خطاب التطبيع في الوعي العربي.. إحساس بالدونية وبحث عن عدوّ بديل

سنحاول أن نفكّك خطاب التطبيع نفسه، لتقريب القارئ العربي من بعض مضامينه والأسس التي يمتطيها لتبرير وجوده، والآثار التي يرغب في الوصول إليها.

  • خطاب التطبيع في الوعي العربي.. إحساس بالدونية وبحث عن عدوّ بديل
    يجتهد خطاب التطبيع في البحث عن أعداء بديلين أو مساوين لـ"إسرائيل"

 

في الوقت الذي لا زالت الكثير من القوى الثورية العالمية في أميركا اللاتينية وأفريقيا ودول العالم الغربي تناهض التطبيع مع الكيان الصهيوني، على أساس مظلومية الشعب الفلسطيني وحقه في أرضه ودولته، ينبو على السطح العربي خطاب دخيل يوظّف وسائل وقنوات متعدّدة للدفاع عن التطبيع بدلاً من الهجوم عليه.
لن يحاول هذا المقال أن يتعرّض بشكل شامل لهذه الوسائل والقنوات، بقدر ما سيحاول أن يفكّك خطاب التطبيع نفسه، لتقريب القارئ العربي من بعض مضامينه والأسس التي يمتطيها لتبرير وجوده، والآثار التي يرغب في الوصول إليها.

مضمون خطاب التطبيع

- الإحساس بالدونيّة

يتحرّك الخطاب التطبيعي من تصوّر نفسي موغِل في الإحساس بالدونيّة، فالاعتراف بالهزيمة الذي يجتهد في إبرازه المؤثرون (influencers) يوظّف عبارات من قبيل: "لقد انهزمنا أمام إسرائيل" و"إسرائيل دولة قوية"، لكن هذا الحديث لا يحمل في الحقيقة فضيلة الاعتراف بالهزيمة ومواجهة الحقيقة، بالقدر الذي يجتهد في تثبيط الوعي العربي وترسيخ عقدة الضحية المنصاعة للجلاد.

ففي الوقت الذي يرفض أبو مازن، أكبر دُعاة السلام مع "إسرائيل"، رفع راية الاستسلام، تجتهد ماكينة البروباغندا في ترسيخ مفهوم "ضرورة الاعتراف بالهزيمة". 
هذا الاعتراف هو في الحقيقة مصادرة لحق حصري للمتصارعين على أرض المعركة. إذاً، الغرض من هذا الخطاب هو بناء وعي جديد داخل مجتمعات المقاومة وخارجها، من أجل التشويش على خياراتها الاستراتيجية وصناعة رأي عام جديد نقيض وتسويقه.

- البحث عن عدو بديل

يجتهد خطاب التطبيع في البحث عن أعداء بديلين أو مساوين لـ"إسرائيل"، فالتوحّد العام حول هذا الكيان كعدو وحيد طيلة عقود خلق مناخاً ثقافياً عاماً يمثل فيها الكيان وجه الإمبريالية الدخيل على المنطقة. وقد أسهم الفكر القومي والاشتراكي والبعثي والإسلامي على حد سواء في عزل الكيان الصهيوني.
يتّخذ البحث عن الأعداء الجدُد صوَراً مختلفة، فأحياناً يتم اللجوء إلى خطاب القومية، لا من أجل بناء خطة قومية عربية، بالقدر الذي يتم فيه تمييز العرب عن الفُرس والتُرك كقوميتين غالبتين تحاولان الهيمنة على المنطقة، إلى جانب العرق اليهودي الذي أصبح بهذا المعنى "يساويهما في الدرجة، بل يقلّ عنهما أحياناً في الخطورة".
تمثل "إسرائيل" بهذا المعنى خياراً قومياً آخر في المنطقة، مثلها في ذلك مثل التركي والفارسي، أمام العربي المغلوب على أمره؛ مطمع هؤلاء جميعاً. هذه الصورة الجديدة التي يتم تركيبها في الوعي، تحاول أن تبني رؤية جديدة للقومية المنهزمة بدل القومية المنتصرة؛ القومية المستباحة، لا القومية المقاوِمة. إنها تريد للوعي العربي أن يتصوّر المحيطين به جلادين، وعليه أن يختار أصلحهم لكي يستبيحه.
في مستوى آخر، ينبو على السطح خطاب آخر يصوّر الأقليات الدينية والعرقية في العالم العربي كمناطق رخوة قابلة للاستغلال، فهي تعيش وفق هذه البروباغندا تحت "أشكال متعدّدة من التمييز العنصري والعقائدي"، ويتحوّل العربي من ضحيّة هناك إلى جلاد للأقليات هنا، فالأقباط في مصر والأمازيغ في المغرب والكرد في الشرق هم ضحايا هذه "السياسات الممنهجة".
في ظل هذا الوضع، يحاول خطاب البروباغندا الصهيوني الجديد أن يستثمر التراث اليهودي المحلي في العراق ومصر وغيرهما من الدول العربية، كتراث صهيوني تابع للدولة العبرية وجزء منها، وسط الأقليات الأخرى التي يسعى إلى توشيج عرى التقارُب معها، "كإخوان في المحنة" وكضحايا لهذا النظام العربي. 
هذا الوضع يسمح عموماً بالقبول الضمني بالكيان الصهيوني داخل المجموع، وبقبوله كفاعل إقليمي بين فاعلين، وكمكونٍ ثقافي وعرقي بين مكوّنات أخرى.

 

أسس شرعية الخطاب

- الأسس الدينية

تؤدي المؤسّسات الرسمية والمجامع التابعة لها دوراً مهماً في بناء الرؤية الدينية المتحكم بها لتبرير شرعية تصرّفات الحكّام، لكن تظلّ اليوم الكثير من هذه المؤسّسات غير راغبة في تبرير التطبيع دينياً. 

في المقابل، يجتهد الكثير من مواقع التأثير والوسائط التواصلية في التمهيد لهذه الفتاوى، من خلال التركيز على بعض النصوص الدينية الخاصة بالصُلح والهدنة مع اليهود في المدينة المنوّرة، والدخول في نقاشات تواصلية تهدف في النهاية إلى زعزعة الإجماع الديني حول هذه القضية ومثيلاتها، من خلال التشكيك في الأسس الدينية لمركزية الأقصى في الدين الإسلامي، وفي تقاليد كنائس الشرق الرافضة للوجود الصهيوني.

 

- الأسس الاقتصادية

في الحقيقة، تمثل هذه الأسس خطة نتنياهو الذي دعا إليها منذ عقود، والمتأسّسة على خلق مناخ اقتصادي مشترك يسمح ببناء علاقات اقتصادية حيوية بين العرب والكيان: المياه، الغاز، التكنولوجيا، والتبادل التجاري.

واليوم، تمثل "صفقة القرن" الوجه الأكثر وضوحاً لهذا المسار، إذ اجتهدت وسائل الإعلام في التلطيف من أهميتها وتوظيفها كخيار صالح للجميع، وخصوصاً للشعب الفلسطيني، من خلال استبدال صورة "إسرائيل" كمصدر للمخاطر بـ"إسرائيل" كمصدر للفرص والمنافع، والإسهام في استبدال القيادات السياسية الفلسطينية خصوصاً بأخرى اقتصادية باحثة عن التطوير والتنمية بدل المقاومة.

 

آفاق الخطاب التطبيعي

هل يمكن لهذا الخطاب بمفرداته المختلفة أن ينال من الوعي العربي الإسلامي؟

رغم التحوّلات الخطابية التي تشهدها دول الخليج في الفترة الأخيرة، لا زال الوعي الخليجي غير قادر على استيعاب هذا النهج الجديد السريع، وغير قادر على تخيّل النهايات الممكنة لهذه المخاطرات التي يقودها نظامه ووسائل التأثير التابعة له.

في المغرب والأردن، لم تستطع الدولة أن تجاري دول الخليج في سيرها السريع. لذلك، تحاول وسائل التأثير التابعة لها النأي عن هذا المسار الذي قد يتم استغلاله داخلياً لأجل تقويض الشرعية وتهديد استقرارها الداخلي. لقد أدّى هذا الخطاب إلى ردود فعل عكسية صادِمة تجاه "صفقة القرن" وإمكانيات التطبيع الرابضة خلفها.

في مصر، ورغم محاولة الماكينة الإعلامية ربط المقاومة بالإخوان المسلمين، وبناء رؤية جديدة للعلاقة مع الكيان الصهيوني، لا يجد القوميون المصريون أنفسهم معنيين كثيراً "بخطايا الإسلاميين" المزعومة في القضية الفلسطينية. ورغم ترسيخ العلاقات مع الكيان الصهيوني في عهد السيسي، فإن الأزهر والكنيسة والمجامع الأخرى لا زالت عصيّة على هذا النهج.

عموماً، لا زال مشروع الخطاب التطبيعي فاقداً للانسجام الداخلي، لكي يكون قادراً على الإقناع، أمام تاريخ قريب من الصراع الذي يشكّل هُوية العرب والمسلمين، كما أن ذاكرة الفلسطيني المتوزّعة في الوعي العربي وفي مخيمات اللجوء، لا تزال صامدة أمام التحوّلات التي يشهدها المحيط.
من جهة أخرى، ورغم أشكال التنافس والصراع التي تطبع المنطقة العربية والإسلامية، أسهم التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في خطاب الإسلاميين بعد القوميين في تحجيم هذا الخطاب.

ففي إيران، كما في تركيا، وفي الدول العربية، تسهم التناقضات وردود الأفعال والرغبة في مزايدة البعض، في إبقاء التطبيع عنواناً واضحاً لخيانة القضية الفلسطينية في الوعي العربي والإسلامي، الذي لا يفهم كثيراً لغة المصالح والنفعية التي تهاجم اليوم الأرض ومن عليها. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أحمد فال السباعي

باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب

إقرأ للكاتب

قطر ومحاصروها.. الرابحون والخاسرون من التطبيع

لقد أنهكت سياسات ترامب في الخليج هذه الدول، وهدَّدت استقرارها بشكل غير مسبوق منذ بداية الزواج...

ماذا يحدث في موريتانيا؟

ما زالت البصمة الفرنسية في بناء النخبة السياسية واضحة في المشهد الموريتاني ومستمرة فيه، ما يزيد...

دستور تركيا الكونفيدرالي وأزمة العقل الدستوري الإسلامي

العقل الدستوري التركي الجديد يحاول إستعادة المجد الإسلامي وتوحيد الأقطار على أساس الأحلاف...

"صفقة القرن".. فرص وسط العاصفة

على الرغم من مخاطر الصفقة الأميركية الإسرائيلية على الوضع الفلسطيني اليوم، فإنَّ الخطر الذي...

مدارات الصراع في ليبيا ومخاطره

جميع العائلات السعيدة تتشابه، وكل عائلة تعيسة، تعيسةٌ على طريقتها.. (ليو تولستوي).

رهانات داوود أوغلو بوجه إردوغان.. تغيير قواعد اللعبة

في خطاب أحمد داوود أوغلو وبرنامج حزبه الوليد نرى تصوّراً جديداً، يحاول أن يتجاوز خطاب إردوغان...