التطبيع وصفقة القرن.. فرصة ترامب ونتنياهو

بفعل الفشل الذي تعاني منه الإدارة الأميركية محلياً وعالمياً، وفي مواجهة فيروس كورونا، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية، فإن الورقة الوحيدة أمامها تبقى "إسرائيل" واللوبي الصهيوني.

  • الواقع الآن أننا نعيش زمناً إسرائيلياً في كثير من الساحات العربية والدولية

تتواصل فصول النكبة الفلسطينية منذ العام 1948، ومعها فشل القيادات العربية، وخصوصاً الفلسطينية، في مواجهتها، وما ترتب عليها وما تبعها من احتلال كامل لكل الأرض الفلسطينية، وتحويل أكثر من نصف الشعب الفلسطيني إلى لاجئ مشرد في بقاع الدول العربية المحيطة والعالم، وتدمير بنيته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لخلق واقع جديد في المنطقة لا يسمح بوجود سوى دولة واحدة وشعب واحد على هذه الأرض، هي دولة الصهاينة الذين لا يمتّون إلى هذه الأرض بأي صلة، وإنما يعود أصلهم إلى منطقة الخزر في شمال القوقاز، حيث تهوّدوا فيها في القرن السابع الميلادي، وانتشروا في بقاع أوروبا والعالم بعد احتلال الروس للمنطقة، ومن ثم جلبتهم الحركة الصهيونية إلى فلسطين، وفق استراتيجيّة استندت فيها إلى أساطير خرافية تزعم الحق التاريخي لليهود بملكية الأرض ووعود ربانية.

المشروع الصهيوني بإقامة الدولة اليهودية في فلسطين، والذي بلوره هرتزل وأطلقه في العام 1897، لاقى ترحيباً وتأييداً من قبل قوى الاستعمار الأوروبي في ذلك الوقت، وخصوصاً بريطانيا، التي تبنّت المشروع ودعمته وعملت على تنفيذه بعد احتلالها فلسطين في العام 1917، خدمةً لمصالحها في السيطرة على المنطقة وتشكيل دولة غريبة حاجزة في قلب الوطن العربي تمنع وحدته وتطوّره .

حافظت الحركة الصهيونية و"دولة" الاحتلال الإسرائيلي التي أقيمت على أنقاض الشعب الفلسطيني وعلى أرضه، على استكمال وتحقيق استراتيجيتها بالقضم التدريجي للأرض الفلسطينية والعربية وتهويدها، من خلال العمل على إضعاف الدول العربية المحيطة وتفتيتها، عملاً بما قاله أول رئيس وزراء لـ"دولة" الاحتلال الإسرائيلي بن غوريون: "عظمة إسرائيل ليست في امتلاكها القنبلة النووية، ولا ترسانتها المسلحة، ولكنها تكمن في انهيار 3 دول، مصر والعراق وسوريا، وعلى إسرائيل أن تجنّد الأقليات العرقية والمذهبية في المنطقة المحيطة لخدمة المصالح الإسرائيلية".

في شباط/فبراير 1982، صدرت دراسة للكاتب الصهيوني أوديد بينون (مدير معهد الدراسات الاستراتيجية) تحت عنوان "استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات"، وجاء فيها: "إنّ العالم العربي ليس إلا قصراً من الأوراق بنته القوى الخارجية في العشرينيات، فهذه المنطقة قُسّمت عشوائياً إلى 19 دولة تتكوّن كلّها من مجموعاتٍ عرقية مختلفة، ومن أقلّياتٍ يسودها العداء لبعضها البعض (...) وهذا هو الوقت المناسب لدولة إسرائيل لتستفيد من الضعف والتمزّق العربي، لتحقيق أهدافها باحتلال أجزاء واسعة من الأراضي المجاورة لها، وتقسيم البعض الآخر إلى دويلات على أساس عرقي وطائفي".

ومن هذا المنطلق، رفضت "دولة" الاحتلال حتى الآن، وعلى الرغم من الاعتراف الدولي، وحتى العربي والفلسطيني بها، الإعلان عن حدودها الدولية، على أمل السيطرة على أكبر قدر من الأرض الفلسطينية والعربية وحقول النفط في البحر المتوسط.

الواقع الآن أننا نعيش زمناً إسرائيلياً في كثير من الساحات العربية والدولية؛ زمناً إسرائيلياً تحولت فيه "دولة" الاحتلال إلى صديق وحليف للعديد من الأظمة العربية في مواجهة إيران، التي تحولت بفعل التضخيم الأميركي والإسرائيلي والحروب الأهلية والطائفية في المنطقة إلى عدو أول يجب مواجهة خطره بالتطبيع والتحالف مع "دولة" الاحتلال الإسرائيلي، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية العرب الأولى التي تحظى بإجماع إلى قضية ثانوية تخص الفلسطينيين فقط، حتى وصل الأمر بالبعض إلى تشوية سمعة الفلسطينيين واعتبارهم أساس المصائب في المنطقة، واختلاق "هاشتاغات"، من مثل "فلسطين ليست قضيتي"، لتبرير تطبيعهم.

وقد استغلت "دولة" الاحتلال الإسرائيلي قوة اللوبي الصهيوني العالمي ونفوذه، وعلاقات التحالف الوثيقة مع الولايات المتحدة ودول أوروبية، إضافة إلى الأوضاع المزرية في الدول العربية، وعدم امتلاكها قوة ردع حقيقية، ما شجعها على الاستهتار بكل القوانين والقرارات الدولية الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية ورفض تطبيقها، وجعلها تفرض على القيادة الفلسطينية بإرادتها اتفاق أوسلو المذلّ الذي يعتبر محطة رئيسية تكميلية للنكبة الفلسطينية المتواصلة.

هذه الحالة استغلتها حكومة الاحتلال بموازاة تشكيل السلطة الفلسطينية ومنحها صلاحيات إدارية لإدارة حياة وشؤون التجمعات الفلسطينية الكبيرة دون الأرض، وتقديم خدمات أمنية للاحتلال، ما أعفاه من تنفيذ مهامه التي تنص عليها المواثيق الدولية، وتفرغ لاستغلال هذه الاتفاقيات لتهويد الأرض الفلسطينية، من خلال القضم التدريجي، وتوسيع المستوطنات، وزيادة أعدادها، وشق الطرق الواسعة والحديثة الموازية للربط بينها، وتقسيم أواصر المناطق الفلسطينية ومنع تطوير بنيتها الاقتصادية والتنموية، لجعلها سوقاً استهلاكية تابعة لـ"إسرائيل" وتعتمد عليها بالكامل .

ارتكبت القيادة الفلسطينية خطأ كبيراً بتوقيعها اتفاقيات أوسلو وملحقاتها، فبموافقتها على هذه الاتفاقيات، وخصوصاً تأجيل البت بالقضايا الخلافية الرئيسية، وهي ترسيم الحدود ومستقبل القدس والمستوطنات وقضية اللاجئين، إلى مرحلة لاحقة، سهلت على القيادة الإسرائيلية استغلالها، عبر المماطلة في المفاوضات، وافتعال الخلافات لكسب الوقت، للعمل على مصادرة المزيد من الأرض، وخصوصاً المسماة منطقة "سي"، وبناء المستوطنات اليهودية عليها وتوسيعها وتطويرها، وزيادة حجم مدينة القدس عبر ضم المستوطنات القريبة إلى أحيائها، وتطويق الأحياء العربية في شرقها، ليصبح من المستحيل إعادة تقسيمها، وتحويلها إلى أمر واقع، وإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال التضييق على الأونروا، وصولاً إلى إنهاء عملها، وتحويل مهامها إلى إدارات دولية أو محلية أخرى، وعرض مشاريع لتوطينهم أو تهجيرهم إلى بلدان أخرى.

وفي الوقت نفسه، عملت حكومة الاحتلال على إضعاف السلطة الفلسطينية التي تشكّلت بموجب هذه الاتفاقيات، برفض منحها سلطات حقيقية، وإصرارها على تحويلها إلى مجرد إدارة تتبع الحكم العسكري والإدارة المدنية الإسرائيلية، وتسخير أجهزتها الأمنية بفعل التنسيق الأمني للحصول على المعلومات، ومنع أي مقاومة فلسطينية، وتحوّل العديد من قيادة وكبار موظفي السلطة وقادة أجهزتها الأمنية إلى مراكز قوى متصارعة في ما بينها على النفوذ، ومقاولين لا يهمهم سوى استمرار مصالحهم التجارية وامتيازاتهم التي يتمتعون بها بفعل الاحتلال والفساد الذي استشرى فيها.

 تعتبر الإدارة الأميركية، برئاسة ترامب وطاقمه المناصر لـ"إسرائيل"، من أكثر الحكومات الأميركية يمينيةً ومناصرةً لـ"إسرائيل"، ودعماً لها، وخضوعاً لإملاءاتها، إذ عمدت إلى استثمار الأوضاع المزرية في العالم العربي بطرح "صفقة القرن"، وجوهرها تصفية القضية الفلسطينية وما تضمّنته من خطوات عملية، كالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة أبدية لـ"إسرائيل"، وتحويل الاعتراف إلى أمر واقع، على الرغم من عدم تأييد الخطوة عالمياً، سوى من عدد قليل من الدول الهامشية، ووافقت على ضمّ الجولان، وأوقفت كل أشكال الدعم المالي للشعب الفلسطيني والأونروا، وكل المنظمات التي تدعم الحق الفلسطيني وتنتقد "إسرائيل".

وبفعل الفشل الذي تعاني منه هذه الإدارة محلياً وعالمياً، وخصوصاً في مواجهة فيروس كورونا، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية، وتخوّفها من الخسارة فيها، وخصوصاً أن استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم المرشح الديموقراطي جو بايدن للفوز فيها على ترامب، فإن الورقة الوحيدة أمامها تبقى "إسرائيل" واللوبي الصهيوني، على أمل إعادة رد الجميل لتعزيز فرص فوز ترامب، فقد أطلق طاقمها التصريحات المؤيدة والداعمة لضم المستوطنات والأغوار، واعتبار ذلك حقاً لـ"إسرائيل" تعلنه متى تشاء، رغم أن هذا البند يعتبر ركناً أساسياً في "صفقة القرن" المعلنة من ترامب، وأوفدت وزير خارجيتها للقاء نتنياهو عشية تشكيل الحكومة الجديدة، للبحث في توقيت إعلان الضم وأمور أخرى تخص إيران والمنطقة، مع الإيحاء بأن الإدارة الأميركية تطلب التريّث في إعلان الضم، بهدف محاولة جر القيادة الفلسطينية إلى العودة للمفاوضات، وتقديم البديل لتحسين الخطة، لضمان قبولها فلسطينياً وعربياً ودولياً.

وسواء وافقت السلطة الفلسطينية أو تمنّعت، فإن قرار الضم يعتبر في صلب الاتفاق الذي جرى على أساسه تشكيل حكومة الائتلاف الإسرائيلية الحالية، ولن يتردد نتنياهو في استغلال الفرصة التاريخية الآنية، التي قد تكون الأخيرة له كرئيس للوزراء، للإعلان عن القرار في الأسابيع القادمة كحد أقصى.

فهل بإمكان القيادة الفلسطينية بشقيها، السلطة في رام الله وحماس في غزة، مواجهة قرار الضم؟ وهل بإمكان الرئيس عباس تنفيذ تهديداته المتكررة بوقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع "إسرائيل" وأميركا، والتي أصبح لا يثق بها، ولا يصدقها أحد حتى من مقربيه؟

 وسواء نفَّذ عباس تهديداته أو لم ينفّذها، فإن هذا الأمر فقد أهمّيته، وخصوصاً أن الاتفاقيات أصبحت بحكم الملغاة، وتجاوزتها حكومة الاحتلال بإجراءاتها بعد استنفاد مهامها. 

إن القيادة الفلسطينية برمّتها، والتي ترتهن ببقائها للاحتلال، أصبحت عاجزة عن إصلاح نفسها وإنهاء انقسامها وإصلاح المؤسسات الفلسطينية، وهي عاجزة عن مواجهة مشاريع الاحتلال والتطبيع، وبالتالي فالمطلوب استراتيجية نضال وطنية تشارك في صياغتها مختلف قطاعات الشعب الفلسطيني والمنظمات الجماهيرية الوطنية والأهلية، وعلى رأسهم الأسرى، ولا تبقى حكراً على القيادة الحالية التي ثبت فشلها، ولا يهمّها سوى مصالحها وامتيازاتها.

المطلوب استراتيجية لا تحتمل المراوغة والانتظار والمراهنة على مفاوضات عبثية، بل تنهي كل ما يتعلق باتفاقيات أوسلو؛ استراتيجية تستفيد من الإمكانيات والقدرات الشعبية الفلسطينية، وتطلق العنان للمقاومة الشعبية بكل أشكالها، وتستفيد من تجربة المقاومة، سواء في الضفة وغزة أو إمكانيات حزب الله وقوى المقاومة في المنطقة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نزيه خطاطبه

إعلامي فلسطيني في كندا

إقرأ للكاتب

قد يستخدم ضد المنتقدين.. برلمان أونتاريو يناقش "معاداة السامية"

أطلقت منظمة "بيناي بريث" حملتها مؤخراً عبر رسالة لوزير خارجية كندا تدعوه فيها إلى رفع راية...

إردوغان فَقَدَ هيبته.. يعترف بـ"اتفاقية أضنة" وينكر من وقّعها

من الواضح أن إردوغان في ورطةٍ قد تنعكس على الوضع الداخلي لبلاده وعلى الرأي العام التركي الذي قد...

"العراق أولاً" يستدعي خروج أميركا أولاً

نتفهّم مواقف العراقيين الذين يرفعون شعار "العراق أولاً" ولا يخفون أهدافهم بأن يكون العراق...

بطلبٍ من ترامب: حكومة الاحتلال الإسرائيلي تمنع نائبين في الكونغرس من زيارتها

حكومة الاحتلال الإسرائيلي  تصدر قرار بمنع النائبين الأميركيتين الديمقراطيتين، رشيدة طليب وإلهان...

عن فساد مسؤولين أجانب في وكالة "الغوث"

منظمة بيناي بريث B'nai B'rith الصهيونية التي تدَّعي أنها تُدافِع عن حقوق الإنسان واليهود في كندا...

ماذا بعد ورشة البحرين الاقتصادية

الورشة الاقتصادية في المنامة والتي خطَّطت لها وأدارتها عصابة فريق "السلام" الأميركي الذي يضمّ...