فخّ الديون المصريّ وتعويم الجنيه!

صدر تقرير عن وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني، حذّر قبل بداية استفحال أزمة كورونا من أن تكلفة خدمة الدين أو الفوائد ستعوّق الاقتصاد المصري أو تفرمله.

  • فخّ الديون المصريّ وتعويم الجنيه!
    يتخوف أهل المال والاقتصاد في القاهرة من أن يكون ارتفاع الدولار بمثابة مؤشر لتعويم الجنيه

انتاب المصريين القلق في الآونة الأخيرة من اقتراض الحكومة باستمرار، وهو الأمر الذي سينعكس سلباً على الاقتصاد، إذ بلغ الدين الخارجي مؤخراً 112 مليار دولار، بينما الجنيه المصري حالياً في أدنى مستوياته. وخلال 7 أشهر، فقد 50 قرشاً، بعد أن كان المسؤولون يتغنّون بثباته أمام سلّة العملات. ولكي لا نتّهم بالانحياز، فإن العملة المصرية لم تهبط وحدها عالمياً، فالليرة التركية هبطت 12% أيضاً، والريال البرازيلي انخفض 20%.

وما يقلق خبراء المال غير الحكوميين في مصر أن يكون ارتفاع الدولار أمام الجنيه مؤشراً لتعويم آخر قد يطيح بالقدرة الشرائية لمعظم طوائف الشعب، الّذي طحنته كورونا وارتفاع الأسعار ورفع الدعم عن الخدمات، رغم أن المسؤولين مستمرون في تصريحاتهم الوردية وإنجازاتهم الورقية التي لم يشعر بها الناس، بل إن الحكومة اعترفت بأن هناك 32 مليون مصري تحت خطّ الفقر.

لقد صدر مؤخراً تقرير عن وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني، حذّرت فيه قبل بداية استفحال أزمة كورونا من أن تكلفة خدمة الدين أو الفوائد ستعوّق الاقتصاد المصري أو تفرمله. وأشارت إلى أنّ فوائد الديون الخارجية المستحقّة على مصر تقدر بنحو 9% من الناتج المحلي خلال العام المالي الحالي، وهو أمر خطير ومستوى يهدّد بأن تصبح مصر "مستعمرة مالية"، أي أنها قد تضطر إلى بيع بعض أصولها لسداد الديون المستحقّة.

وقد حدث هذا الأمر من قبل، عندما عجزت حكومة سريلانكا عن سداد ديونها للصين، فاضطرت إلى تأجير ميناء هامبانتونا الجنوبي لبكين، لقاء عقد مدّته 99 عاماً. وتكرر الشيء نفسه مع باكستان وعدد من الدول الأفريقية.

يتخوف أهل المال والاقتصاد في القاهرة من أن يكون ارتفاع الدولار بمثابة مؤشر لتعويم الجنيه، تنفيذاً لمطالب صندوق النقد الدولي، حتى يكون ممكناً إعطاء مصر قروضاً جديدة... وما يدعم هذه الفرضية لديَّ ولدى آخرين هو تقرير وكالة "بلومبرج" الاقتصادية العالمية، الذي أكد أن قيمة العملة المصرية مبالغ فيها بنسبة 16%. وإذا تم قياسها على سعر الصرف الفعلي الحقيقي، فسيكون سعر الدولار 18.56 جنيهاً. 

قرأنا في الصحف أسباباً وتفسيرات كثيرة لاضطرار الدولة إلى الاقتراض، منها هبوط أسعار البترول حوالى 50%، وانخفاض الاحتياطي النقدي للدولة، نتيجة انعدام عائدات السياحة وتحويلات المصريين في الخارج، وانخفاض إيرادات قناة السويس، وتباطؤ معدلات النمو بسبب وباء كورونا. ربما يكون ذلك صحيحاً ومنطقياً، لكنه ليس السبب الرئيسي.

واقع الأمر هو عقلية من يدير الاقتصاد المصري بنظرية قصيرة الأمد، تهتزّ بقوة إذا تعرضت البلاد لأي عوامل خارجية، فالقاهرة كنز استراتيجي لبيوت المال الأجنبية والأموال الساخنة أو ما يعرف بـ"The Hot Money".

هذه الأموال الساخنة خرج منها 17 مليار دولار خلال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل الماضيين، وكانت تستثمر في الدين المصري، أي أننا كنا نسدد الفوائد منها، فلماذا خرجت؟ لأنها حققت مكاسب فوق العادة، مرة من حصولها على فائدة مرتفعة 15%، والأخرى من مكسبها من فرق العملة.

لقد سلّمت الحكومة المصرية الدولار بسعر يقترب من 18 جنيهاً، ثم استردت الدولار بعد ذلك بسعر 15.5 جنيهاً، لتحقّق الأموال الساخنة فائدة تقترب من 12%. وللأسف، تحرك سعر الصرف، وانخفض الجنيه بعد خروج هذه الأموال، رغم أن من المفترض أن يترافق الانخفاض مع خروج الأموال الساخنة، لتقليل مكاسبها، وليس بعده، الأمر الذي يفتح علامات استفهام حول شبهة مغازلة وإغراء وتعمّد أن تربح بيوت المال العالمية من فقر المواطن المصري، لتزيده بؤساً وشقاء، وخصوصاً أن الحكومة تعتبر أن من يحصل على 700 جنيه شهرياً، أي ما يعادل 42 دولاراً، ليس فقيراً.

الأمر في مصر أصبح خطيراً، لأن تبعية البنك المركزي نُقلت إلى رئاسة الجمهورية، وبالتالي اكتسب حصانة ضد النقد، كما أن زيادة الاقتراض، من دون وجود رقيب من البرلمان أو جهاز المحاسبات، أصبحت أمراً يسيراً، وبالتالي بدأوا بطبع النقود، لأنها السبيل الوحيد لتلبية متطلبات الحكومة.

في رأيي، إن على الاقتصاد المصري تعديل مساره، وإعادة ترتيب أولوياته، وتطبيق سياسة تقشّف، حتى لا يكرر أخطاءه في الاقتراض الخارجي، وتُفتح الأبواب لكارثة الأموال الساخنة. ولا بد من بناء احتياطي نقدي حقيقي يعتمد على الإنتاج، لا على تقلبات خارجية أو محلية أو عالمية. 

المطلوب أن تكون الصناعة والزراعة والتصدير قاطرة الإنتاج وركيزة الاحتياطي وتوطين الاستثمارات الأجنبية، وليس في اكتناز احتياطي نقدي عماده الأموال الساخنة، تُستنزف فيه تكلفة الدين وفوائد خدمته، وتُهدد سيادة الوطن واقتصاده وفرملة معدل النمو الحقيقي كلّ حين.

على مصر، في نصيحة خالصة لوجه الله، أن تنتبه قبل أن تتحوّل إلى مستعمرة ماليّة، وخصوصاً أن تاريخنا مع صندوق النقد حافل بالذكريات المؤلمة. وعلى المسؤولين المصريين أن يضعوا نصب أعينهم ما سبَّبه الصندوق من مجاعة لدولة مالاوي في العام 2002، إذ أُجبرت على بيع مخزونها الاحتياطي من الحبوب لسداد فوائد القروض، ودخلت البلاد في مجاعة أشد.

فخّ الديون له مخاطر كبرى على الأمن الاجتماعي المصري، وخصوصاً بعد أن أطاحت القرارات الاقتصادية الأخيرة بقيمة مدخرات المصريين. إنّ السيادة الوطنية ليست أناشيد ومسلسلات وشعارات فقط، ولكن الأهم امتلاك نظام نقدي قوي وعملة مستقرة، بعيداً من صندوق "النكد" الدولي. 

ويبقى الودّ ما بقي العتاب.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد علي إبراهيم

كاتب صحافي مصري، عمل سابقاً رئيس تحرير صحيفة الجمهورية ورئيس تحرير "الايجبشيان جازيت" اليومية الانجليزية