سرّ الوقت.. عالم جميل على هامش كورونا

الوقت. الوقت هو السرّ. هل تستأهل وظيفتك حقاً كل هذه الساعات من الضغط والتوتر؟ ما المقابل؟

  • سرّ الوقت.. عالم جميل على هامش كورونا
    انظروا إلى السماء الزرقاء التي لم نرها منذ عقود بفعل تلوثنا (صورة أرشيفية من الصين)

ليس الوباء الأول في تاريخ البشرية، ولن يكون الأخير. تحتاج عقول البشر إلى فترة هدوء عند استشراف المستقبل، وهذا ما يفتقده العالم اليوم. في نكات الشعوب وطرائفها منذ بداية العام 2020 ما يحكي الكثير عن اضطراباتها النفسية ومشاعرها وتفاعلاتها مع الأحداث "المتسارعة"، ولكن هل الأحداث هي من تسارعت فعلاً أو أن المشكلة في نمط الحياة الذي لا يسمح لنا بالتقاط الأنفاس؟

كانت الإمبراطورية الرومانية تنهار في عهد آخر أباطرتها ماركوس أوريليوس. لم تبلغ دولة في التاريخ المعروف ما بلغه مجد "روما". وشاء القدر أن يدير أورويلوس كل ذلك. كلمة إدارة هنا في غير محلها، فالإمبراطور الذي تربّى في كنف الملك ورغده كان يقصد إيلاء شؤون الحملات العسكرية لمستشاريه والتفرّغ للتأمل!

قد يبدو هذا الأمر فعلاً أقرب إلى الخيانة، بينما النيران تحرق أطراف العالم القديم وقلبه، ولكنّ التأمل في تأملات أوريليوس يثبت العكس تماماً. فلنضع أنفسنا مكانه للحظة: الحروب في كل مكان، والأوبئة تجتاح روما بسبب الفتوحات التوسعية غير المدروسة، وانتشارها في كل أرجاء العالم، وتحوّلها إلى قبلة للتجار والعبيد، والاقتصاد لم يعد قادراً على تلبية تمدد الإمبراطورية. ومع التوسع، يطلّ الانهيار الأخلاقي والفساد. 

في الواقع، لا يتحمّل ماركوس أوريليوس مسؤولية ذلك. هو ببساطة إنسان عادي وجد نفسه على عرش إمبراطورية متهاوية، ولا يستطيع فعل شيء لوقف الانهيار المقرر منذ اللحظة الأولى للانتصار.

أليس ذلك حال الشعوب والدول؟ أليس الموت هو الأجل المحتوم لكل شيء؟

"الموت يبتسم لنا جميعاً، وما يستطيع الرجل أن يفعله هو مبادلته الابتسام".

هذا ليس حديث الهزيمة. هذا الواقع. هذا العقل في أسمى تجلّياته. عِش اللحظة وابتسم. ستموت يوماً ما، بفيروس أو قذيفة أو حادث سير أو على الفراش أو بسلحفاة تسقط على رأسك من مخالب نسر! سيّان. وأمام القدر المحتوم، لا تمتلك سوى أن تبتسم.

لا يعني ذلك أبداً أن تستسلم للكآبة والمرض. لا يعني ذلك أبداً أن تخنع للكسل والملل. الابتسام للموت يعني أن "تشرب" الحياة حتى الثمالة، أن تحقق ما لم تقدر على الحلم به، أن تبتكر الأفكار فكرة تلو الأخرى في زمن الشلل عن التفكير.

انظروا من حولكم. هو مجرد كائن حي لا يمكننا رؤيته، ويمكن هزيمته بغسل اليدين جيداً وعدم ملامسة أحد! 

انظروا إلى السماء الزرقاء التي لم نرها منذ عقود بفعل تلوثنا. انظروا إلى النجوم اللامعة التي نسيناها. انظروا إلى أولادكم يكبرون أمامكم. هل تذكرون آخر مرة فعلتم أيّاً من تصرفات الأطفال؟ ما الذي تغيّر؟ هل كورونا هو السبب فعلاً أو أنه نمط الحياة اللاهث وراء الموت! الموت من الهم؛ هم المعيشة، همّ الحقد، همّ الجشع، وهمّ الهموم التي راكمناها في عقولنا لحظة بعد لحظة، وفعلاً بعد فعل، ثم تضحكون على جداتكم اللواتي يحدثنكم ويحدثنكنّ عن الزمن الجميل. كيف كان يمكن لتلك السيدات المليئات بالحياة أن يدرن العالم كله من دون أن يمتلكن تلفازاً وسيارة وهاتف "أيفون" وفايسبوك؟! كيف كن يجدن الوقت لرواية القصص لـ"دزينة" من الأولاد والأحفاد؟

الوقت. الوقت هو السرّ. هل تستأهل وظيفتك حقاً كل هذه الساعات من الضغط والتوتر؟ ما المقابل؟ المال الكثير الذي ستجنيه لتعالج أمراضك قريباً، والأنفس المسمومة نتيجة عدم قدرتها على التواصل؟ كم ترهق نفسك بسبب مدير يظن أنه يصنع أحلامه ويُشبع "أناه" على ظهور الآخرين، فيما هو يفتقد كل معنى جميل، وينظر إلى الجميع من حوله على أنهم أعداء يسعون وراء عرشه! لا تلُم ماركوس أوريليوس حين تخلّى عن ذلك كله، وتفرّغ لكتابة تأملاته الجميلة والخالدة.

هل لديك كل ذلك المتسع من الوقت لتمارس نقصك النفسي إزاء العالم من حولك؟ هل العالم مسؤول حقاً عن أفكارك؟!

لا تلم "كورونا"، بل عليك شكره. السماء الصافية والعصافير تزقزق، وستظل صافية إلى أن نقرر مرة أخرى تسميمها بتلوثنا الصناعي والاقتصادي والفكري والنفسي، ثم نركن مرة أخرى إلى أننا أسياد العالم، وتمكر بنا الطبيعة، وتعيد الكرة مرة بعد مرة بفيروس أشدّ من هنا وكارثة طبيعية من هناك. 

ليس مهماً. المهم ألا تنسوا أن تعيشوا حياتكم حتى الثمالة، وابتسموا.. "ابتسموا رجاءً.. فجميعنا نُسحق تحت عجلات الزمن".

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي شهاب

صانع محتوى، وله العديد من الأفلام الوثائقية، سفير منظمة Hostwriter في المشرق العربي

إقرأ للكاتب

ما تأثير "كوفيد 19" في سلوكياتنا؟

المؤكّد أن ما نشهده ليس مجرد مرض ينتهي مع العثور على لقاح له، نحن نقف أمام الباب الذي يقودنا إلى...

لمصلحة من تهديم سمعة الجامعة اللبنانية؟

هل من المصلحة والعقلانية تلطيخ سمعة الجامعة اللبنانية؟ أم أن الواجب دعمها والوقوف وراء أساتذتها...

أهمّ من كتاب بولتون: اختصاصيَّة نفسيَّة قريبة لترامب تكشف أسرار العائلة

يمثّل الكتاب ذروة نزاع قضائيّ قديم بين دونالد ترامب وأولاد شقيقه، بعدما استبعدهم ومنعهم من حقّهم...

سيكولوجيا التّطبيع (2): "إسرائيل" حاجة سعوديّة داخليّة!

ما هي "الثغرات" النفسيّة الّتي ولجت منها "إسرائيل" إلى العائلة الحاكمة السعوديّة؟

سيكولوجيا التطبيع (1): كيف نجحت "إسرائيل" في اختراق السعودية؟

تدل ملاحظات الكثير من المؤلفين النفسيين العالميين على أن ساسة "إسرائيل"، وفي مقدمتهم رؤساء...

العنصرية التي كشفت وحشيّتنا: التنمر على كبار السن بسبب "كوفيد 19"

عادة ما يكون دور الإعلام سلبياً في التعامل مع الاضطرابات النفسية، بل نشرها بسبب طبيعته...