حب في زمن الكورونا.. استعادة ذكريات فلسطينية

بعد أن دخلنا العقد السادس من العمر، ولا زلنا نستشعر الشباب رغم ما مضى من العمر، أتساءل: هل يتولد حب جديد في زمن كورونا؟ 

  • حب في زمن الكورونا.. استعادة ذكريات فلسطينية
    مسعفون فلسطينيون يرافقون إمرأة تغادر مركز مسقط الطبي في خان يونس (أ ف ب)

"على جميع المواطنين التزام بيوتهم...". صوت مكبّر الصوت يصدر عن سيارة شرطة تمر في حارتنا في حي البالوع في مدينة البيرة حيث أسكن. كانت أمورنا قبل هذا الإعلان في غاية التشويش، لأننا لا ندري كيف ستمر الأمور بعد غزو فيروس كورونا.

علينا الآن البقاء في بيوتنا احترازياً لمدة 14 يوماً. ستتوقَّف الأعمال، وتشلّ الحياة تماماً، وتتوقّف المسارات والأنشطة الرياضية وغيرها، ونحاول أن نقضي بعض الأعمال من البيت، وننتظر، ونترقّب المجهول!

نتابع العمل من دون مغادرة المنزل كالمعتاد صباحاً مع سماء صافية وشمس مشرقة تبعث على التفاؤل، ولا نستمتع بصوت تغريد الطيور فرحة بقدوم الربيع الذي انتظرته بعد موسم مطر غزير وجيد، والذي يذكرني بموسم الشتاء عندما كنت طفلاً، وكيف مر هذا الشتاء بانتظامه المعتاد في المربعانية والخمسينية. 

تغيّرت عاداتنا من اللحظة التي ظهرت فيها جائحة فيروس كورونا، وأصبح هاجس انتقال العدوى والوباء يؤرق حياتنا ويهاجمنا حتى في أحلامنا، وأصبحنا نغسل أيدينا ونعقّمها عشرات المرات في اليوم.

 في ظل هذه الأحداث، تبادرت إلى ذهني رواية الكاتب الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز "الحب في زمن الكوليرا"، التي خوّلته نيل جائزة نوبل في العام 1985. وبعد أن دخلنا العقد السادس من العمر، ولا زلنا نستشعر الشباب رغم ما مضى من العمر، أتساءل: هل يتولد حب جديد في زمن كورونا؟ 

أجلس في البيت. أعد صحن الحمص اللذيذ بإتقان يفوق ما نأكله في المطاعم، وصحن "قلاية بندورة"، وقرصاً من عجة البيض، وأتناول الفطور مع زوجتي، وحيدين كعاشقين على الفطور، فيما الأولاد نيام. 

أنهي الفطور، وتنظّف زوجتي الأواني التي كنت سبباً في اتساخها. أتجول جيئة وذهاباً من غرفة النوم إلى الصالون، وبالعكس. أنت الآن في وقت العمل، تفتح الحاسوب لمراجعة الرسائل الإلكترونية التي وصلتك، وترد عليها. تنهي بعض الأعمال التصميمية، أو تدقق ما قام به الزملاء، ثم تمارس القراءة المسائية لرواية "قواعد العشق الأربعون"، لتعرف أن "جميع الحدود تختلط في الحب"، كما قال شمس التبريزي، لأنك ترى أن حدود العالم تتهاوى أمام هجمة كورونا، فالهم واحد، والمرض واحد، والحب واحد، والموت واحد!

تتنقل بين قنوات التلفاز لتسمع أخبار الكون، وعدد المصابين هنا وهناك، وعدد الضحايا التي أودى بها هذا الفيروس اللعين، وتبحث في صفحات التواصل الاجتماعي "فيسبوك" و"واتسآب" من خلال الجهاز النقال. تفرغ بطارية الهاتف، فتذهب إلى جهاز الحاسوب لتفرغ ما اكتنز لديك من أفكار. 

أنهي رواية "قواعد العشق الأربعون"، وأكمل مذكرات الحكيم "جورج حبش". كلما تعمّقت في قراءتها، شعرت كم كان "حكيماً" وصلباً في مواقفه، وكم كانت مواقفه مؤثرة في مسيرة الثورة، وأن غيابه ترك تأثيراً سلبياً في هذه المسيرة، وكم كان حزنه شديداً على استشهاد غسان كنفاني ووديع حداد. 

دفعني ذلك إلى مشاهدة مسلسل "عائد لحيفا"، القائم على رواية الأديب والثوري غسان كنفاني. ومع هذا الحجر الإجباري، شعرت بأن التاريخ يعود إلى الوراء، وكأن أحداث المسلسل حصلت اليوم منذ بدء التهجير القسري للشعب الفلسطيني من أرضه بتاريخ نيسان/أبريل 1948، عندما شنّت عصابات "الهاجانا" هجماتها بالتآمر مع الإنجليز، وطردت العرب الفلسطينيين من أراضيهم قسراً، بعد أن ارتكبت الجرائم على مرأى العالم ومسمعه، وأعلنت قيام دولة المسخ في 15 أيار/مايو 1948. 

أغرق في دموع صفية ووجعها على ترك رضيعها "خلدون" في حيفا، ومحاولاتها المتكررة لتعود إليه، ومحاولات زوجها سعيد، لكنها جميعها تفشل، فيبقى أملهم هزيمة المحتل والعودة بعد أن تنقلوا بين جنين، ومخيم الجلزون، ورام الله، حتى اندلاع حرب 67، والانتكاسة التي أصابت الجميع بسببها، والتي جعلت كل فلسطين والجولان وسيناء تحت نير الاحتلال الإسرائيلي. 

وبعد جهد جهيد، تقنع صفية زوجها بزيارة حيفا لرؤية ابنهما خلدون، الذي شاءت الظروف أن تقوم الوكالة اليهودية بمنح المنزل والطفل ليهوديين قادمين من بولندا. 

كانت نهاية المسلسل مؤلمة وحزينة كبدايته. صحيح أنني انفعلت وبكيت متفاعلاً معه، وعلى مصيرنا وما وصلنا إليه، رغم التضحيات وعدد الشهداء الهائل الذي قدمناه على قربان الحرية، ولكن حلم الدولة يبدو بعيداً، بعد أن أكلت المستوطنات الأرض، وحولتنا إلى كانتونات منفصلة.

 ورغم كلّ الانتكاسات، تأتي هجمة فيروس كورونا. لأول مرة أشعر بأن الحكومة الفلسطينية تأخذ قراراً صائباً بإعلان حالة الطوارئ، وخصوصاً أن مقدراتنا الصحية ضعيفة، ولن تستطيع السلطة السيطرة على أي انتشار للفيروس ضمن هذه المعطيات، حتى جاءت قصة العامل الفلسطيني الذي كان يعمل في الداخل المحتل، واعتقد رب عمله أنه مصاب بفيروس كورونا، والذي وجدت في قصته تتمّة لمسلسل "عائد إلى حيفا".

 لم يقم الاحتلال الصهيوني بتسليمه إلى الجهات الفلسطينية المختصة، كما ورد في المؤتمر الصحافي، وإنما تركه مرمياً على قارعة الطريق كحيوان، لا كمريض بحاجة للإسعاف والعلاج.

إن هذا التصرف اللاإنساني والعنصري هو دليل على التمييز العنصري بحق الفلسطيني العامل في الداخل، أينما وجد، كما أن السماح لعمالنا بالمبيت في الداخل في ظروف غير إنسانية هو جريمة أيضاً. 

هؤلاء العمال الذين يعتاشون من قوت يومهم، والذين لا أرى إلا أنهم قرابين لقمة العيش في عصر كورونا، أوجه لهم كل التحية، ولو أن السلطة كانت معنية بحياتهم، لقدمت لهم العون من خلال الموازنة، أو طلب دعم خاص لهم من الدول العربية، أو من الفلسطينيين الميسوري الحال، الذين يكدسون الأموال لليوم الأسود، وليس هناك يوم أكثر سواداً من يوم كورونا أو زمنه، وأتصور أن أعداد المصابين ستزداد بين عمالنا في الداخل، لأنه لا مأوى، ولا ملجأ، ولا مغيث لهم. 

وتتوالى الأحداث يوماً بعد يوم. وعلى الرغم من أن هناك التزاماً من عامة الشعب بالبقاء في بيوتهم، وأن حركتهم محصورة بالحالات الضرورية فقط، فإن ما حصل في جنين في استقبال أحد الأسرى المحررين، مع احترامي له ولتضحياته، والذي أدى إلى تنظيم احتفال حاشد، وإطلاق نار كثيف في الهواء، جعل تفكيري ينقلب ومشاعري تتضارب، فقد ظننت أنه تم القضاء على الفيروس نهائياً، وأن جنين خرجت عن بكرة أبيها تحتفل، وكأنني في حلم، وصرت أقرص نفسي لأتأكد إن كان ما جرى انفلاشاً وخروجاً عن قرارات الحكومة، وأن كل الإجراءات الاحترازية التي أعلنت عنها السّلطة ذهبت مع الرياح.

شعرت بأن الأجهزة الأمنية متورطة، وسكوت المحافظ عما جرى يضعه ضمن المتمردين على قرارات الحكومة، علماً أنه ممثل للرئيس، وعليه ضبط الأمور من موقعه. وأتمنى أن لا تكون ضمن الحشد إصابات غير معلنة بالفيروس اللعين، وأن لا تكون هناك كوارث، علماً بأن جنين لتاريخه لم تسجل أي إصابة بالفيروس. 

في تصوري، إن ما اتخذته الحكومة الفلسطينية كإجراء احترازي وقائي كان قراراً صائباً منذ ظهور الفيروس في مهد المسيح - بيت لحم، إذ حد من انتشار الوباء واستفحاله، في ظل إمكانيات محدودة في المستشفيات الحكومية والخاصة، ما جعل فلسطين من البلدان التي كانت الإصابات فيها قليلة ومحدودة، على عكس البلدان الأوروبية المتقدمة و"دولة" الاحتلال الصهيوني التي لم تأخذ الموضوع بجدية، مغلبة بذلك المصالح الرأسمالية على حياة الإنسان، ففقدت السيطرة على الحد من انتشار الوباء نتيجة هذا الاستهتار. 

وتأتي الذكرى الـ44 ليوم الأرض الخالد في ظل هذه الظروف المعقدة التي تحول دون إحيائها كالسنوات السابقة، ما يقتصر على رفع الأعلام في البيوت، والهتاف من الشبابيك، للتعبير عن التمسك بالأرض والدفاع عنها.

تجول في خاطري ذكريات تلك الأيام في العام 1976، والتي تجسد حب الأرض بالدم النازف من جراح المصابين والشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن الأرض، ورفضاً لمصادرة الأراضي وتهويدها في شقي الوطن، وكم كان الحس الثوري عالياً في ذلك الوقت! وكيف كنا موحدين كفلسطينيين في الداخل، وفي الضفة، وفي قطاع غزة، في وجه الهجمة العنصرية والاستيطانية للاحتلال!

واليوم، يوحّدنا مرة أخرى فيروس كورونا؛ هذا الكائن الخطير. نشعر بأن معظم الناس يلتزمون بيوتهم حقيقة خوفاً أو وقاية أو انضباطاً. لا يهم، ولكنه التزام على أي حال. يذكرني بأيام الانتفاضة الأولى من التزام بقرارات القيادة الوطنية الموحدة "قوم"، وما نتج منها من تشكيل لجان للأحياء للتعليم، والتحول إلى الاقتصاد المنزلي، وتقاسم الهم، وتعزيز الأواصر الاجتماعية.

الفرق في زمن كورونا أن التكافل يكون عن بعد من دون زيارات، ويتم توزيع المؤن التي تم جمعها على البيوت المحتاجة من خلال اللجان، في ظل إغلاق المحال وتعثّر الحياة الاقتصادية، ما يخلق حباً جديداً سأطلق عليه "الحب في زمن الكورونا".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أحمد زاغة

مهندس فلسطيني.

إقرأ للكاتب

مسار فلسطيني من بيت جالا وصولاً إلى عين الهوية

المسارات الفلسطينية تتواصل كاشفة مكامن فلسطين بغناها، وجمالها، وتراثها، وتاريخها الغني، ومن...

مسار كروم العنب إلى "بيت دقو" و" عين سلمان"

متابعة لما تكشفه المسارات المتعددة التي يقوم بها الفلسطينيون في فلسطين التاريخية، وتوثيق...

مسار ترفيديا وصولاً الى عين بوبين

أعادت فرق المسارات إحياء نشاطاتها بعد حظر "الكورونا"، وقام فريق "أمشي.. تعرف على بلدك" بمسار...

في ذكرى النكبة.. التطبيع إلى أين؟

إن نهضة الشعوب العربية وقواها الثورية كفيلة بإسقاط مؤامرات التطبيع وصفقة القرن وتبعاتها.