبّ الاستطلاع" و"الفضول المعرفي" و"شغف التعلّم" و"التعطش إلى الثقافة والمُثاقفة"، هي المحركات والدوافع التي تسير بالإنسان -المحافظ على سلامة هُويته الوجودية والغائية العميقة- في سلوك طُرُق البحث الفلسفي والتنقيب عن مكامن الحقيقة في تركيبة الأشياء وتشيؤها البنيوي، ولن يروي غليل المُتفكّر أو يشفي عليله أو يُطفئُ عطشه المعرفي في هذا المضمار، إلا الوقوف على ما يكشف الحقيقة له كشفاً لا يقبل معه الشكّ ولا يدع مجالاً للريب أو حركة الظن.

 

"الحقيقة" وصحة التشخيص

كثيراً ما نحدّد الحقيقة من خلال الاحتكام إلى الذاكرة والماضوية والنزوع إلى ما مضى، فباستدعاء تجربة سابقة من الماضي، يمكن لأحد أن يقول إنه "يعلم" بالقطع واليقين أنَّ النار (مثلاً) ساخنة حارقة، لأنَّه كان قد جرَّب النار من قبل، وشعر بحرّها الحارق بالمراس. 

هذا اعتقاد يعقد عليه الشخص في ضوء تجربته الشخصية الذاتية ومراسه السابق، ولكن ما يبدو له من صحة هذا الاعتقاد، هل يمكن أن يكون خطأً ومخالفاً للصواب؟ لأنَّ "الاعتقاد" (Belief/Believing) و"العلم" (Knowledge/Knowing) شيئان متمايزان عن بعضهما البعض، فتارةً يلتقيان وأخرى يفترقان، ومن الممكن أن يكون العلم بالشيء غير مطابقٍ مع الاعتقاد به.

ففي بعض الأحيان، ربما نستشعر بقوة الاعتقاد مع تعليلات قوية مقنعة في التمسّك به. وعلى الرغم من ذلك كلّه، يمكن أن نكون على خطأ في إصابة الحقيقة والواقع بصوابه. وهناك حالات من عقائد مُبرَرَة يتمسك بها الفرد، ولكنها لا تمتّ إلى العلم بصلة، ولا تتصل بالحقيقة أيضاً من قريب أو بعيد.

وقد اشتُهر الفيلسوف الأميركي المعاصر إدموند غيتير (1927م/1346هـ، Edmund Gettier)، بمقالته بعنوان "هل العقائد الصحيحة المُبررة علمٌ؟" (("Is Justified True Belief Knowledge? في العام 1963م، والتي أثارت زوبعة وفتحت مناقشات فلسفية تفصيلية حول علاقة العقائد الصحيحة المُبررة ومسألة العلم بمعناه الدقيق.

وقد انتهى الأمر بأن تحولت المناقشة إلى ما يُعرف بـ"إشكالية غيتير" (Gettier Problem) في الأدبيات الفلسفية. أما فحوى الإشكالية فكرياً، فسنعرض لها بعد أن نستعرض بالتلخيص القناعة التي سادت عموماً خلال القرون الخمسة والعشرين الماضية في الفلسفة الغربية منذ عهد فلاسفة الإغريق، وما ساد بعد ذلك في ما تلته من حِقب تأريخية.

فقد كانت قضية "علم المعرفة" الإبستيمولوجيا (Epistemology) في تعريف العلم أو المعرفة، تتلخَّص في الأطروحة الأفلاطونية  (Platonic Model)نسبة إلى حكيم اليونان العريق أفلاطون (427-347قـ.م، Plato))، بما اصطلح عليه في التداول الفلسفي بـ"نظرية المعرفة الثلاثية" (The Tripartite Theory of Knowledge)، فكانت الأطروحة السائدة على الصعيدين الفلسفي والثقافي عامة.

ففي محاورته "ثيـَـتيتوس"(Theaetetus) ، يتطرَّق أفلاطون بصورة بارعة إلى الخطوات الضرورية في ما يتصل بمفهوم العلم/المعرفة، وينتهي بالبحث إلى أن العلم/المعرفة عبارة عن "الاعتقاد الحقّ بضميمة لوغوس"، (True belief with logos). ويريد بعبارة "لوغوس" المنحى العقلي السليم في التمسك بصحة الاعتقاد، وليس مجرد أن يعتقد الفرد بالشيء فحسب، فذلك لا يعتبر علماً/معرفةً، بل أن يعتقد مع سببٍ عقلائيٍ مقبولٍ في تمسكّه بعقيدته. وهذا المنحى الأفلاطوني في التحليل للقضية أيضاً يُعرف بـ"العقيدة الصّحيحة المُبررَة" (JTB: Justified True Belief)

ولنا أن نتطرَّق، وباقتضاب، إلى "نظرية المعرفة الثلاثية" التي تُحرز "العقيدة الصحيحة المُبررَة" بالتركيز الآتي، حتى يصُح أن نقول أن فرداً ما يعلم/يعرف قضيةً ما، فذلك يصدُق بالفعل إذا تحققت بالدقة والحصر أمور ثلاثة: أن تكون القضية صحيحة صادقة (في نفسها)، أن يكون الفرد مُعتقِداً بتلك القضية الصّحيحة الصّادقة (في نفسه)، وأن يكون الفرد مُبرراً في اعتقاده هذا (أي اعتقاده بتلك القضية الصحيحة الصادقة). 

هذه الثلاثيَّة، فلسفياً، تُعتبر الشروط الجامعة المانعة لتحقّق العلم/المعرفة للفرد طبقاً للتفكّر الأفلاطوني. وبغيرها، لا يكون له نصيب منه. وقد وقع جدال معتبر في القضية الثالثة من الثلاثة (التبرير، سواء النفسي للذات في الداخل، أم الغيري للآخر في الخارج) في ما إذا كانت كالأوّليين من حيث الضّرورة والالزام والتبادر البَدَهي. ولا يسع هذا المقال التفصيل في ذلك، ولكن هذا ملخّص الأطروحة الأفلاطونية في المسألة.

 

إشكاليَّة غيتير حول تحديد "الحقيقة"

بالعودة إلى "إشكالية غيتير"، فقد وجّه سهام النقد -تجاه النموذج الأفلاطوني السائد في التعاطي مع نظرية العلم/المعرفة البشرية- من خلال استعمال أمثلة معاكسة بأسلوب "مكافحة المثال" (Counterexample)، والَّذي يُعد من المُقاربات والأدوات الفعالة في عملية النقد الفلسفي. 

غيتير أشكل على القضيّة من زاوية أنّه يمكننا تصوّر أنَّ فرداً ما يُشكلُ عقيدةً أو قناعة ما تجمع بين "الصحة والتبرير" في آن واحد، يعني فرض حالة مختلفة تجمع بين الثلاثي الذي تقدَّم ذكره (1/القضية الصحيحة، 2/الاعتقاد بها، 3/تبرير المُعتَقَد)، مع إضافةٍ فارقةٍ، وهي أن الفرد نفسه، ومع تحقّق الخطوات الثلاث عنده، "لا يعلم/لا يعرف" بالضرورة أنه، ومع ذلك كلّه، يقف على علم ودراية بمحتوى مُعتقده ومضمونه! 

وهذا إنّ صحّ، فإنه يعني أنَّ الثلاثي لا يؤدي بالضرورة إلى تحقّق "العلم" للفرد نفسه لمجرد ما يحقّق له الاعتقاد، فإنّ اعتقاده بالشيء مع صدق الشيء نفسه، ومع تبرير المُعتقد أيضاً، لا يعني أنه وقف بالضرورة على صحة العلم/المعرفة بالنسبة إلى محتوى مُعتقده.

وتمثيلاً لإشكالية غيتير، نقارب الأمر بهذا المثال: لنفترض أنَّ فريقين يتنافسان بمسابقة في ما بينهما، "يعتقد" جمهور الفريق الأول أنَّ الفريق الآخر سيفوز على فريقهم، وتكون له الغلبة الساحقة لجدارته، ولأنه مدعوم من رجال أعمال وازنين طيلة أعوام مديدة أهَّلته للتفوق والامتياز في الأداء وتوفر التدريب الراقي.

وبعد نهاية المسابقة، يجد جمهور الفريق الأول المفاجأة الصادمة، وهي أنَّ فريقه هو الَّذي حقَّق الفوز بشكل ساحق. وبعد التحرّي والخوض في بعض التفاصيل، يجد الجمهور بما لم يكن يتوقّع أن فريقه كذلك مدعوم برؤوس أموالٍ معتبرة ومنذ أعوامٍ طويلة. 

هنا يقع الالتباس وعدم الثبات! فما عساه أن يستنتج عن حقيقة اعتقاده الأول؟ أكان مُخطئاً في اعتقاده بجدارة الفريق الآخر وتفوّقه على فريقهم أو أنه يمضي مُصراً بثبات على مُعتقده بأنَّ الدعم المالي بالتمويل كان الفيصل وله الدور المباشر في الفوز؟

بالطبع، هذه الجدليَّة في منهج المنطق الأرسطي (نسبة إلى المعلّم الأول عند الفلاسفة المشائين أرسطو طاليس (Aristotle ومسالكه، هي قضية استقراء ناقصٍ (Incomplete Induction) غير تامٍ، فلا يمكن الصّيرورة بحال إلى صحّة الاعتقاد هذا أو ذاك في هذه الحالة المنفردة، على الرغم من أنَّ كثرة توارد الحالات المماثلة ستجعل الاستقراء أمراً أكثر صحةً وصواباً للتمسك وأكثر جدارةً للاعتقاد، لكنه مع ذلك سيُبقي المسألة في دائرة "الاعتقاد" الذي لا يؤدي إلى "علم" قطعي أو نهائي في الأمر، فتبقى الإشكالية قائمة على حالها الأول: ليس كل مُعتَقَدٍ مُلازماً أو مُساوقاً للعلم أو المعرفة على نحو الضرورة، فبعض معتقدات الفرد في خلده الذاتي قد تُذهله (وربما تَفجعُه) بالتحليل، لأنها اعتقادات انعقدت وقناعات تشكّلت في ما لا يوافق "العلم" الواقعي في الخارج الموضوعي. وهذه مسألة خطيرة للفرد والمجتمع والشّعوب من حيث استقامة الرؤية وتنمية المعرفة وازدهار المسار ونهوضه.

فالجمهور في المثال السابق ربما أصاب الصحَّة الواقعية في اعتقاده بموضوعية التمويل كشرطٍ لفوز الفريق، لكنه في الوقت نفسه ربما أصابها اتفافاً و"صدفةً" محضةً، لا إحرازاً لشرط الإلزام والضرورة، أو لشرط الكفاية في إنجاز الفوز. والتفريق بين الحالتين مهمّ، على الرغم من أنَّ النتيجة مشتركة من حيث المُخرجات وما انتهت إليه مجريات الأمور.

 

بين الحقيقة والمصادفة

نجد حولنا حالات كثيرة لأفراد أو أقوام يُلزمون قناعاتهم بروابط متداخلة ومتداعية ومتماسكة، وهي في الحقيقة أمور لا تقوم في ما بينها بالضرورة أيّ روابط حقيقية، ولا تتصل أطرافها أو أجزاؤها بأيّ صِلاتٍ علية أو غير علية من علاقات التداعي والترابط والاقتران والتزامن، التي عادةً ما تُفسر بمفاهيم وأُطر وعبارات السَبَبية، وهذا أمر لافت يسترعي الاهتمام والدراسة في جوانب عدة، منها تقويم الفرد، ونضجه الفكريّ، وازدهاره المعرفي، وشغفه لطلب الحقّ والحقيقة، ونهضة الشعوب بالتنوير والثقافات المعتدلة، بعيداً من الجهل والتخلّف والخرافات الزائفة.

من هنا كان لزاماً أن يتمّ التأصيل للمسألة في أبعادها الفلسفية، وتقعيدها على أسس صائبة، مع ما تُتيح له المناسبة من سعة التفيك والتحليل في هذا المقام، فما يجمعه الفرد في رأسه من علاقات بين أمور معينة، ربما لا صحَّة في اقترانها ببعضها البعض أصلاً، لا من قريبٍ ولا بعيدٍ، إلا أن تكون الظواهر التي ترد في دائرة مشاهداتنا مُقتَرَنة بشكل من الأشكال ومُتداخلة على نحو يدفع بنا إلى تصور أبعاد علية أو سببية إضافية بين الأجزاء القائمة في ظرف خارجي مُشتَرَك.

وبتمثيل آخر يُضاف إلى الذي سبقه، يمكن القول: لو حدثت ظاهرتان في آن واحد أمامنا، يمكن أن تبعثنا هذه المشاهدة، وبسهولة، إلى الاعتقاد بأنّ إحدى الظاهرتين تسبَّبت بالأخرى، إيجاداً لها أو تأثيراً فيها، وهذا بالطبع ليس استنتاجاً صحيحاً بالضرورة، فَلَو أنَّ شعباً ما كلَّما أراد أن يطرد المُحتلّ الغاشم على صدره، على سبيل التقريب، نهض على كيانه الدخيل وعلى سطوته العابثة في طول البلاد وعرضها، وبعد ذلك وجد أنه فشل في مساعيه للتحرر وطرد المُحتل، كما كانت سابقاتها من المحاولات في التجارب الماضية، فلا يجوز منطقياً حينها أن يصير والحال إلى مقولة "أننا كلما أردنا طرد المُحتل أو الغازي فشلنا، إذاً سنفشل!".

هذا المنطق غير سليم، فالماضي وسوابق التجربة تُترك للماضي، ولا تحكم القادم ولا تتحرَّك في تقييده، إلا من حيث الاعتبار والتنوّر وإثراء التجربة، فربما تشكَّلت المعتقدات السابقة عن الفشل في ضوء الصدَف وعدم توفر شروط الفوز والنجاح الحقيقية، بعيداً من العلم الحقيقيّ الصّحيح الذي يصيب الواقع. وبذلك، كان لزاماً التفريق بين حالات الصدفة والحقيقة، والتي كثيراً ما يقع الخلط بينها في وجدان الناس وقناعاتهم.

 

اختبار صحَّة تجاربنا على مطرح الحقيقة

ومما لا شكَّ فيه عند البحث عن حالات مماثلة، وبعملية التقارب والمقارنة والتجريح، يمكن تدقيق المشاهدات أكثر فأكثر، والتمييز بين الزائف منها والصحيح بنحو موضوعي مستقلّ إلى حد بعيد ومُقنع عقلياً، فالطفل العربي، مثلاً، لو سكن منذ ولادته في بلده الأم بلا تواصلٍ مع العالم البعيد من حوله عبر المعلومة أو قنوات التواصل المختلفة، وبلا سفر أو تجول أو تفكّر مليٍ، ربما عندها يصير إلى فهمٍ قاصرٍ مغلوطٍ، ويُنشئ عقائده عليها تباعاً.

فربما يعقد هذا الطفل في طور تعلّمه في الصغر أو حتى عند الكِبَر القناعة والفهم على أنَّ العالم كُلَه يتكلَّم باللسان العربي، كما شاهد محيطه الاجتماعي الخاصّ يفعل عندما نشأ فيه طفلاً يافعاً، أو يعتقد أنّ جميع الناس يدينون بديانة واحدة، أو يحملون المنظومة القيمة والتقاليد والعادات الموحدة نفسها أو الهموم الضاغطة نفسها، أو أن يكون في نمط نظرته إلى الكون والحياة متأثراً بتلك السوابق الذهنية والتبادرات الأولى التي شكَّلت منظومة معرفته، في حين أن هذا مُعتقد لا يلتقي والحقيقة وصحّة الفهم وسلامة الوجدان. 

ثم بعد ذلك، لا بُدَّ من مُختَبِرٍ (وهي ذات الإنسان بنفسه وعقله) ومُختَبَرٍ (وهي الواقعة أو الحدث أو الفكرة)، ومحلّ اختبارٍ (الظرف، بوحدةٍ أم تفرقٍ، من خلد الإنسان والواقع الخارجي)، وخبرة مُستحْصَلة (العقيدة المُمحصة ونتاج الاختبار). 

وكلَّما ساح الفرد سياحة المتبصّرين في الأرض، وجال في الأمصار وتجارب الأمم والشعوب والشخوص، ازداد فهمه غنى، وبصيرته ثاقبيةً، وعقله التجريبي إلماماً، وعقله الطبْعي سعةً وعمقاً، ورؤيته للعالم من حوله والحياة تنوراً وصواباً.

أما ما يُطلق عليه "الحقائق العلمية" (Scientific Facts/Truths) فهو حقائق نسبية، فيها الثابت والمتغير، وهما قطبان متجاذبان ومتنافرين في آنٍ في جدلية قائمة دائمة. والثابت في الطبيعيات ليس كالثابت في الرياضيات أو المنطقيات أو الفلسفة، لأن هذه الميادين لا تعتمد على الاستقراء (التام والناقص) في ثوابتها، كما تفعل العلوم الطبيعية (Natural Sciences)، بل تعتمد على القياسات العقلية الجازمة القطعية التي تجعل من ثوابتها ثوابت راسخة، كمقولة أنَّ الاثنين نصف الأربعة، وأن الأربعة عدد زوجي مركب، وأن جمع زوايا المثلّث يساوي مجموع الزاويتين القائمتين، وأنَّ الخطين المتوازيين لا يلتقيان.

ومنطق التجربة الاستقرائي لا يمكن أن يستوعب كلّ الحالات والأفراد، مهما اتّسعت دائرة الاختبار والتجربة، في الوقت الَّذي يفيد القياس العقلي ( (Deductionالقطع واليقين عند تحقّقه بصورة سليمة، لكن ليس كل الحقائق مما يمكن إخضاعها للقياس العقلي والرجوع إليه بالتحليل، فبعض أو أغلب الأمور في واقعنا ذات طبيعة استقرائية.

متى يحلو لنا القول إننا نعلم؟

النموذج الثلاثي في التحليل الأفلاطوني للمسألة يؤمّن لنا الثقة بدرجة عالية بالنسبة إلى جهات الحقيقة والصحة والصدق والثبات وعدم الزيف في الأشياء والمعتقدات، إلا أنَّ صرامة المُعتَقد بحاجةٍ إلى عملية تجريح وافتتان، بحسب ما أورده غيتير من إشكالية قائمة لتفادي الحالات التي تفترق فيها الحقيقة عن العلم الواقعي، لتتحوَّل إلى وهم وخيال وزيف وخرافة.

وقد التزم بعض الفلاسفة البراغماتيين النتائجيين (Pragmatists Consequentialists)، أمثال الأميركيين وليام جيمس (1842-1910م – 1328-1257هـ، William James) في نهاية القرن التاسع عشر وطليعة القرن العشرين (الملقّب بـ"أب علم النفس الأميركي")، وشارلز ساندرز بيرز (1839-1914م – 1332-1255هـ، Charles Sanders Peirce)  المعاصر لجيمس (وهو الملقّب بـ"أب البراغماتية")، ومن هم على شاكلتهم في قناعاتهم الفلسفية، بفكرة "الانتفاع" (Usefulness) عِوضاً عن الحقيقة بمعناها السائد في نتائج الأعمال مما يحمله الفرد من اعتقاده. 

لقد تركوا التمسّك بضرورة إصابة "الحقيقة" في كبد الواقع، والبحث عنها كقيمة ذاتية مستقلة، فهم لا يُبالون كثيراً بمسألة ماهية الحقيقة في نفسها، بقدر ما يكترثون بمسألة ما تعنيه العقيدة للمُعتقِد نفسه بمقدار ما للأثر العملي الإيجابي من الانتفاع في حياة الفرد من خلال عقيدته، وصياغة جوانب الانتفاع للمضي في معترك الحياة بتصورٍ مؤدّاه أنّ ما ينفع في نهاية المطاف، فليكن مُقترناً أو مُقارباً للحقيقة في الواقع أو لا يكون. 

هذا الاتجاه البراغماتي الّذي ينشد النتائج لمنافعها، بقطع النظر عن تعريف مفهوم الحقيقة في نفسها، لا يتوافق مع منهج أفلاطون ومَنْ سار على مسلكه في تحديد معنى الفضيلة والبحث عنها في حياة الفرد والجماعة لنيل الحياة الفاضلة المرضية.

وقد ذهب قسم آخر، كالفيلسوف الأميركي جون ديوي (1859-1952م – 1371-1276هـ، John Dewey)، إلى أنَّنا في تفلسفنا حول الأمور، لا نواجه المعضلات الفلسفية لحلّها عادةً بحلول ناجعة بالضرورة، بل ما نفعله هو القفز عليها وتفاديها، كما يتفادى أحدنا قِرنا الثور الغاضب، فنتفلّت من مصير المواجهة لنبقى إلى ما بعدها.

هذا هو ما يريد تصويره في مسألة أننا ربما لا نصيب الحقيقة بعينها، لكننا نتعامل معها وكأنها كامنة في عقائدنا دائماً ومُختزنة في داخلنا بشكل من الأشكال، وهو الاتجاه ذاته الذي يأخذ الحقيقة مأخذ النتيجة والانتفاع والأثر الفعلي العملي النهائي، ليتفادى التورّط في شباك التدقيق في المعاني العميقة للحقيقة بصفتها قضية مستقلة ننشدها ونبحث عنها ونسعى إلى التكامل بالاتصال بها، وكأنهم يئسوا من حكاية البحث عن الحقيقة لفرط دقّتها وغيابها النظري المفهومي عن العقل البشري.

 

دور التزييف في عصر المعلومة السّريعة

حَجْب الحقيقة بالتظليل، والتشويش، وخلط-خبط المفاهيم ببعضها البعض، والتعتيم والتمويه بمختلف الأساليب، واللعب على ذقون الناس بمُخادَعة العقول، للعبث بمقدراتهم ومصائرهم، وترويض النفوس والمجتمعات والشعوب لتركيعها واستعبادها، ثم استحمارها، ومحاولة النيل منها بتدجينها بقوالب وأطُر بعيداً من نداء الفطرة والفطنة، وإخماد الوعي وروح الحقيقة في الضمائر، كلّ ذلك من أقدم الاشتغالات التضليلية الخبيثة والأساليب الماكرة التي مورست بحقّ الأمم في سُبل الهيمنة والتسلّط والمُلك والحُكم والحاكمية والرئاسة.

وبذلك، يُراد لعملية التزييف أن تصبح الحالة الطبيعية المُعتادة المُطَبَعة في وجدان الناس، ولا سيما أن العالم من حولنا "موبوءٌ" بأدوات التواصل السريع المُنفلتة، والناس مهووسون، بدوافع شتى تثير الاستغراب والاستهجان، بالنشر السريع على حساب الحقيقة والصحّة والدقّة، فنجد أنَّ الفرد وجهاز هاتفه النقال الخاصّ به أصبح، وبصورة عفوية ساذجة، بمثابة مِذياعٍ متحركٍ، وبوظيفةِ وحدةٍ إعلاميةٍ متكاملةٍ، بعيداً من تمحيص الحقيقة في ما يُقال ويُنقل ويُنشر.

ومما لا شكَّ فيه أنَّ منحى البراغماتية الاختزالية للأخلاق حول الحُب والميل والانجذاب الفطري الطبيعي إلى "الحقيقة" -كما حول القيم والأخلاق في الشعوب– تحول إلى مسعى استغلالي مُختَزَل لاستحصال أكبر قدرٍ من المصالح والمكتسبات الانتفاعية الضيقة على المستويات الفردية والجماعية، فالأفراد والمنظمات والشركات والحكومات ومراكز الإعلام باتت تميل إلى هذا الشكل من الإيديولوجية العملية التي تُنتج عقليةً نفعيةً لا تُقدر الأمور إلا على موازين المصالح القومية الضيقة، وعلى حساب حرمان الآخرين من حقوقهم وثرواتهم وحرياتهم.

قد نرى أنَّ شخوصاً أو حكوماتٍ تأتي إلى السلطة بناءً على وعودٍ بتنفيذ مصالح ومطامع بشعة جشعة، بدلاً من أن تَعِد بالتمسّك والالتزام بالمبادئ والأصول الدولية المتعارفة، التي تؤمّن الصّالح والسّلم العامين للبشرية جمعاء، فهذا المنحى من التفكير الأناني والأداء العالمي النفعي الانفرادي هو الذي أخرج عفريت "الشعبوية" (Populism) مجدداً في السّنين الأخيرة من الكوامن المتوحشة في باطن الشعوب إلى السطح، وكشر عن أنيابه الناهشة ووجهه اللاحضاري القبيح، وغذّى عقلية التفرّد والتحدّي والتجاسر على الحقيقة والأخلاق والأنظمة والعهود والمواثيق الأممية التي التزمت بها الأمم للصالح العام.

فكم من سُلطويّ انتهازيّ في عالمنا يتغنّى ويتفنّن بتحدّيه وكسرهِ الأعراف والاتفاقات الأممية على مرأى العالم ومسمعه، ويعتمد الإعلام الزائف (Fake News) لتحقيق مآربه! وهناك أكثر من عامل إلى جنب "البرغماتية اللاأخلاقية النتائجية" في تفسير نهوض الشعبوية القومية العالمية على حساب الأنظمة الديموقراطية التي ترفع شعار الحقيقة والأخلاق، كالحرية والعدالة والمساواة وغيرها. 

وتبقى الحقيقة في عصرنا في انتظار من يخلّصها من شباك التزييف، بالتعقّل والتدبّر والتنوّر والتحرّر، والمُخلص الفعليّ هو كلّ واحدٍ منا في محكّ الحياة الحقيقية المكافحة في صحّتها للزيف والخداع والغشّ والمكر والتضليل والاحتيال والخيانة. ذلك مسلك الحقيقة وطُلابها، أفراداً وشعوباً.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حيدر الجعفري

محاضر متخصص في الفلسفة والعلوم الإنسانية وأنظمة الحاسوب، وباحث أكاديمي بكلية "العلوم الإجتماعية والدراسات الدولية" – إنجلترا.

إقرأ للكاتب

ملحمة الوباء للمُعتبرين.. تجلّي السُنن الكونيّة في الآيات المنسيّة

أين هم دعاة الإفتخار والنرجسية والإستكبار على الناس؛ أبقيت بلدانهم متميّزة فوق البلدان؟! وهل...

الخوف من الوباء.. أخطر من كورونا

إنَّ استشعار الخوف نعمة في حياة الإنسان، والخالق الحكيم أوجد الخوف كعنصر إبقاء على حياة الكائن...

خوض الصّراعات بشعوب "الزومبي"

الزومبي الفلسفي ليس كالزومبي الذي نشاهده في أفلام هوليود الخيالية؛ موجودات دمويّة مُخيفة تُرهب...