مروان عيسى.. في صمته حكاية يصعب على "إسرائيل" تفسيرها

للرجل سيرة طويلة ستُعلن تفاصيلها يوماً ما، فهو صاحب إرادة فولاذية على العديد من الصعد، وسنكتفي بطرح أبرز مراحل حياته المعلنة.

  • مروان عيسى يعتبر من القادة التحويليين لحماس

كتب توماس كارلايل: "إن تاريخ العالم ليس إلا سير الرجال العظماء"، وهو ما أكده رالف والدو في مقال له بعنوان "التاريخ"، إذ قال: "ليس هناك تاريخ بالمعنى الدقيق للكلمة. هناك فقط سير شخصية".

في هذا المقال سأتناول بالحديث رجلاً يعرف كيف يلحم البلاستيك مع الفولاذ! إنه القائد الفلسطيني مروان عيسى.
ذهلت عندما علمت بأمره، وقررت البحث عنه بنفسي، وكلما عرفته ازداد إعجابي به واحترامي له. وهنا لا أكتب عن تاريخ شخصية - ما زالت حية - ولا ينبغي ذلك، بقدر ما أسلط الضوء على محطات أعتقد أنّ صاحبها تفرد بها، وتحتاج إلى دراسة معمّقة، فالحكايا حول سيرة القائد عيسى ما زالت في بداياتها.

يبلغ مروان عبد الكريم عيسى من العمر 55 عاماً، ويُكنّى بأبي البراء. ولد في العام 1965 في قطاع غزة، وتمتّع بذكاء كبير وحسّ قيادي منذ نعومة أظافره.

عمل على تطوير قدراته الذاتية العلمية والثقافية والدينية، إلى جانب الثقافة العسكرية والأمنية. ومما ساهم إلى حد كبير في صقل شخصيته وإبراز صفاته وخصائصه القيادية، اعتقاله عدة سنوات، أهمها في العام 1990.

وبالرجوع الى تاريخ الأسر، فقد كان السيد عيسى شاباً في مقتبل العمر حينها، ويبلغ 25 عاماً، ما يوضح لنا التجربة اليوسفية المبكرة التي خاضها.

كان ذا توجه إسلامي جهادي. وشكلت الجغرافيا فرصة سانحة له للقاء الدكتور إبراهيم المقادمة، وكان يُعتبر رفيقه وتلميذه.
ولما عُرض عليه تقديم كتاب "ضيف الهديل" الذي يروي حياة المقادمة، قال السيد عيسى إنه تردّد كثيراً في الكتابة، لعلمه بأنه لن يفيه حقه، نظراً إلى طبيعة العلاقة الخاصة التي ربطته به، وأضاف: "عايشته عن قرب، وعرفت عنه الكثير، وتعلمت منه الكثير" .

من الممكن أن تكون المعارك نقاط تحول في التاريخ، فقد تقرر معركة واحدة بقاء أمة أو نهاية قائد، كما في هزيمة نابليون في واترلو.
 بعد اغتيال القائد أحمد الجعبري في العام 2012، برز اسم السيد عيسى خليفةً له. وكان رد كتائب عزالدين القسام على الاغتيال بقصف تل أبيب لأول مرة كسراً للخطوط الحمراء.

وفي عدوان العام 2014، برز استعداد القائد للمبادأة، وأثبتت مجريات العدوان أننا أمام قائد يمتلك الجرأة ويستطيع تحمل المسؤولية. وأكثر ما يدل على ذلك قول جون كيري في مذكراته: "نتنياهو كان خائفاً وجباناً خلال الجرف الصامد"، وأضاف: "لم أره جباناً مثلما رأيته في تلك اللحظة".

وفي إطار جهودها لتحليل التكتيكات العسكرية لكتائب القسام، قالت الإذاعة الإسرائيلية إن ذلك يعود إلى شخصية مروان عيسى الذي يعمل، وفق قولها، قائداً للأركان ونائباً للقائد العام. وأضافت: "عيسى رجل يؤمن بدور القوات الخاصة في المعارك"، ونقلت القناة عن ضابط في الجيش قوله: "هذا الشخص الخفي يشغل خلفه 3 أجهزة أمنية إسرائيلية ويحرمهم من النوم".

كثيراً ما تختلط السياسة والشؤون العسكرية، وقليلون هم من يجمعون بينهما، والعسكري ذو الحس السياسي هو رجل استراتيجي نادراً ما يتكرر. وقد جمع السيد عيسى بينهما، ما أهّله لخوض تجربة متفردة عن باقي القيادات الفلسطينية.

ولعل أبرز المحطات التي أرهق فيها الجانب الإسرائيلي هي مفاوضات شاليط، ففي تقرير للتلفزيون الإسرائيلي، وصف السيد عيسى بأنه "واحد من أربعة من رجال حماس المحنّكين الذين كانوا في فريق الحركة للتفاوض، ويتمتعون بجميع صفات المفاوض المحنّك".

على الصعيد الخارجي، يُحسب له البحث عن المشتركات في العلاقات. وخلال جلسة مغلقة في مؤتمر علمي تشرفت بحضوره في غزة، أكد أنهم يعملون على بناء تحالفات مع كل الأطراف التي يمكن أن تمدهم بالسلاح، ولكنه عقّب بعد ذلك قائلاً: "لم ولن نكون في جيب أحد".

للرجل سيرة طويلة جداً ستُعلن تفاصيلها يوماً ما، فهو صاحب إرادة فولاذية على العديد من الصعد، وسنكتفي بطرح أبرز مراحل حياته النضالية المعلنة، بينما سيظل سجل بطولاته الطويل خلف جدار الكتمان لسنوات قد تطول أو تقصر:

• يعتبر من القادة التحويليين لحماس، وأحد مؤسسي القسام التاريخيين وقادتها المعاصرين.

• اعتقل 5 سنوات في السجون الإسرائيلية، و4 سنوات في سجون السلطة الفلسطينية.

• تعرَّض لسلسة محاولات اغتيال، أبرزها عند اغتيال القائد أحمد الجعبري في العام 2012، وأصيب في غارة إسرائيلية في العام 2004.

• حاول العدو التجسّس عليه باستخدام مجموعة من الأجهزة التقنية الموجّهة صوب منزله لالتقاط الموجات، ثم بثها إلى أجهزة استقبال في الداخل الإسرائيلي.

• وضعته "إسرائيل" في قائمة أخطر المطلوبين، وفي قائمة الاغتيالات المحدثة لقادة المقاومة في العام 2018، وقالت القناة الإسرائيلية الثانية إنه "هادئ وخطير جداً، ولا تعرف له صورة". 

• أخيراً، صنَّفته وزارة الخزانة الأميركية ضمن لائحة "الإرهابين" في العام 2019.

ومهما أطلت في الحديث عن الرجل، فإني أعتقد أن ما يخفيه أشد وطأة مما يعلنه، ففي صمته حكاية معقدة يصعب على "إسرائيل" تفسيرها ما دام على رأس الجند، وإن كانت جولات القتال السابقة قد فسّرت جزءاً منها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
يسري أبو عوض

ماجستير في الدبلوماسية والعلاقات الدولية- غزة

إقرأ للكاتب

حراك تبادُل الأسرى ومفاتيح الصندوق الأسود

الباحِث في العقيدة الأمنية الاسرائيلية يُدرِك تماماً استحالة شروع الاحتلال في مفاوضات جادّة قبل...