"الموناليزا" الفلسطينية

خلايا ذاكِرة جدَّتي ما زالت بصحّةٍ جيّدةٍ رغم هَرمِها، وما زال قلبها ينبض شباباً لاسترجاع الأرض لأصحاب الحق.

  • "الموناليزا" الفلسطينية
    حملت الجدة إبنها الرضيع خوفاً من المجازر الصهيونية وحفاظاً على أعراضهم

تجاعيدها تحكي عن جرحٍ يُفتَح مع كل ذكرى. طرحت سؤالي لتختلط مشاعر اللوعة بإبتسامةٍ أبدية، خفق قلبها اشتياقاً وارتجفت عيناها حنيناً، وكأن أمامي لوحة "الموناليزا" الفلسطينية.

لم تنس جدتي رائحة زَهْر اللوز وطَعْم التين اللذيذ وقَطْف الزيتون، لم تنس صافِرة القطار وفناء جدّي حياته بحَفْر بئرٍ ومدّ أنابيب لتصل إلى بيَّاراته، والبيّارة تعني في القاموس الفلسطيني أرضاً زراعية واسعة مُلاصِقة للبيت، لم تنس جدَّتي بلدتها البصة قضاء عكا التي تُعرَف اليوم بمُستعمرة (بتست)  وسدِّها العالي الذي تتجمَّع فيه الأمطار لريّ المزروعات،  وقدوم رجال الناصرة للسباحة على شاطئها الطويل.

المرأة البصاوية تقول عنها جدَّتي إنها مختلفة عن غيرها، فقد كانت تُشارِك الرجال بدبكاتهم الفلكلورية وحلقاتهم الفنية كالزجّل والشعر.

تحِنُّ إلى دقّ الكبَّة بالجُرن وإلى مقهى عمِّها، تقول لي إن البصة لها رمزية خاصة بالتعايُش والروح الطيّبة بين أبناء البلدة، فكانت هناك كنيسة للأرثوذكس وأخرى للكاثوليك وجامع واحد للمسلمين.

14 أيار/مايو 1948 حملت جدَّتي إبنها الرضيع خوفاً من المجازر الصهيونية وحفاظاً على أعراضهم، غادرت جدَّتي بلدتها على أمل العودة بعد أسبوع حسب ما قيل لها، فتوجّهت من البصة إلى أقرب نقطة حدودية مع لبنان أي رأس الناقورة، إنتظرت هناك أياماً ليدخل جيش الإنقاذ ويُحرِّر أرضها، ولكن العمل الفدائي قد سقط بيد اليهود واحتلّت كامل البلدات، ثم انتقلت من الناقورة إلى بلدة القليلة وكانت تعتقد أنها ستعود غداً.

بعد سنة عرفت جدَّتي أن وقت العصرِ قد طال والعودة إلى الجذور باتت وَهْمية بحسب قولها، لذلك لجأت إلى عاصمة الشتات مخيم عين الحلوة جنوب لبنان، ومكثت فيه مع عائلتها حتى يومنا هذا.

"دبكة ودبكتين سيف الدين الحاج أمين" عبارة كانوا يتراقصون عليها في أعراسهم تمجيداً لذلك الرجل الثوري قبل النكبة، فبعد أيام من وصولهم إلى لبنان، تقول جدَّتي إن تلك المُفردات انقلبت رأساً على عقب، وقد توجّهت الدعاية المُعارِضة لأمين الحسيني لتُظهِره وكأنه الرجل المُسالِم للإنكليز، واعتقد البعض من الفلسطينيين إن "الحاج أمين باع فلسطين" فعلاً.

ولِدَ الحاج أمين الحسيني عام 1895 في القدس وتمّ تعيينه في عام 1931 مُفتياً عاماً للقدس حيث أنشأ العام 1918 منظمة النادي العربي وهي حركة سياسية لمُكافحة العدوّين الصهيوني والبريطاني، وكانت أولى فتاويه أن مَن يبيع أرضه لليهود هو خارج عن الإسلام، حاولت السلطات البريطانية اعتقاله لكنه لجأ إلى المسجد الأقصى فخشيَ البريطانيون اقتحامه وإثارة مشاعِر المسلمين، استطاع الهرب إلى مصر وسوريا والتقى بهتلر الألماني وموسيليني الإيطالي لحَشْدِ ودعم الثورة الفلسطينية، حيث انتهت رحلته النضالية في لبنان وتوفّى الحسيني عام1975 في بيروت، وشُيِّعَ بجنازةٍ رسميةٍ حضرها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ودُفِن في مقبرة الشهداء.

"فلسطين جنّة يا ستّي فيها الحلو والمالِح"، حدَّثتني عن علاقتهم الأخويّة بالشعب اللبناني وعمل اللبنانيين في فلسطين والمُصاهَرة في ما بينهم. حدَّثتني عن رجولة الفلسطيني في وقت الشدائد، حدّثتني عن أيام العزّ والخيرات وحب الغير من دون تمييز.

كنت على يقينٍ أن خلايا ذاكِرة جدَّتي ما زالت بصحّةٍ جيّدةٍ رغم هَرمِها، وما زال قلبها ينبض شباباً لاسترجاع الأرض لأصحاب الحق، فأطال الله عُمرِها وعلى أمل العودة كما قالت "بدنا نرجع على فلسطين لو بعد مئة عام".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد أبو الخير

حائز على بكالوريوس صحافة من الجامعة اللبنانية الدولية وناشط في القضايا الفلسطينية والعربية