مرحلة ما بعد الولايات المتحدة.. الأمّة وحال التبعية

بعد أن سلمت غالبية الدول العربية مصيرها إلى الولايات المتحدة الأميركية، ها هي اليوم تبدأ بالبحث مجدداً عن مصيرها للفترة القادمة، فترة ما بعد الولايات المتحدة.

  • نشهد لأول مرة انقساماً بين مجلس التعاون لدول الخليج العربي، بعد أن أعلنت قطر تحديها المباشر للسعودية (أ ف ب- أرشيف)

صحيح أن البلاد العربية، على الرغم من جميع المقومات والمشتركات بينها، لم تتمكن منذ استقلال معظم دولها الوهمي إلى الآن من تحقيق أي تقارب وحدوي أو اتحادي، باستثناء تجربتين أو أكثر باءت بالفشل والانهيار، بسبب الكثير من الأخطاء النابعة عن النرجسية وحب السلطة والذات، لكننا، وبعد مضي أكثر من 100 سنة على قيام هذه الدول، لم نشهد أسوأ مما هو عليه الحال، فهي لا تزال مشغولة بالبحث عن مصيرها (الاستقلال أو التبعية)، ولا تزال ماضية على المنوال والمنهاج نفسه، فبعد أن سلمت غالبية الدول العربية مصيرها إلى الولايات المتحدة الأميركية، ها هي اليوم تبدأ بالبحث مجدداً عن مصيرها للفترة القادمة (فترة ما بعد الولايات المتحدة). 

وفي مشهد مختصر لحال الأمة، يعيش الوطن العربي مجموعة من الأزمات التي استهدفت كيانه ووجوده. وقد خلّفت الفوضى والجهل عند بعض القادة تغيرات كثيرة وكبيرة في كيان الدول العربية وسيادتها، واستفحل العداء الشديد بينهم، فانهارت معه منظومة الأمن القومي العربي، وأصبحت الحروب تدور في كل مكان وزمان. 

وها نحن نشهد لأول مرة انقساماً بين مجلس التعاون لدول الخليج العربي، بعد أن أعلنت قطر تحديها المباشر للمملكة السعودية. وها هي أثيوبيا تهدد مصر مباشرة في شريان الحياة لديها، وتتجاهل معالجة الأخطار المترتبة على بناء سد النهضة، وترفض سماع أي صوت عربي، الأمر الذي قد يتطور إلى قيام حرب بين البلدين.

وها هي السودان تصبح سودانين، والحرب تشتعل في اليمن منذ سنوات بدعم عربي. كما أن سوريا دخلتها كل جيوش العالم، وتحتل تركيا شمالها، وليبيا أشعلها الناتو، ووقف متفرجاً على حصاد أفعاله.

وها هي بعض الدول العربية تقوم بالاتصال المباشر مع "إسرائيل"، وتتبادل الزيارات الرسمية، وتعقد الاتفاقيات معها، وتفتح لها الحدود (قطر، عمان، السعودية، الإمارات، والسودان)، وبشكل علني، بعد أن كانت هذه اللقاءات والاتصالات لا تتم إلا سراً، في الوقت الذي تغلق حدودها أمام كل ما هو عربي.

وها هي تقف عاجزة أمام التحديات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد ارتكابه مجموعة من الجرائم الدولية، واعترافه بالسيادة الإسرائيلية على القدس والجولان، وقيامه بطرح صفقة القرن المهينة، فكيف وصلت الأمور إلى هذا المنحى الخطير في العلاقات العربية؟

أمام رؤية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وبعضٍ من إدارته بضرورة البدء بإجراء تغييرات في السياسة الأميركية في المنطقة، للتوجه نحو الحد من مخاطر تصاعد النفوذ الروسي والصيني في العالم، استقرّ رأي الإدارة الأميركية على تقليص تواجدها المباشر في المنطقة العربية، بعد التأكد من وجود البدائل والآليات القادرة على حفظ الاستقرار فيها وضمان حماية مصالحها. 

وبذلك، اتخذ الرئيس أوباما وبعض من فريق إدارته في 12 آب/أغسطس 2010، بعد أن زوّدته أجهزة الاستخبارات الأميركية بمعلومات عن قرب وقوع هزات واضطرابات عنيفة في بعض الدول العربية، قراراً خطيراً تضمَّن التضحية بأنظمة حليفة له، باعتبارها أنظمة غير محبوبة من قبل شعوبها، وباتت تشكل خطراً على مصالحها، فوجدت هذه الإدارة أن من الضروري لتحقيق ذلك أن ترفع يدها عن التيارات الإسلامية وتدعمها، لتكون بديلاً من هذه الأنظمة حين سقوطها، واستقر الرأي على دعم جماعات الإخوان المسلمين.

وقد تحدث مراسل صحيفة "نيويورك تايمز"، السيد مارك لاند، عن هذا القرار في مقال نُشر بتاريخ 16 شباط/فبراير 2011، إضافةً إلى مقالات أخرى، أبرزها تلك التي نشرها ديفيد أغناسيوس، والتي تفيد بأن التقارير المرسلة إلى الرئيس أوباما من قبل أجهزته الأمنية، تشير إلى حدوث خضات وأزمات كبيرة سيشهدها العالم العربي، وتقودها الشعوب العربية ضدّ الأنظمة فيه، وخصوصاً "مصر واليمن والبحرين والأردن"، وأن وسائل التواصل الاجتماعي ستقود عملية تأليب الرأي العام وتهييجه. 

وكانت صحيفة "واشنطن بوست" قد نشرت من خلال مراسلها ويلسون سكات أن الإدارة الأميركية أجرت تقييماً للجماعات الإسلامية، ووجدت أن الوطن العربي يحتوي الكثير من التيارات الإسلامية، وجميعها يشترك في حمل كلمة إسلامي، لكنها في المقابل تحمل الكثير من الاختلافات في ما بينها، فتوصلت إلى نتيجة مفادها أن جماعات الإخوان المسلمين لا تتبنى فكرة الجهاد العالمي والموت لأميركا أو كرهها، بل العكس من ذلك، فهي قادرة على حماية المصالح الأميركية في المنطقة عند خروجها، وهي جاهزة لأن تكون بديلاً من الأنظمة التي ستسقط، ولها حضانة شعبية وامتداد جغرافي. وبذلك استقر الوضع على التعاون معها ودعمها لاستلام السلطة. 

استند الرئيس السابق أوباما في تقييمه الإيجابي لجماعات الإخوان المسلمين إلى رؤيته لحزب العدالة والتنمية التركي (في ذلك الوقت)، فرأى أن رئيس النظام التركي رجب طيب إردوغان هو رئيس إسلامي في دولة علمانية، وأن الحزب يشمل عدة تيارات وتوجهات مختلفة، وهو صديق للغرب والكيان الإسرائيلي.

ولكن الرئيس أوباما وإدارته لم يدركا أن نجاح هذا الحزب لم يكن بسبب الفكر الإسلامي الذي يتصف به، وإنما بسبب الضوابط والضغوط والتوازنات الناجمة عن وجود الحزب مع جيش ومؤسسات عسكرية كانت قد تعهّدت مسبقاً منذ أيام مصطفى أتاتورك بالحفاظ على العلمانية.

وعندما بدأت الأحداث نهاية العام 2010 في تونس، شكَّل الأمر مفاجأة كبرى للرئيس أوباما وإدارته وتقاريره الاستخبارية والأمنية التي لم تتوقع أن تكون تونس البداية، لكنهم سرعان ما تجاوزوا المفاجأة، ليستعدوا للتطورات المتلاحقة في المنطقة وتتابعها. ولذلك، ما إن بدأت الأحداث في مصر، حتى سارع وإدارته إلى الاتصال بجماعة الإخوان المسلمين لتسهيل أمور صعودها واستلامها الحكم.

وفي المقلب الآخر، وبعد أن اشتعلت الاضطرابات في ليبيا، عملت هذه الإدارة ورئيسها على الإطاحة بنظام الرئيس معمر القذافي من قبل حلف الناتو الذي التفّ على قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بليبيا، وقام بضربها أولاً، ليتركها بعد ذلك كي تدمر ذاتها بذاتها (ولا يزال الاقتتال قائماً إلى يومنا هذا). 

وخلال ذلك، استشعرت دول الخليج، وخصوصاً السعودية، الأخطار القادمة على المنطقة مع قيام الولايات المتحدة الأميركية بالتضحية بحليفها في مصر، فبدأت العمل على عرقلة التوجهات الأميركية الجديدة، وهذا ما نراه عندما قامت الولايات المتحدة الأميركية بدعم التحركات في البحرين، إذ سارعت الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية، إلى أن تطلب من الولايات المتحدة رفع يدها عن البحرين، خشية حدوث اضطرابات كبيرة قد تؤدي إلى تدخلات إقليمية في المنطقة، وهو الأمر الذي لا تتحمله دول الخليج العربي، والتغيير الذي تريده وستشارك به يجب أن يقع على الدول الأخرى التي تمانع السياسة الأميركية في المنطقة والتوجه نحو الكيان الإسرائيلي. 

ونتيجة لموافقة الولايات المتحدة الأميركية على ذلك، فشل الحراك في البحرين. ومع فشل هذه التجربة، وتعثّر الإخوان المسلمين في مصر، بدأت بعض الدول الخليجية العمل على دعم تحركات مضادة في دول المنطقة. 

ونتيجة للرغبة الأميركية في الانسحاب من المنطقة لتتفرغ للمخاطر القادمة من الصين وروسيا، وبعد تتابع مسلسل الفشل الذي أوقعت نفسها فيه، بدأت عشرات الجماعات الإسلامية تتشكل في لحظة مناسبة ضمن بداية ظهور فراغ في المنطقة، لتعمل على الاستيلاء على السلطة في أكثر من مكان، بدعم من دول خليجية وإشراف أميركي مباشر.

وكانت أكثر الدول تحمساً لدعم مشروع أوباما أو خطته هي تركيا وقطر وجماعات الإسلام السياسي، وخصوصاً الإخوان المسلمين، في مواجهة السعودية ومصر (بعد العام 2013) والإمارات العربية المتحدة، فتشكل بذلك محوران متصارعان (قطر وتركيا – دول خليجية)، لبث الفوضى والدمار والصراع في أكثر من مكان (ليبيا – سوريا – اليمن)، ما استدعى دخول أطراف أخرى إقليمية ودولية إلى المنطقة العربية (روسيا – إيران – تركيا – "إسرائيل")، لتشارك في مجريات الأحداث وتطورها تحت عدة مسميات (الشرعية، محاربة الإرهاب، الاستقرار، الدعم...).

أدركت الولايات المتحدة الأميركية أنها لم تعد قادرة على تحمل أعباء حماية حلفائها، وحفظ السلام والاستقرار في العالم، وأنه لا بد لها من تقليص تواجدها في الخارج، مكتفية بالتركيز على المناطق التي قد تهدد مصالحها بشكل مباشر (ولذلك، نجد أن الرئيس الأميركي اتخذ سياسة جديدة تجاه الحلفاء تقوم على كلمة واحدة: "ادفع").

يقول ترامب في معرض تبريره إعلان الانسحاب من سوريا: "لقد قُضي الأمر في سوريا منذ زمن طويل.. نحن نتكلم عن رمل وموت".

إن التطورات الأخيرة والخطيرة التي يشهدها الشمال والشمال الغربي السوري، أسقطت الكثير من الأوراق عن النيات التركية غير المعلنة، وبيّنت أهدافها الاستراتيجية البعيدة المدى التي وضعتها أنقرة لصالح مشروع خطير يمس الوحدة الجغرافية والديمغرافية السورية، حيث أدت تركيا أدواراً خطيرة في الأزمة السورية، ومنذ اليوم الأول للأحداث فيها، ومن ذلك قيامها بفتح حدودها الجنوبية مع سوريا والعراق لتدفق الجماعات الإرهابية من مختلف دول العالم، مع المساهمة المباشرة في تقديم المال والعتاد العسكري لها. 

لكن القوات الحكومية السورية استطاعت في حربها ضد الجماعات الإرهابية أن تحقق خطوات كبيرة في إفشال المشروع التركي، وخصوصاً تلك المتعلقة بالوضع في محافظة إدلب، التي تعتبر آخر معاقل الجماعات الإرهابية المرتبطة بأنقرة، والتي تعتبرها تركيا بمثابة مواطئ قدم يمكن أن تتكئ عليها ضمن مشروعها في الشمال السوري.

وعلى الرغم من الحال الذي وصلت إليه الأمة، لا يزال الكثير من حكام الدول العربية مصرّين على التبعية، ويتطلّعون بعين العطف والترجي إلى أن تمنّ عليهم بعض الدول، وتزودهم يوماً ما بعلاج لفيروس كورونا، مع خرزة زرقاء حتى يعاودوا نشاطهم التخريبي من جديد.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أنس الراهب

كاتب وباحث في العلاقات الدولية ودبلوماسي سابق

إقرأ للكاتب

جردة حساب

عندما بدأت الاضطرابات في بعض الدول العربية، وما رافقها من تدخّلات خارجية إعلامية وسياسية ومالية...

الجوانب غير الأخلاقية وغير القانونية لصفقة القرن

قبل أن يطرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطّته المسماة "صفقة القرن" في 28 كانون الثاني/يناير...