العراق ما بعد 2020.. رؤية مستقبليّة

من الممكن أن تتحاشى الحكومة العراقية تحقيق أيّ من السيناريوهات التالية، من خلال اتباع مجموعة من الخطوات المدروسة بعيداً من أيّ ضغوطات، سواء داخلية أو خارجية.

  • العراق ما بعد 2020.. رؤية مستقبليّة
    مسعف يسير أمام مركبات الجيش العراقي - ببغداد 21 أيار/مايو 2020 (أ ف ب)

يعدّ العراق العمود الفقريّ لمنطقة الشرق الأوسط، بناء على معطيات مختلفة الأبعاد، منها لأسباب جغرافيّة، ومنها لأسباب اقتصاديّة، وأسباب أخرى لسنا في صدد بحثها.

بعد أزمة الوباء العالميّ (فيروس كورونا) المستمرّ في الانتشار، وموجة التظاهرات القوية التي سبقتها، أنتجت هذه الظروف، وما زالت، الكثير من المخلّفات التي أثقلت عاتق الحكومة العراقية، ما جعلنا في مواجهة سيناريوهات محتمل تحقيقها. هذه السيناريوهات هي:

أولاً: سيناريو الانهيار والتحوّل إلى اللادولة

نرى في هذا السيناريو أنَّ الأوضاع العامّة للعراق، وخصوصاً الأوضاع الاقتصادية، تنتقل إلى أسوأ حالاتها، ولأسباب عديدة، تجعل العراق يعاني من الانفلات في أغلب المجالات، وخصوصاً الأمنية والاقتصادية، إذ لا يمكن تطبيق القانون بنسبة 40% مقارنة مع تطبيقه في الوقت الحالي، وتتصارع جميع الأطراف لتضمن مصالحها، وكأننا نعيش في الحياة البدائية التي تصوَّرها توماس هوبز، حيث الأقوى هو السائد (حكم الغابة).

أ‌- فرص تحقيق هذا السّيناريو: 

في هذا السّيناريو الكثير من الفرص التي تعمل على تحقيقه، إلا أننا نورد بعضاً منها: 

· يعتمد العراق على الإنتاج النفطيّ في أغلب صادراته وإنتاجه، وهذا ما يجعله تحت رحمة الأسواق النفطية المتقلّبة في الوقت الراهن.

·  سوء إدارة القطاع الزراعيّ بشكل كبير، وعدم القدرة على تحقيق اكتفاء ذاتي، فكيف يمكن الاعتماد عليه كمصدر إنتاجي بديلاً من النفط؟

· انتشار الفساد وكثرة الوعود بمحاربته، إلا أنّها فقدت المصداقية، ووصلت إلى مرحلة اللامبالاة من قبل الشارع العراقي.

· مطالب التظاهرات لم تتحقق، وهو ما خلق جواً من عدم الرضا بشكل واسع.

· زيادة تهديد كورونا وقلة الخدمات الصحية، فأصبح الفيروس تهديداً حقيقياً على تماسّ مباشر بحياة المواطنين.

· كثرة الجماعات المسلّحة في العراق، والتي من الممكن أن تستخدم سلاحها ضد طرف معين عندما تتضارب مصالحها معه.

ب‌- كوابح تحقيق هذا السيناريو

إنّ كوابح هذا السيناريو أو معوّقاته تتعلق بالتقدم الذي يمكن حصوله في عملية الانسجام بين مطالب المتظاهرين والحكومة الجديدة، وهي كثيرة، لكننا نورد منها:

· عمل الحكومة على تقليل الفجوة بينها وبين المتظاهرين، من خلال تنفيذ المطالب الأساسية التي يكون في مقدمتها محاكمة قتلة المتظاهرين، ومعرفة مصير المخطوفين منهم، وكذلك الاستعداد لإجراء انتخابات مبكرة وفق قانون انتخابي جديد.

· زيادة الوعي بين الأطراف السياسيّة، واقتناعها بضرورة إجراء تعديلات جوهرية على العملية السياسية.

· مكافحة الفساد بنسب معقولة، لأننا نعلم جميعاً أن الفساد أصبح في وضع من الصعوبة السيطرة عليه بشكل تام.

· ارتفاع أسعار النفط الذي يعمل بدوره على تغذية النفقات الحكومية العالية، وعمل الحكومة على تقليل هذه النفقات، حتى تمتصّ الغضب الجماهيري من ارتفاعها وإهدار كميات كبيرة من المال على شكل رواتب وامتيازات للبعض على حساب البعض الآخر. 

ثانياً: سيناريو الانتصار وعودة التظاهرات الشّعبية

سجّل العراق أعداداً قليلة من المصابين بفيروس كورونا، إذا ما تمّت مقارنتها مع أعداد الدّول المجاورة، وذلك يرجع إلى أسباب معيّنة منها:

أ‌- ما يمتاز به المواطن العراقي من مناعة جيّدة بسبب الملوّثات البيئية التي يعانيها منذ فترات طويلة.

ب‌- قلّة الأجهزة التي توفّر الفحص السريع لعيّنات الفيروس، ما جعل أعداد المصابين قليلة.

ت‌- عزوف الكثير من المصابين عن الذهاب لإجراء الفحص وغيرها الكثير من الأسباب.

وبغضّ النظر عن هذه الأسباب، فمن الممكن أن نتجاوز الأزمة، ونتحوّل إلى مرحلة جديدة من الممكن أن تتعزز فيها التظاهرات ضد الحكومة العراقيّة الجديدة، والّتي بدورها تجعل ارتفاع سقف المطالب أمراً حتمياً، وخصوصاً بعد أن توصل الشّارع العراقيّ إلى نتيجة مفادها أنّ التّظاهرات هي الحلّ الوحيد للحصول على الحقوق، وعدم التهاون أو انتظار الحقوق من الحكومة، حيث أصبحنا نسمع مقولة "الحقوق تؤخذ ولا تعطى" كثيراً بين المواطنين.

أ‌- فرص نجاح هذا السيناريو

أيقنت جميع الأطراف أنّ المتظاهرين على استعداد كامل للعودة إلى ساحات التظاهر بقوة، وخصوصاً أن الحكومة العراقية الجديدة لم ترتقِ إلى الآن إلى قرارات شجاعة تمسّ مطالب المتظاهرين الأساسية أو تتماشى معها. وفرص تحقيق السيناريو هي: 

· مطالب المتظاهرين لم تتحقَّق.

· المطالبة بدم الشهداء وارتفاع روح الحماس لدى المتظاهرين بشكل كبير، وخصوصاً بعد ترجيح استغلال الحكومة لفيروس كورونا لمنع عودة التظاهرات.

· الحكومة لم تستجب بشكل جدّي للمطالب، وإنما اقتصر أداؤها على أشياء ثانوية فقط، وهي إلى الآن لم تعلن عن أي مطلوب أو متهم بقتل المتظاهرين أو من قام بخطفهم.

أما في ما يخص معالجة فيروس كورونا، فإنها تتلخَّص في الآتي:

· زيادة الخبرة التراكمية لدى المراكز الصحية في عموم العراق، جراء معايشتها للمصابين وإشرافها على تعافيهم.

· زيادة الوعي الصحي لدى المواطنين بنسب عالية، مقارنة مع الأيام الأولى لانتشار الفيروس.

· الدعوة إلى ضرورة التعامل مع الفيروس، لعدم وجود علاج له، وعدم الهروب في دوامة الحظر الشامل للتجول.

· الأعداد قليلة، ومن الممكن السيطرة على الفيروس أو التعامل معه في فترات قادمة، بفضل المساعدات الدولية من الأجهزة الطبية والأدوية.

ب- كوابح تحقيق هذا السيناريو

تتقيّد التظاهرات بالكثير من القيود التي عاشتها قبل أزمة كورونا، إذ تدخّلت جهات معيّنة لزعزعة أمن التظاهر والتهديد، ومن الممكن أن يؤثر هذا الأمر سلباً في واقع التظاهر، ولأسباب منها:

· التّظاهرات وصلت إلى نتيجة جيدة، لكنها ليست بالمستوى المطلوب، وهو ما قد يؤثر في قناعات بعض المتظاهرين في إمكانية استجابة الحكومة الجديدة لمطالبهم.

· تراجع الدعم الشعبي للتظاهرات بسبب الأزمة الاقتصادية التي سبّبها فيروس كورونا، وعدم القدرة على دعمهم لوجستياً كالفترة السابقة.

· تأثّر مصالح الكثير من المواطنين قد يحوّلهم إلى محايدين، وأغلبهم قد يتذرّعون بأسباب منها أن التظاهرات أضرَّت بمستقبل أبنائهم الطلبة.

·  زيادة أعداد المصابين وعدم اتّساع المنشأة الصحية لهم.

· تهاون المواطنين وإهمالهم للتعليمات الصحية، والتوجّه إلى كسر الأوامر الصحية.

وفي النتيجة، نرجّح السيناريو الأول، وفق اعتبارات عديدة، منها عقلانية فرص تحقيقه، وكذلك صعوبة تحقيق كوابحه. إضافةً إلى ذلك، من الممكن أن تتحاشى الحكومة العراقية تحقيق أيّ من هذه السيناريوهات، من خلال اتباع مجموعة من الخطوات المدروسة من قبل المراكز البحثية والمختصّين، بعيداً من أيّ ضغوطات، سواء الداخلية أو الخارجية، واتباع الشفافية في معالجة الأمور، والكشف عن الأمور بصورة واضحة أمام الشارع العراقي، لتقليل الفجوة بينها وبين المواطنين، وخصوصاً أننا نعلم أن أزمة كورونا هي التي أوقفت التظاهرات أو جمّدتها في الوقت الحالي.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
كرار فرحان هاني الطائي

ماجستير علوم سياسية، باحث في الشؤون السياسية والسياسات الدولية