حارِس الدرب من الضباب.. كي يبقى الوضوح

المطران كبوجي ليس رجل دين أو دنيا بل هو رجل الله الذي أحبّ الإنسان، فسعى أن يُحقّق له كل ما استطاع.

  • حارِس الدرب من الضباب.. كي يبقى الوضوح
    حارِس الدرب من الضباب.. كي يبقى الوضوح

من المُلفِت بمكانٍ أن المُسلسل الذي يتحدَّث عن المطران إيلاريون كبوجي، سيرة ونضالاً أعاد إلى الواجهة من جديد قضية العرب الأولى فلسطين البوصلة الحقيقية، التي أُزِيحَت أنظار العرب عنها بسبب العوامِل التاريخية المُتراكِمة على دنيا العرب منذ سنة 2003 عند اجتياح العراق، مروراً بأحداث تلف أمصاراً مُتعدّدة من دول المنطقة.

شجون العرب الناجمة عن قضيّتهم الأولى أنْسَتهم إيّاها فباتت الأسئلة والتساؤلات تتقاطر من كل حدبٍ وصوبٍ مُسْتَفْسِرة عن حقيقة ملكية العرب لأرض فلسطين والأسباب الموجِبة لمقاومة الكيان الصهيوني.

يأتي حارِس القدس هذا ليلوِّح بعصاه ويجذب الأنظار والانتباه والاهتمام مُعيداً قَلْب الأوراق وهاتفاً مع صاحب المزامير (ها أنا ذا والأولاد الذين أعطانيهم الله). حيث وحَّد هذا الإنسان في هذه الظروف الحَرِجة الدقيقة الرأي العربي، فأسمح لنفسي لأوصفه بأنه سعى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي للمنطقة فكسر الحواجِز ودمَّر الحدود وفجَّر رُكام الخلافات ووجَّه سهماً ناصِعاً طويل الحَربة، تجاه معاهدة سايكس بيكو التي كوَّنت المنطقة وشكَّلت منطقاً يترسَّخ اليوم بعد عشرات السنين.

لذا بتّ أدرك أن هذا المسلسل بمثابة حاجةٍ تثقيفيةٍ تخزينيةٍ أكثر منها تعبوية، وتحريضية للتفكير بقدر ما هي نص قائم بحد ذاته.

 فحارس القدس هذا يُمثّل كل إنسان تربَّى على قِيَم الوطنية وترعرع على مقاعد مدرستها القومية ففعل هذا المزاج والمناخ بمنهجٍ واضحٍ رصينٍ صريح.

حيث يبرز المسلسل النفحة الفلسفية لدى المطران كبوجي، فهو يُمثّل نموذج الإنسان اللامِع الرّزين القوي المُتعَقّل حيث برع بطل المسلسل الأستاذ رشيد عساف في إدخال المُشاهِد إلى عالم المطران كبوجي المُتنوّع والثريّ والبسيط والعميق في آن.

إذ أجاد الكاتِب حسن م. يوسف إمكانية أن يخلق من الشخصية بيئة وسط تطلّ على عالم المطران كبوجي، من ناحية ساعية للإخلاص بأمانة شبه كليّة لرسالته السامية الحقيقية الناصِعة الناضِجة وفي الوقت نفسه تمكَّن من إيصال مُفردات رجل الدين هذا، إلى كل إنسانٍ يحب وطنه فيُعيد قراءة عبارة سعد زغلول (الدين لله والوطن للجميع)، إذ يذكّرنا بقولٍ للمطران جورج خضر (مطران جبل لبنان) الذي يقول ما أحوجنا إلى رجال الله وليس رجال الدين. إذ أن المطران كبوجي ليس رجل دين أو دنيا بل هو رجل الله الذي أحبّ الإنسان، فسعى أن يُحقّق له كل ما استطاع.فيتأرجح المسسلسل بين البساطة العميقة، التي تحبّ الوطن من كل الجوارِح الإنسانية من جهة، والصدق الروحي الذي يجعل الإنسان ممراً ومعبراً حقيقياً للوصول إلى الله. فالآخر هو المِحراب الأقصر الذي ينقلنا إلى السماء وما أجمل من القدس ضمير للعرب كمعراج للسماء؛ حيث اختارها الله منبراً حقيقياً أطلّ من خلاله على الناس أجمعين.

فالروحانية الحقيقية لا تعرف لنفسها وجوداً خارج الأخ الفلسطيني، ومنه لكل مظلوم ومكلوم ومُحارِب ومُشرَّد في العالم. 

وباسل الخطيب الفلسطيني الهوى والهوية أخرج المسلسل، فخرج عن صمت كل إنسانٍ مظلومٍ في العالم وهذا ما ذكّرنا به المسلسل حين عاد المطران كبوجي إلى فلسفة لاهوت التحرير هذه الفلسفة الروحانية الصادقة التي لا تعرف للإصطفاف من وزن ولا للمَتْرَسة من وِزر بل هي مدرسة المنهج الواضح الداعي إلى كَسْرِ القيود وبناء الجسور. حيث لم يظهر المطران كبوجي من خلال هذا المسلسل كرجلٍ سياسي، بل كرجلٍ وطني ورجل دولة. حيث ذكّرنا بالفيلسوف الأميركي كلارك الذي يقول إن الفارِق بين رجل الدولة ورجل السياسة، أن الأخير يُفكّر بمستقبل صندوق الانتخابات، أما الأول فيضع أمام عينيه هاجِس مستقبل الأجيال القادِمة. فنرى بشكلٍ جليّ من خلال السيرة المُقدَّمة درامياً مدى انسجام مفهوم رجل الدولة، مع رجل الله من خلال مواقف المطران كبوجي الذي لم يألُ أو يدخِّر جهداً لتبيان أن الإنسان لا يستطع أن يعيش روحانيّته بعيداً عن الإنسان ولا أن يفعل إنسانيّته بعيداً عن العلاقة مع الله.

تعود إلينا أمام هذا المشهد كلمة الزعيم جمال عبد الناصر، حين قال (إن ما أُخِذَ بالقوَّة لا يُستَردّ إلا بالقوَّة). وللقوَّة أشكال وأسباب وغايات، فكان المطران كبوجي قوّي الموقف ثاقِب الرؤية يستجلي المُستقبل ويستشرف معانيه فيتحيَّن الفرصة المناسبة للانطلاق من جديدٍ من بعد كل تعثّر قد يُدَحْرِج الحجر ويفشل المُخطّطات. فنرى أن المطران كبوجي لا يمثل نفسه أو السياق الذي خرج منه بل هو مع الأب إلياس زحلاوي من شُعبة الناس القائلين بضرورة أن يسعى كل مسيحي ليصبح مسيحاً آخر، وهذه ليست شعارات تقلباها بل منهج حياة مُتكامِل كان بالنسبة إليهما حقيقة حياة لا تقتصر على بُعد مُعيّن، بل تستشرف بإشراق كل السياقات.

فحارس القدس هذا إذن شمعة مُنيرة أضاءت ظُلمة تشوّش غير بريء، وهو مشعل ضروري يُرشدنا إلى المكان الصحيح.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سامر عوض

كاتب سوري

إقرأ للكاتب

بطريرك أخّاذ

يفتح البطريرك مار نصر الله بطرس صفير شهيّة الباحث، ليثير إشكاليات لم يتجرّأ سواه أن يفتحها لأنه...

ترامب والجولان

لكننا لن نموت، سنبقى نقاوِم المخرز بالعين ولتخسأ أية قوّة في العالم تقرّر أن تُضني جهودنا وتلوي...

الأم والأمّة العربية

إن العنصر الرابع الإلزامي إضافته إلى الحبر، والورق، والحرية لأيّ نص هو أن يبثّ الأمل في نفوس...

نيوزيلندا: مجزرة أم مُعضلة عالمية

ما جرى يوم الجمعة 15 آذار 2019 في نيوزيلندا، لن يقلَّ تأثيره عما وقع في اليوم ذاته سنة 2011 في...